يقترب مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر «COP17» من ختام أعماله في أولانباتار، وسط تحرك دولي متزايد لتحويل ملف تدهور الأراضي والجفاف من قضية بيئية إلى أولوية اقتصادية واستثمارية، مع إعلان حكومات ومؤسسات تمويل وصناديق وشركات عن 1.3 مليار دولار من التمويل الجديد والتمويل قيد الإعداد لدعم استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف في 23 دولة عبر خمس قارات.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتسع فيه الفجوة بين حجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تدهور الأراضي والجفاف وبين حجم الاستثمارات الموجهة لمعالجة المشكلة؛ إذ تقدر التكلفة الاقتصادية لهذه الخسائر بنحو 900 مليار دولار سنويًا، بينما تصل الاحتياجات التمويلية اللازمة سنويًا حتى عام 2030 لمواجهة تدهور الأراضي والجفاف واستعادة الأراضي إلى نحو 355 مليار دولار.
وتوضح هذه الأرقام أن التحدي لم يعد يتمثل فقط في الاعتراف بحجم المشكلة، وإنما في إيجاد نموذج تمويلي قادر على نقل الأموال من التعهدات إلى مشروعات فعلية على الأرض، وهو ما وضعته الدورة الحالية للمؤتمر في صدارة أجندتها.
وأكدت الدكتورة ياسمين فؤاد، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، أن الأرض ليست مجرد قضية بيئية، بل هي بنية تحتية اقتصادية، موضحة أن الأرض تشكل أساس الغذاء والمياه وفرص العمل والاستقرار، وأن تدهورها يفرض تكلفة مباشرة على الاقتصادات والمجتمعات.
وقالت فؤاد إن ما يشهده مؤتمر COP17 يمثل انتقالًا «من الحديث عن فجوة التمويل إلى بناء المسارات التي تنقل الاستثمار إلى مرحلة التنفيذ»، من خلال تطوير محافظ أقوى من المشروعات، وأدوات للحد من المخاطر، وشراكات بين القطاعين العام والخاص.
التمويل.. أرقام كبيرة وفجوة أكبر
ورغم إعلان 1.3 مليار دولار من التمويل الجديد والتمويل قيد الإعداد، فإن الرقم لا يزال يمثل جزءًا محدودًا من الاحتياجات العالمية، وهو ما يعزز الدعوات إلى توسيع قاعدة التمويل لتتجاوز المساعدات والمنح الحكومية إلى تعبئة رأس المال الخاص.
ومن إجمالي التمويل الذي أُعلن عنه خلال المؤتمر، جرى تحديد 644.5 مليون دولار كتمويل جديد، منها 216.4 مليون دولار تم تأكيدها بالفعل وتتجه إلى مرحلة التنفيذ.
وتقدر الاستثمارات الحالية في استعادة الأراضي بنحو 77 مليار دولار سنويًا، بما يترك فجوة تقدر بنحو 278 مليار دولار سنويًا مقارنة بالاحتياجات المقدرة حتى عام 2030.
ولا تقتصر المشكلة على نقص الأموال، وإنما تمتد إلى طبيعة المشروعات نفسها، إذ تحتاج الأسواق إلى مشروعات قابلة للاستثمار، وبيانات موثوقة، وآليات لتقليل المخاطر، وأدوات مالية تسمح للمستثمرين بالمشاركة في مشروعات استعادة الأراضي على نطاق واسع.
وفي هذا الإطار، يناقش المشاركون في المؤتمر توسيع استخدام أدوات مثل الضمانات ورأس المال المخصص لتحمل الخسائر الأولى والتأمين القائم على المؤشرات ومرافق إعداد المشروعات، إلى جانب السندات المرتبطة بالطبيعة والاستدامة ومبادلات الديون مقابل الطبيعة والمنصات الوطنية.
وتكتسب هذه الأدوات أهمية خاصة في الدول الأكثر هشاشة، حيث لا يزال الوصول إلى التمويل يمثل تحديًا كبيرًا، كما أن ضعف التأمين الزراعي يضاعف المخاطر التي يواجهها صغار المزارعين، خاصة في أفريقيا.
القطاع الخاص.. الحلقة التي لا تزال بحاجة إلى تعزيز
ويكشف هيكل التمويل العالمي عن فجوة أخرى تتمثل في محدودية مساهمة القطاع الخاص، الذي لا يمثل حاليًا سوى نحو 6% من إجمالي الاستثمار العالمي في استعادة الأراضي.
وتحاول مبادرة الأعمال من أجل الأرض «Business4Land» معالجة هذه الفجوة عبر تقريب فرص الاستثمار من الشركات والمؤسسات المالية على المستوى الوطني.
وفي خطوة تعكس هذا الاتجاه، أطلقت منغوليا أول مركز وطني للمبادرة، بهدف ربط الأولويات الوطنية بالشركات والمؤسسات المالية والفرص الاستثمارية، كما اتخذت روسيا خطوات مماثلة، فيما بدأت لوكسمبورغ إجراءات لإنشاء مؤسسة للمبادرة، بينما دعمت ألمانيا فريق خبراء التمويل التابع لها.
كما وضعت منغوليا أجندة وطنية لزيادة التمويل المحلي الموجه لاستعادة الأراضي، شملت اعتماد مبادئ للتمويل المستدام وتصنيفًا وطنيًا أخضر، إلى جانب هدف لرفع نسبة الإقراض الأخضر إلى 10% بحلول عام 2030.
وترى الدكتورة ياسمين فؤاد أن المطلوب ليس مجرد مطالبة الشركات بزيادة استثماراتها، وإنما خلق البيئة التي تجعل هذه الاستثمارات ممكنة، من خلال مشروعات أكثر جاهزية، وبيانات أفضل، وإشارات سياسية واضحة، وآليات لتقاسم المخاطر في المراحل الأولى.
المراعي.. من الهامش إلى صدارة الاستثمار
وتبرز المراعي باعتبارها أحد الملفات الرئيسية في COP17، خاصة أن منغوليا، الدولة المضيفة، تولي هذا الملف أهمية خاصة خلال السنة الدولية للمراعي والرعاة 2026.
وتغطي المراعي أكثر من نصف مساحة اليابسة في العالم، ويعتمد عليها نحو ملياري شخص في سبل معيشتهم، بينهم نحو 500 مليون راعٍ، إلا أن ما يصل إلى نصف هذه النظم البيئية متدهور أو معرض لخطر التدهور.
وفي المقابل، تكشف البيانات عن جدوى اقتصادية كبيرة للاستثمار في المراعي؛ إذ تقدر المنافع التي توفرها بما بين 21 و47 تريليون دولار سنويًا، من خلال الغذاء والمياه وتخزين الكربون والتنوع البيولوجي وغيرها من خدمات النظم البيئية.
كما يمكن لاستعادة المراعي أن تحقق عائدًا يتراوح عادة بين 4 و6 دولارات لكل دولار مستثمر، وقد يصل العائد إلى 36 دولارًا عند احتساب المنافع العامة الأوسع، مثل إمدادات المياه.
وفي أولانباتار، أُطلقت المبادرة الرئيسية بشأن المراعي بمحفظة استثمارية تبلغ نحو 1.2 مليار دولار موزعة على 45 مشروعًا، لتصبح أكبر عملية حشد استثماري منفردة للمراعي في تاريخ الاتفاقية.
وترى فؤاد أن أهمية هذه المبادرة لا تكمن في حجم الأموال التي جرى حشدها فقط، وإنما في ظهور محفظة استثمارية موجهة إلى نظم بيئية عانت تاريخيًا من نقص الاستثمار، رغم أهميتها للأمن الغذائي وسبل العيش والقدرة على الصمود أمام الجفاف.
وأكدت أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال «من الاعتراف بأهمية المراعي إلى السياسات، ومن السياسات إلى الاستثمار، ومن الاستثمار إلى التنفيذ على الأرض».
الجفاف.. من إدارة الأزمة إلى الوقاية
ولا ينفصل ملف المراعي عن قضية الجفاف، التي تعد من أبرز الملفات المطروحة على طاولة COP17، سواء على المستوى التفاوضي أو في مسارات التنفيذ والتمويل.
ورغم استمرار المشاورات بشأن شكل المخرج العالمي المتعلق بالجفاف، فإن هناك توافقًا متزايدًا على ضرورة تغيير النهج المتبع، بحيث تنتقل الدول من التعامل مع الجفاف بعد وقوعه إلى الاستعداد والوقاية والعمل الاستباقي.
وتأتي في هذا السياق أدوات وشراكات جرى تطويرها منذ COP16 في الرياض، من بينها الشراكة العالمية للصمود أمام الجفاف، ومرفق الاستثمار في القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف «DRIF»، والمرصد الدولي للصمود أمام الجفاف «IDRO».
وتستهدف هذه المنظومة مساعدة الدول على الانتقال من مجرد قياس المخاطر إلى تحديد الأماكن التي تحتاج إلى توجيه السياسات والاستثمارات إليها، ثم تحويل هذه الأولويات إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ.
وتلخص الدكتورة ياسمين فؤاد هذا التوجه في رسالة واضحة: «خطة الجفاف على الورق لا تحمي مزارعًا أو مجتمعًا أو اقتصادًا..التنفيذ هو الذي يفعل ذلك».
الأرض والناس.. الطرف الثالث في معادلة التنفيذ
وفي الوقت نفسه، يلفت المؤتمر الانتباه إلى أن نجاح مشروعات استعادة الأراضي لا يعتمد فقط على الحكومات والمؤسسات المالية، وإنما على الأشخاص الذين يعيشون على الأرض ويديرونها،
فالمجتمعات المحلية والشعوب الأصلية والرعاة والنساء يمثلون مصدرًا مهمًا للمعرفة والخبرة، كما أنهم شركاء في تنفيذ الحلول، وليسوا مجرد مستفيدين منها.
وتؤكد فؤاد أن إشراك هذه الفئات يجب ألا يتوقف عند حدود الاستماع والمشاركة الشكلية، وإنما ينبغي أن يتحول إلى تأثير فعلي في القرارات والوصول إلى التمويل والشراكة في التنفيذ.
من الرياض إلى أولانباتار
ويعكس COP17 استمرارًا لمسار بدأ في الدورة السادسة عشرة بالرياض، التي دفعت بقوة ملفات الجفاف والتمويل والقطاع الخاص، قبل أن تنتقل هذه الملفات في أولانباتار إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالمشروعات والأدوات المالية والبيانات والشراكات.
وتشير الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى أن هذه الاستمرارية تمثل جوهر العمل متعدد الأطراف، بحيث لا يبدأ كل مؤتمر من نقطة الصفر، وإنما يبني على ما سبقه ويحول الالتزامات إلى أدوات قابلة للتطبيق.
وفي النهاية، لا تكمن القضية في حجم التمويل المعلن فقط، وإنما في قدرة المجتمع الدولي على تحويل هذه الأموال إلى استثمارات تغير واقع الأراضي المتدهورة، وتعزز قدرة المجتمعات على مواجهة الجفاف، وتحمي الغذاء والمياه وسبل العيش.
ومن هنا تأتي الرسالة الأساسية لـCOP17: النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد التعهدات التي أُعلنت، وإنما بما يتحول منها إلى مشروعات ونتائج ملموسة تصل إلى الأرض والناس.