الجمعة 21 اغسطس 2026

تحقيقات

«أحموا سيوفكم وهيِّئوا مناجيقكم».. حرب إيران تستنزف ترسانة أمريكا: البنتاجون يسابق الزمن والخيار العسكري يتآكل

  • 21-8-2026 | 17:00

أسلحة أمريكية

طباعة
  • محمود غانم

دخلت الولايات المتحدة في حالة من الاستنفار المتزايد على وقع الاستنزاف الذي خلّفته الحرب مع إيران في مخزونات الذخائر والأسلحة، وسط ضغوط متصاعدة على وزارة الحرب الأمريكية «البنتاجون» لتعويض ما استُهلك من صواريخ اعتراضية وذخائر هجومية، وتسريع وتيرة الإنتاج والتسليم.

وتكشف تحركات وزارة الحرب الأمريكية، إلى جانب تقديرات مراكز الدراسات وتقارير وسائل الإعلام الأمريكية، عن تراجع ملموس في مخزونات عدد من الأسلحة الحيوية، بما يثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على الحفاظ على وتيرة عمليات عسكرية مرتفعة، خصوصًا في حال اندلاع صراع آخر واسع النطاق.

وفي مواجهة هذا الاستنزاف، يتحرك «البنتاجون» لتسريع إعادة بناء المخزونات، عبر الضغط على شركات الصناعات الدفاعية لرفع الإنتاج وتقصير جداول التسليم، بالتوازي مع إبرام عقود جديدة بمليارات الدولارات لزيادة إنتاج صواريخ الدفاع الجوي والذخائر بعيدة المدى، في محاولة لسد الفجوة التي خلّفتها الحرب قبل أن تتحول أزمة المخزون إلى قيد فعلي على خيارات واشنطن العسكرية.

وكشفت وثيقة نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في وقت سابق من أغسطس الجاري، أن نائب وزير الحرب ستيف فاينبرج طالب شركات الصناعات الدفاعية بتقديم خطط إلى «البنتاجون» خلال 21 يومًا، تتضمن وضع «جداول زمنية أسرع بكثير وأكثر صرامة للتسليم»، أو زيادة إنتاج القدرات الحيوية.

وأكد «البنتاجون» صحة الوثيقة، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الولايات المتحدة لتعويض ما استُهلك من مخزونها خلال الحرب مع إيران، وهو ما بات يحظى باهتمام متزايد من وسائل الإعلام الأمريكية، رغم محاولات رسمية للتقليل من تداعيات الاستنزاف.

وتكشف تحركات «البنتاجون» على أرض الواقع أن الأمر يتجاوز مجرد خطط أو مطالبات موجهة إلى شركات الصناعات الدفاعية، إذ شرعت الوزارة بالفعل في إبرام عقود ضخمة لزيادة إنتاج الذخائر، سواء المستخدمة في الدفاع الجوي أو الهجوم، من بينها عقد تصل قيمته إلى 58.62 مليار دولار مع شركة «لوكهيد مارتن» لإنتاج صواريخ «باتريوت» الاعتراضية، وآخر قيمته نحو 23 مليار دولار مع شركة «رايثيون» الأمريكية لتسريع إنتاج صواريخ «توماهوك».

 

كيف استنزفت حرب إيران ترسانة أمريكا؟

وتتضح تداعيات استنزاف المخزون العسكري الأمريكي خلال حرب إيران عند النظر إلى تقديرات مخزونات صواريخ الدفاع الجوي الأمريكية، إذ قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن عدد صواريخ «باتريوت» الاعتراضية انخفض من نحو 2330 صاروخًا قبل الحرب إلى 1030 صاروخًا عند دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أبريل.

وبحسب تقديرات المركز، تراجع المخزون مجددًا بعد القتال الأخير، ليُقدّر حاليًا بما يتراوح بين 759 و827 صاروخًا، ما يعني انخفاضًا لا يقل عن 65% مقارنة بمستويات ما قبل بدء النزاع.

أما صواريخ «ثاد» الاعتراضية، فقد انخفض عددها من 452 صاروخًا قبل الحرب إلى ما بين 232 و262 صاروخًا مع بدء سريان وقف إطلاق النار في أبريل.

وتمكنت الولايات المتحدة لاحقًا من إعادة ملء جزء من مخزونها، ليصل إلى ما بين 234 و278 صاروخًا، إلا أنه لا يزال أقل بنسبة لا تقل عن 38% من مستوياته قبل النزاع.

وبالنسبة إلى صواريخ الضربات بعيدة المدى، فالولايات المتحدة استخدمت «تقريبًا جميع» مخزونها من صواريخ «أتاكمس» و«برِسم»، وفق ما نقلته «رويترز» عن مصادر.

وقدّر «CSIS» أن الولايات المتحدة دخلت الحرب مع نحو 1000 صاروخ «أتاكمس»، بينما يشير إلى أن مخزون «برِسم» كان يتراوح بين عشرات الصواريخ.

بينما استهلكت ما يقرب من نصف مخزون صواريخ «توماهوك» العالمي منذ بداية الحرب، وفق ما نقلته «رويترز».

وحسب تقارير، كان لدى الولايات المتحدة حوالي 3000 صاروخ من هذه الصواريخ بعيدة المدى التي تُطلق من البحر على أهداف أرضية، ويُرجح أنها استخدمت أكثر من 1000 صاروخ منها في الحرب على إيران.

على صعيد الطيران المسيّر، فقد الجيش الأمريكي ما لا يقل عن 45 طائرة من طراز «إم كيو-9 ريبر» خلال الحرب مع إيران، بما يعادل نحو 25% من إجمالي مخزونه، وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست»، نقلًا عن ثلاثة مسؤولين أمريكيين مطلعين.

وبذلك، يُقدَّر المخزون المتبقي من هذه الطائرات بنحو 135 طائرة.

وإجمالًا، لم يتبقَّ لدى الولايات المتحدة سوى نحو 35% من مخزون صواريخ «باتريوت» و62% من صواريخ «ثاد»، بينما استُنفد تقريبًا كامل مخزونها من صواريخ «أتاكمس» و«برِسم»، في حين يتبقى لديها نحو 66.7% من مخزون صواريخ «توماهوك»، و75% من طائرات «إم كيو-9 ريبر» المسيّرة، مقارنة بمستويات المخزون التي كانت لدى واشنطن قبل الحرب على إيران.

وبناءً على هذه البيانات، تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على جاهزيتها العسكرية، إذ أدى الاستهلاك المتسارع للأسلحة والذخائر خلال الحرب إلى تآكل قدرات الدفاع الجوي والضربات بعيدة المدى، بمعدلات تتجاوز قدرة الصناعات الدفاعية على تعويضها، فضلًا عن تراجع قدرتها على خوض صراع عسكري طويل الأمد.

معضلة الذخيرة وخيارات الحرب

وفي غضون ذلك، يقول اللواء الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن نقص الذخيرة يمثل «مشكلة» بالنسبة إلى القيادة العسكرية الأمريكية، التي لا تنظر إلى الوضع الراهن بمعزل عن احتمالات اندلاع مواجهات أخرى، خاصة مع قوى كبرى مثل روسيا والصين.

ويشير فرج، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، إلى أن الحسابات العسكرية تختلف عن الحسابات السياسية؛ فالدولة التي تُعد صديقة اليوم يمكن أن تصبح خصمًا غدًا، وهو ما يجعل الحفاظ على مخزون استراتيجي كافٍ من الذخائر أحد عناصر الجاهزية الأساسية للقوات المسلحة.

ويضيف أن انخفاض الاحتياطي الاستراتيجي يثير قلق رئيس الأركان، باعتباره القائد الفعلي للجيش، إذ إن اندلاع أزمة أو مواجهة من اتجاه آخر في ظل تراجع المخزونات قد يضع الولايات المتحدة أمام مأزق عسكري.

وبعيدًا عن نبرته المعتادة وتهديداته المتكررة لإيران بشن هجمات قاسية تستهدف تدمير البنية التحتية ومنشآت الطاقة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، الدخول في «حرب اقتصادية غير مسبوقة» ضد طهران، في تحول لافت من التلويح بالقوة العسكرية إلى تصعيد الضغوط الاقتصادية، في ظل ما يواجهه الجيش الأمريكي من استنزاف لمخزونه من الذخائر والأسلحة.

وبرأي خبير قضايا الصراع نزار نزال، فإن «الحرب الاقتصادية» التي أعلنتها الولايات المتحدة ضد إيران تمثل تكتيكًا أمريكيًا، في ظل عدم تحقيق واشنطن أهدافها من الحرب التي استمرت نحو 40 يومًا، منذ 22 فبراير وحتى 7 أبريل الماضي.

ويضيف نزال، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن إيران تتفاوض مع الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية بشأن «إفرازات الحرب ونتائجها»، وليس حول الأهداف التي شنت واشنطن الحرب من أجل تحقيقها، معتبرًا أن ذلك يعكس عدم تمكن الجانب الأمريكي من تحقيق أهدافه الأساسية.

وفي هذا الإطار، يشير إلى أن الحصار الاقتصادي المفروض على إيران «ليس جديدًا»، إذ تتعرض طهران لعقوبات وحصار اقتصادي أمريكي وغربي منذ عام 1979، إلا أن واشنطن تعمل حاليًا على تشديده وتوظيفه كأداة ضغط إضافية.

ويرى خبير قضايا الصراع أن الولايات المتحدة تسعى إلى «استنساخ تجربة الحصار على العراق عام 1991 وتطبيقها على إيران»، بهدف إضعافها من الداخل، تمهيدًا لتحركات لاحقة قد تشمل استئناف العمليات العسكرية ضدها.

وفي تقديره، فإن الحصار الاقتصادي يمثل «إحدى أدوات الولايات المتحدة لإضعاف إيران والعمل على إسقاط النظام في مرحلة لاحقة».

استنزاف الذخائر.. هل منح إيران هامشًا أكبر؟

لا تتوقف تداعيات انخفاض المخزون الأمريكي عند حدود الجاهزية العسكرية، وإنما تمتد إلى الحسابات السياسية والعسكرية تجاه إيران.

وبحسب اللواء فرج، فإن إدراك طهران لحجم الاستنزاف الذي تعرضت له الترسانة الأمريكية منحها قدرًا من الجرأة في التعامل مع واشنطن والمفاوضات، انطلاقًا من إدراكها أن الولايات المتحدة قد تكون أقل رغبة في شن هجمات جديدة إذا كانت ستؤدي إلى استهلاك المزيد من مخزون الذخائر.

ومع ذلك، يؤكد أن هذا الاستنزاف لا يعني أن واشنطن فقدت قدرتها على توجيه ضربة عسكرية جديدة، إذ تظل الولايات المتحدة قادرة على استخدام القوة إذا اتخذت قرارًا بذلك.

لكن خبير قضايا الصراع نزار نزال يذهب بالموقف الإيراني في مسار المفاوضات إلى أبعد من إدراك مسألة الاستنزاف، موضحًا أن «إيران لديها أربعة ملفات لا يمكن أن تتنازل عنها»، ومؤكدًا أن القضية بالنسبة إلى طهران «ليست مرتبطة باستنزاف الولايات المتحدة أو مخزونها من الذخائر»، وإنما تتعلق بثوابت تعتبرها إيران خطوطًا حمراء.

ويتابع نزال أن هذه الملفات تتمثل في «المشروع النووي، والمشروع الصاروخي، وأدوات إيران الردعية، ونفوذها في المنطقة»، مشيرًا إلى أن القضية بالنسبة إلى الإيرانيين «قضية حياة أو موت».

وأشار إلى أن إيران نجحت في تحويل الصراع من مواجهة عسكرية محضة إلى «صراع اقتصادي وجغرافي» يرتبط بمضيق هرمز، إلى جانب تحويل الطاقة إلى ورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة.

ولفت خبير قضايا الصراع إلى أن طهران تمكنت، من خلال هذه الأدوات، من التأثير في أسعار الطاقة ورفع مستويات الأسعار داخل الولايات المتحدة، فضلًا عن استخدام مضيق هرمز «كورقة ضاغطة» في الصراع.

وشدد نزال على أن الإيرانيين يدركون أن الولايات المتحدة «لا ينقصها مخزون الذخائر بشكل كبير»، إلا أن طهران تتمسك بالمبادئ التي قامت عليها الثورة الإسلامية، معتبرًا أن التخلي عنها يعني، في نهاية المطاف، «انهيار النظام الإيراني من الداخل».

ومن جانبه، يؤكد علاء السعيد، خبير الشؤون الإيرانية، أن إدراك إيران لحجم الاستنزاف الذي تعرضت له بعض مخزونات الذخيرة الأمريكية خلال الحرب أصبح عاملًا مهمًا في حساباتها، لكنه بالتأكيد ليس العامل الوحيد الذي يفسر تشددها في المفاوضات أو استمرارها في الحرب.

ويضيف السعيد، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن طهران تدرك أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا وصناعيًا هائلًا، ولذلك لا تراهن على أن واشنطن ستستيقظ يومًا وقد نفدت صواريخها، وإنما تراهن على شيء مختلف، وهو أن استمرار الحرب لفترة طويلة يرفع تكلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويجبر الولايات المتحدة على التفكير في جاهزيتها لمواجهة أزمات محتملة في مناطق أخرى من العالم.

ومن هذه الزاوية، يعتقد أن مشكلة الذخائر أعطت الإيرانيين قدرًا أكبر من الجرأة في المفاوضات، وساهمت في رفع سقف مطالبهم.

عندما ترى طهران، وفق السعيد، أن البنتاجون يتحرك لإبرام عقود بمليارات الدولارات لتعويض ما استُهلك وزيادة معدلات الإنتاج، فإنها تقرأ ذلك باعتباره مؤشرًا على أن الحرب ليست بلا ثمن بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي قد يكون التفكير الإيراني هو: «لماذا نقدم تنازلات كبيرة الآن إذا كان الوقت نفسه يفرض ضغوطًا متزايدة على الطرف الآخر؟».

لكن من الخطأ تفسير رفع إيران لسقف مطالبها بالذخائر الأمريكية وحدها، فبحسب السعيد، هناك عوامل أخرى، من بينها قدرتها على الاستمرار في القتال، وأوراق الضغط التي لا تزال تمتلكها، ومضيق هرمز، والتكلفة الاقتصادية للحرب على المنطقة والعالم، إلى جانب اعتقاد القيادة الإيرانية بأن قبول شروط أمريكية قاسية بعد كل ما تحملته من خسائر سيُقدَّم داخليًا باعتباره هزيمة سياسية.

ولذلك تحاول طهران أن تصل إلى أي مفاوضات من موقع يسمح لها بالقول إنها لم تستسلم تحت الضغط العسكري، وفقًا له.

حسابات أمريكية لم تتحقق

ويشير اللواء فرج إلى أن أحد الحسابات الأساسية التي سبقت الدخول في الحـرب تمثل في الاعتقاد بأنها ستكون مواجهة قصيرة، وليست صراعًا مفتوحًا.

ويقول فرج إن الولايات المتحدة كانت تتوقع أن تستمر المواجهة نحو 12 يومًا أو أسبوعين، وأن تؤدي الضربات إلى دفع إيران نحو الاستسلام.

ويربط هذه التقديرات بالتقييمات التي قُدمت للرئيس الأمريكي بشأن الوضع الداخلي الإيراني، موضحًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أقنع الإدارة الأمريكية بأن الضربات العسكرية، بالتزامن مع وجود احتجاجات داخلية، يمكن أن تؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني.

وتتوافق هذه الرؤية مع ما ذهب إليه نزار نزال، مؤكدًا أن «الولايات المتحدة الأمريكية كانت تعتقد أن كراكاس هي طهران، وأن ما حدث في فنزويلا سيتكرر في إيران»، وموضحًا أن هذا التصور استند إلى تقرير قدمه جهاز «الموساد» للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلص إلى أن أربعة أيام من القتال ستكون كافية لإسقاط النظام في طهران.

وحسب نزال، كان هذا التقدير أحد الأسس التي بنت عليها واشنطن تحركها العسكري، لكنها فوجئت بـ«صمود النظام الإيراني وبقائه، وصمود الشعب الإيراني والتفافه حول القيادة السياسية»، فضلًا عن تمكن طهران من توجيه ضربات إلى القواعد العسكرية الأمريكية.

ويوضح أن ما جرى انعكس أيضًا في تصريحات البنتاجون بشأن الخسائر والاستهدافات التي تعرضت لها القوات والمنشآت الأمريكية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة، بعد أن فوجئت بصمود إيران، مددت الحرب لنحو 40 يومًا، على أمل أن يؤدي الضغط العسكري إلى إسقاط النظام من الداخل، «لكنها تفاجأت مرة أخرى بعدم تحقق هذا السيناريو».

ويعتقد خبير قضايا الصراع أن الولايات المتحدة «ترتب حاليًا للعودة إلى القتال»، ولكن عبر تحالفات جديدة، لافتًا إلى إمكانية مشاركة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أي مواجهة مقبلة، إلى جانب احتمال انضمام دول عربية إلى الحرب، بالتنسيق مع إسرائيل.

وفي رأي السعيد، فإن هنا تحديدًا ظهر اختلاف جوهري في الحسابات الاستراتيجية. الولايات المتحدة دخلت المواجهة وهي تمتلك قدرة هائلة على توجيه ضربات كثيفة ومدمرة خلال فترة قصيرة، وربما كان الرهان أن يؤدي حجم الضربات والضغط الاقتصادي والعسكري إلى دفع إيران سريعًا نحو القبول بشروط التسوية.

لكن العقيدة الإيرانية، كما يقول، بُنيت منذ سنوات على سيناريو مختلف، وهو امتصاص الضربة الأولى، والمحافظة على القدرة على الرد، ثم إطالة أمد الصراع وتحويل الزمن إلى جزء من المعركة.

ويقول إن إيران تعرف أنها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة عسكريًا بالطريقة التقليدية، ولذلك فإن هدفها ليس تحقيق تفوق عسكري مباشر عليها، وإنما جعل تكلفة إخضاعها مرتفعة إلى درجة تدفع واشنطن في النهاية إلى التفاوض.

ومن هنا يمكن فهم استمرار استخدام الصواريخ والمسيّرات وأوراق الضغط الإقليمية والاقتصادية، وعلى رأسها هرمز، وفقًا له.

وفي تقديره، فإن هذا الاختلاف بين حسابات الحرب القصيرة وحسابات حرب الاستنزاف كان له تأثير كبير في مسار المواجهة، حيث إن الولايات المتحدة أثبتت قدرتها على إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بإيران، لكن المشكلة ظهرت عندما لم تتحول هذه الأضرار بالسرعة المتوقعة إلى تنازلات سياسية إيرانية. وفي المقابل، نجحت طهران في إطالة أمد المواجهة، لكنها دفعت ولا تزال تدفع ثمنًا اقتصاديًا وعسكريًا كبيرًا للغاية، كما يقول.

ولهذا فنحن، كما يضيف، أمام سباق على قدرة الاحتمال أكثر من كونه سباقًا على من يمتلك الصاروخ الأقوى، حيث إن واشنطن تراهن على أن الاقتصاد والقدرات العسكرية الإيرانية ستصل إلى نقطة لا تستطيع معها طهران الاستمرار بالشروط نفسها، بينما تراهن إيران على أن استنزاف الذخائر وارتفاع التكلفة والضغوط السياسية والاستراتيجية على الولايات المتحدة ستجعل واشنطن أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات.

لكنه يوضح أن الرهان الإيراني يحمل مخاطرة أيضًا، لأن العقود الضخمة التي يبرمها البنتاجون تعني أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل في معالجة مشكلة المخزونات وزيادة الإنتاج. وبالتالي، فإن نافذة الضغط التي تراها طهران اليوم قد لا تستمر إلى ما لا نهاية.

وفي النهاية، يعتقد أن السؤال الذي سيحدد مسار الحرب والمفاوضات ليس «من ستنفد ذخيرته أولًا؟»، وإنما «من سيشعر أولًا بأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من المكاسب التي يمكن أن يحصل عليها من مواصلتها؟». وهنا تحديدًا أصبحت مسألة الذخائر جزءًا من الحرب النفسية والسياسية والتفاوضية بين الطرفين، وليست مجرد قضية عسكرية داخل مخازن البنتاجون.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة