تشهد الهجمات المتبادلة بين موسكو وكييف تصعيدًا لافتًا، في ظل استمرار الحرب بين الجانبين لأكثر من أربعة أعوام، بالتزامن مع غياب أي مسار دبلوماسي فاعل يفضي إلى إنهاء الصراع، الذي يُعد الأعنف في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ما يبقي الباب مفتوحًا أمام جميع السيناريوهات المحتملة.
ومع تصاعد الضربات المتبادلة، وما تخلفه من قتلى ومصابين وخسائر مادية، بالتزامن مع جمود المسارات الدبلوماسية، تزداد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة ودخولها مرحلة جديدة أكثر خطورة، في ظل غموض بشأن مستقبل هذا الصراع وإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية تنهي القتال.
مبالغة غربية
وفي هذا الإطار، قال الدكتور نبيل رشوان، خبير الشؤون الروسية، إن المبالغة في وصف التصعيد الأخير بين روسيا وأوكرانيا يأتي في إطار محاولات أوكرانية وغربية لتبرير حصول كييف على صواريخ باليستية بعيدة المدى، بما يسمح لها بتنفيذ ضربات أعمق داخل الأراضي الروسية.

وأوضح رشوان، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن أوكرانيا تسعى من خلال تصعيد لهجتها بشأن الهجمات الروسية إلى تحفيز الغرب على تقديم مزيد من الأسلحة، مشيرًا إلى أن كييف تعاني عجزًا واضحًا في مواجهة الصواريخ الباليستية الروسية، التي تحتاج إلى أنظمة دفاع جوي متقدمة، وفي مقدمتها صواريخ «باتريوت» الأمريكية.
وأضاف أن المطالب الأوكرانية بالحصول على مزيد من منظومات «باتريوت» تأتي في ظل محدودية مخزونات هذه الصواريخ لدى الدول الغربية، لافتًا إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سبق أن طالب الولايات المتحدة بتخصيص نسبة من مخزونها من صواريخ «باتريوت» لأوكرانيا، بهدف تعزيز قدرتها على التصدي للصواريخ الباليستية الروسية.
وأشار خبير الشؤون الروسية إلى أن التصعيد الحالي بين موسكو وكييف يمكن وصفه بأنه «لعبة عض الأصابع»، إذ يحاول كل طرف إجبار الآخر على تقديم تنازلات.
وأوضح أن روسيا تسعى إلى الضغط على القيادة الأوكرانية ودفعها نحو الاستسلام أو القبول بشروط موسكو، في حين تحاول أوكرانيا من خلال ضرباتها العسكرية إجبار روسيا على العودة إلى طاولة المفاوضات والموافقة على وقف الحرب.
وتابع: «روسيا لا تريد وقف الحرب لسبب بسيط جدًا، وهو: من يضمن لي أن العقوبات ستُرفع عني؟ وإذا أوقفت الحرب، ماذا سأطلب بعد ذلك؟ هل سأظل أتفاوض إلى ما لا نهاية؟ وماذا عن مطالبي التي أعلنتها؟».
سقف الأهداف المرتفع يحاصر بوتين
وأكد رشوان أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع سقفًا مرتفعًا لأهداف موسكو في الحرب، وهو ما يجعل التوصل إلى تسوية أمرًا بالغ الصعوبة، موضحًا أن الغرب يرى أن عدم تحقيق روسيا لهذه الأهداف يمثل في حد ذاته انتصارًا له، حتى دون استعادة أوكرانيا جميع الأراضي التي سيطرت عليها موسكو خلال الحرب.
تقاطع المصالح في استمرار الحرب
وحول المسار الدبلوماسي، قال رشوان إن المسار التفاوضي «شبه متوقف»، معتبرًا أن الولايات المتحدة، رغم دورها كوسيط، ليست لديها مصلحة في الوقت الراهن في إنهاء النزاع.
وأضاف أن استمرار الحرب يخدم، من وجهة نظر واشنطن، هدف استنزاف روسيا عسكريًا، مع استمرار تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، مشيرًا إلى أن صمود كييف طوال هذه الفترة ما كان ليحدث بهذا الشكل لولا الدعم الغربي.
وأشار إلى أن روسيا قد تواجه تحديات أكبر على مستوى القوى البشرية، لافتًا إلى احتمال إعلان موسكو تعبئة عامة بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر، وهو ما قد يمثل «انتكاسة ضخمة» لروسيا في ظل الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدتها خلال الحرب.
ورأى رشوان أن الدول الأوروبية، رغم الأضرار الاقتصادية التي لحقت بها جراء الحرب، لا تبدو مستعدة حاليًا لإنهاء النزاع، لأنها تعمل في الوقت نفسه على تعزيز صناعاتها العسكرية وإعادة بناء جيوشها، وهي عملية قد تمتد حتى عام 2030.
ولفت إلى أن استمرار الحرب يبقي روسيا منشغلة بأوكرانيا ويحد من قدرتها على توجيه أي تحرك عسكري محتمل ضد دول الناتو أو الاتحاد الأوروبي، قائلًا إن هذا الوضع «مريح» بالنسبة للأوروبيين من الناحية الاستراتيجية.
وفيما يتعلق بالصين، أوضح رشوان أن بكين ليست مستاءة من استمرار الحرب بالدرجة نفسها، معتبرًا أن الصين استفادت من التحولات الاقتصادية الناتجة عن الصراع، وأصبحت صاحبة حضور قوي في السوق الروسية، فضلًا عن علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وأضاف أن روسيا، من هذا المنظور، تواصل مواجهة الغرب عسكريًا في أوكرانيا، بينما تنشغل الولايات المتحدة أيضًا بملفات أخرى، بينها إيران.
وأشار خبير الشؤون الروسية إلى أن هذا التشابك في الملفات الدولية أدى إلى حالة من «اللخبطة» الاستراتيجية، مستشهدًا بتحركات روسيا في منطقة جزر الكوريل، إلى جانب المناورات العسكرية الأمريكية في كوريا الجنوبية، معتبرًا أن المشهد بات أقرب إلى محاولة كل طرف الضغط على الطرف الآخر في أكثر من ساحة.