الأحد 30 اغسطس 2026

تحية كاريوكا.. ستة عقود فنية و200 عمل فنى

تحية كاريوكا.. ستة عقود فنية و200 عمل فنى

29-8-2026 | 13:10

خالد فؤاد
في مثل هذا التوقيت، وتحديدًا في شهر سبتمبر عام 1999، ودعت عالمنا الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، عن عمر يناهز 84 عامًا، بعد حياة فنية واجتماعية حافلة امتدت لأكثر من 60 عامًا، قدمت خلالها نحو 200 عمل فني تنوعت بين السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون، تعاونت فيها مع أساطير ورواد الفن المصري. تظل تحية كاريوكا واحدة من الفنانات القلائل اللاتي عاصرن أجيالا متتالية من الممثلين والمخرجين والمؤلفين، بداية من جيل الثلاثينيات وحتى جيل التسعينيات، لتترك بصمة قوية واستثنائية في تاريخ الفن المصري، ويكفي أن عشرة أفلام دفعة واحدة من الأعمال التي قامت ببطولتها أو شاركت فيها، اختيرت ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وفق استفتاء النقاد عام 1996، وهو ما يؤكد مكانتها كفنانة، لذا حرصت مجلة الكواكب على الابحار فى حياة هذه الفنانة الاستثنائية لمعرفة كواليس حياتها الفنية. ولدت الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، بمدينة الإسماعيلية في 22 فبراير عام 1915، وعاشت طفولة لم تكن سهلة، بعدما مرت بظروف صعبة وقاسية، ومنذ سنوات عمرها الأولى ظهر حبها للفن بصورة واضحة، وخاصة الرقص، فقررت القدوم إلى القاهرة بحثًا عن تحقيق حلمها والدخول إلى عالم الاحتراف. كانت البداية مع الراقصة محاسن محمد، التي اكتشفت موهبتها وفتحت أمامها الطريق للظهور والانتشار، قبل أن تنضم إلى فرقة بديعة مصابني، التي كانت واحدة من أهم المدارس الفنية في ذلك الوقت، وخرج منها عدد كبير من الراقصات ونجوم الغناء والتمثيل. ومن داخل فرقة بديعة بدأت كاريوكا في صناعة شخصيتها الفنية المستقلة، بعدما برعت في تقديم رقصة «الكاريوكا»، فأصبح الاسم ملازمًا لها طوال حياتها، وتحول من مجرد رقصة إلى علامة فنية ارتبطت باسم واحدة من أشهر الفنانات في تاريخ مصر. الأربعينيات.. من الرقص إلى بوابة البطولة مع بداية الأربعينيات أصبحت تحية كاريوكا واحدة من أهم الراقصات على الساحة، وبدأت الصحف والمجلات تكتب عنها باستمرار، لكنها لم تكتفِ بالنجاح الذي حققته في الرقص، إذ كانت أحلام التمثيل تداعبها وتسعى إلى إيجاد مكان مميز لها في هذا العالم. وساعدها ازدهار السينما المصرية في الثلاثينيات والأربعينيات على تحقيق حلمها، فشاركت خلال الفترة من 1935 حتى 1940 في نحو عشرة أفلام، من أبرزها «الدكتور فرحات»، و«خفير الدرك»، و«حلم الشباب»، و«وراء الستار»، و«ليالي القاهرة»، و«الباشمقاول»، و«دنانير» وغيرها. ورغم أن ظهورها في عدد من هذه الأعمال اقتصر على مشاهد محدودة أو على تقديم الرقص، فإن هذه التجارب عرّفت الجمهور بها، ومنحتها خبرة مهمة في الوقوف أمام الكاميرا والتعامل معها، لتدخل حقبة الأربعينيات بثقة أكبر، وتبدأ مرحلة جديدة بأدوار أكثر أهمية، قبل أن تصل إلى مرحلة البطولة. ومن أبرز أفلام هذه المرحلة «أحب الغلط»، و«الشباب في خطر»، و«ليلة الحظ»، و«أحب البلدي»، ثم جاءت سنة 1946 لتشهد واحدة من أهم النقلات في مشوارها التمثيلي، عندما اختيرت للمشاركة في بطولة فيلم «لعبة الست» أمام الفنان الكبير نجيب الريحاني. حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، وأسهم في انتقالها إلى مرحلة جديدة ومختلفة، وبدأ اسمها يتصدر الأفيشات بصورة أكبر، لتثبت أنها ليست راقصة ناجحة فقط، وإنما فنانة تمتلك حضورًا وقدرة على تجسيد الشخصيات. موهبة تعرف كيف تتطور امتد رصيد تحية كاريوكا إلى نحو 200 عمل فني في السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون، ومع ظهور التليفزيون في مطلع الستينيات استطاعت أن تنتقل إلى وسائط فنية جديدة، وتقدم الشخصيات الشعبية والاجتماعية والدرامية والكوميدية ببراعة. وكان من أهم ما يحسب لها قدرتها على تطويع أدواتها وموهبتها مع كل مرحلة من مراحل مشوارها، إلى جانب اتخاذها قرار اعتزال الرقص والتفرغ للتمثيل في الوقت المناسب، قبل أن تفقد مكانتها أو تضطر إلى الاستمرار في مجال لم يعد يتناسب مع المرحلة الجديدة من حياتها الفنية. من «لعبة الست» إلى «الجراج».. تاريخ سينمائي طويل وإذا عدنا إلى تجربتها السينمائية سنجد أنه بعد تجربتها البديعة في «لعبة الست»، الذي أصبح بمرور السنوات واحدًا من كلاسيكيات السينما المصرية، قدمت تحية كاريوكا مجموعة ضخمة من الأفلام، تحول الكثير منها إلى علامات بارزة في تاريخ الشاشة المصرية. ومن أبرز هذه الأعمال «شباب امرأة» مع شكري سرحان وعبد الوارث عسر، و«سمارة» مع محسن سرحان ومحمود إسماعيل ومحمود المليجي، و«الفتوة» مع فريد شوقي وزكي رستم، و«أم العروسة» مع عماد حمدي وسميرة أحمد ويوسف شعبان، و«الطريق» مع رشدي أباظة وشادية وسعاد حسني. كما شاركت في «زائر الفجر» مع عزت العلايلي وماجدة الخطيب، و«خلي بالك من زوزو» مع سعاد حسني وحسين فهمي، و«السقا مات» مع فريد شوقي وعزت العلايلي، و«الكرنك» مع سعاد حسني ونور الشريف وفريد شوقي وكمال الشناوي، و«وداعًا بونابرت» للمخرج يوسف شاهين. وضمت قائمة أعمالها كذلك «المفتش العام»، و«حبيبي الأسمر»، و«المعلمة»، و«إسلاماه»، و«خان الخليلي»، وحتى الثمانينيات والتسعينيات ظل حضورها لافتًا، فشاركت في «إسكندرية كمان وكمان»، و«آه يا بلد آه»، و«انتحار صاحب الشقة»، و«منزل العائلة المسمومة»، و«المطارد»، و«مرسيدس»، و«سوق النساء»، قبل أن تختتم مشوارها السينمائي بفيلم «الجراج» مع نجلاء فتحي وفاروق الفيشاوي عام 1996، ليصل حضورها الفني إلى نحو ستة عقود كاملة. المسرح.. شراكة مع إسماعيل ياسين وفايز حلاوة لم يكن المسرح بعيدًا عن تجربة تحية كاريوكا، فقد شاركت في العديد من المسرحيات مع فرق مسرحية مختلفة، وكان حضورها اللافت مع إسماعيل ياسين وفرقته المسرحية خلال الخمسينيات والنصف الأول من الستينيات. كما أسست فرقتها المسرحية الخاصة مع الفنان والكاتب فايز حلاوة، وقدما معًا عددًا من الأعمال المسرحية. ومن أبرز المسرحيات التي قدمتها «شفيقة القبطية»، و«حارة الشرفا»، و«شقلباظ»، و«لوكاندة شهر العسل»، و«كل الرجالة كده»، و«قهوة التوبة»، و«عفريت الست شوقية»، و«روبابيكيا»، و«شباب امرأة»، و«حضرة صاحب العمارة»، و«البغل في الأبريق»، و«أوراق رسمية»، و«القنطرة»، و«التعلب فات»، و«علاقات عامة»، و«ياسين ولدي»، وغيرها من العروض الكبيرة والمميزة. سنوات المرض.. والرحيل في سبتمبر بعد حياة فنية وشخصية حافلة، عانت تحية كاريوكا بشدة في سنوات عمرها الأخيرة من ظروف صحية. وفي 20 سبتمبر عام 1999 رحلت تحية كاريوكا عن عمر ناهز 84 عامًا، لتطوي صفحة حياة امتدت لأكثر من ستة عقود، لكنها لم تطوِ حضورها في الذاكرة الفنية المصرية. رحلت كاريوكا بجسدها، بينما ظلت شخصياتها وأفلامها وعروضها المسرحية حاضرة على الشاشات، وتعرفت إليها أجيال جديدة من خلال أعمالها، لتبقى واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ الفن المصري، لفنانة استطاعت أن تعبر من الرقص إلى التمثيل، ومن خشبة المسرح إلى شاشة السينما والتليفزيون، وأن تجمع بين الموهبة الفنية والمواقف الإنسانية، لتظل سيرتها حاضرة لدى الأجيال القادمة.