الجمعة 21 اغسطس 2026

ثقافة

ألفت عاطف: «انحناء رضا الطويل» روايتان تتقاطعان بين الحقيقة والرمز (حوار)

  • 21-8-2026 | 10:17

ألفت عاطف

طباعة
  • بيمن خليل

في روايتها «انحناء رضا الطويل» تذهب الروائية ألفت عاطف إلى منطقة سردية تجمع بين الواقع والديستوبيا، عبر حكايتين تبدوان منفصلتين في البداية، قبل أن تكشف الرواية عن الروابط العميقة بينهما. حكاية أولى لرجل يواجه مأساة فقد ابنته، وينهار تحت وطأة حزنه وواقعه الاجتماعي والنفسي، وأخرى تتخيل القاهرة في عام 2424، وقد تحولت إلى بناية واحدة ضخمة، تفرض على سكانها شروطًا قاسية للتكيف معها. وبين العالمين يصبح «الانحناء» استعارة للإنسان حين يضطر إلى التنازل عن جزء من ذاته كي يتلاءم مع بيئة قاهرة، فيما تتحول المدينة نفسها من مجرد فضاء للأحداث إلى طرف أساسي في الصراع.

 

في هذا الحوار لـ «بوابة دار الهلال» تتحدث ألفت عاطف عن ولادة فكرة الرواية، والعلاقة بين الحقيقة والرمز، ودلالة الانحناء، وكيف تحولت القاهرة إلى شخصية روائية كاملة، إلى جانب لعبة المرايا التي جعلت من العالم الواقعي والديستوبي حكايتين تعكس إحداهما الأخرى.

 

حدثينا عن رواية "انحناء رضا الطويل" كيف جاءتك هذه الفكرة؟

في البداية ألحت علي فكرة رواية الديستوبيا، تحمست لها بشدة وبدأت في التخطيط والتداعي الحر كما أبدأ عادة كل مشاريعي، لكن ظل بداخلي شعور أن هناك شيء ما ناقصا، لم أقدر على تمييزه بالضبط، لكنه منعني من الإحساس بالرضا الكامل عن الفكرة. كنت كشاعر يبحث عن استعارة مناسبة لتبرز معنى يمكن طرحه في جملة تقريرية عادية. وهنا ولدت الرواية الثانية، لتصير كل منهما استعارة للأخرى، رسم على لوح زجاج شفاف، عند وضع أحدهما أمام الآخر يتكون عالم جديد غني ثلاثي الأبعاد، حينها فقط شعرت بأنني سأتمكن من قول كل ما أردت قوله.

 

انحناء رضا الطويل» تبدو كأنها روايتان في رواية واحدة؛ حكاية رجل يواجه مأساة فقد ابنته، وحكاية ديستوبية تدور في القاهرة عام 2424. كيف ولدت هذه الثنائية، ومتى أدركتِ أن الحكايتين يجب أن تلتقيا داخل عمل واحد؟

تعد هذه الثنائية لعبة ممتدة على مدار العمل، طرفيها الحقيقة والرمز، فبينما يشير الانحناء في الرواية الواقعية لتكوين البطل النفسي وظروفه الاجتماعية وواقع مدينته القاهر، يظهر الانحناء في الديستوبيا بمعناه الحرفي وليس المجازي، فالقاهرة تتحول لبناية واحدة بسقوف يبلغ ارتفاعها 190 سنتيمترا، ولأنه أطول من سقف المدينة، يصير لزاما عليه الانحناء بل والزحف في الكثير من الأحيان، إلى أن يقوده احتياجه للتكيف مع قياسات بيئته الخانقة إلى ما هو أفظع من كل ذلك، وهنا يتقاطع العالمين، في نقطة قهر ينسحق فيها البطلان، ثم يحاولان التعافي بأكثر الطرق تطرفا.

 

العنوان «انحناء رضا الطويل» يحمل معنى رمزيًا في الحكاية الواقعية، ثم يتحول إلى انحناء حرفي في العالم الديستوبي. لماذا كان «الانحناء» هو الصورة التي اختزلتِ بها مأساة البطل ومأساة المدينة في الوقت نفسه؟

بالضبط، وتحضرني هنا قصة بروكرست من الميثولوجيا اليونانية، الحداد الذي يقوم باستدراج المسافرين لسريره، فإن كانوا أقصر من السرير مط أجسادهم إلى أن تتكسر مفاصلهم، وإن كانوا أطول منه قص سيقانهم، المهم أن تناسب قياساتهم قياس السرير. وفي انحناء رضا الطويل طرح مشابه لكن من زاوية مختلفة، وهو الأذى الذي يمكن أن يتسبب به الإنسان لنفسه في سبيل التكيف مع بيئته، وهنا يتحول البطل إلى بروكرست في علاقته بنفسه لا في علاقته بالآخرين، أما الآخر في تلك الحكاية فيكمن خطره أو شره في قدرته على التأثير، وجعل شخص ما بمثابة سلاح تدمير ذاتي لنفسه.

 

في الرواية تبدو القاهرة أكثر من مجرد مكان؛ أنتِ تصفينها باعتبارها «بطلًا أساسيًا» وربما أهم من الشخصيات نفسها. متى يتحول المكان في الرواية من خلفية للأحداث إلى شخصية تمتلك إرادتها وتأثيرها؟

القاهرة هنا ليست مجرد فضاء تدور فيه الأحداث، وإنما بطل مكتمل الأركان، طرف من أطراف الصراع الرئيسي، بل يمكن اعتبارها الطرف الأهم والأشد سطوة وتأثيرا وهيمنة، فمثلا لو أننا نقلنا القصة بشخوصها وأحداثها لفضاء مكاني آخر، ستنهار تماما، وتتشوه، لأنها جزء من بناء الأبطال النفسي والذهني، والأبطال أجزاء من بنائها، وهنا أعود لأذكر العلاقة التبادلية الممتدة بين الحقيقة والرمز، بين العالم الواقعي والعالم الديستوبي، والذي أنتج في النهاية نسيجا مغزولا من خيوطهم جميعا، بما فيها خيط القاهرة الواقعية وخيط القاهرة الديستوبية، فإن حاولنا سحب أحدهما، سيتمزق نسيج الرواية بالكامل.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة