أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، أن مصر تدين بشكل كامل أي مساس بسيادة الدول العربية أو أمنها أو سلامة أراضيها، مشددًا على أن استهداف أي دولة عربية أو انتهاك سيادتها لا يمكن التعامل معه بصورة منفردة، في ضوء التداعيات المباشرة التي تترتب على ذلك بالنسبة لأمن واستقرار المنطقة بأكملها.
وقال عبد العاطي، خلال كلمته أمام اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، إن انشغال المجتمع الدولي بالتطورات الإقليمية المتسارعة، وفي مقدمتها الاعتداءات التي تتعرض لها دول المنطقة، يجب ألا يحرف الأنظار عن المأساة الإنسانية غير المسبوقة في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أو عن السياسات الإسرائيلية الممنهجة الرامية إلى فرض وقائع جديدة تقوض فرص التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية.
وأوضح أن مصر تؤكد أن القضية الفلسطينية تظل جوهر أسباب عدم الاستقرار في المنطقة، وأن الطريق الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل يتمثل في إنهاء الاحتلال وتجسيد حل الدولتين، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وجدد وزير الخارجية رفض مصر القاطع والمطلق للتهجير والاستيطان والضم وتصفية القضية الفلسطينية، إلى جانب رفض تغيير الطابع الديموغرافي والديني والجغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأدان بأشد العبارات المشروع الاستيطاني الإسرائيلي المعروف باسم «E1»، محذرًا من خطورته على وحدة الأراضي الفلسطينية، وما قد يترتب عليه من تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين شمالي وجنوبي.
وشدد عبد العاطي على أن استمرار الأوضاع الراهنة في قطاع غزة والضفة الغربية أمر غير مقبول، داعيًا إلى المضي قدمًا في تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا سيما مرحلتها الثانية، واستكمال استحقاقات المرحلة الأولى، بالتوازي مع وقف الانتهاكات الممنهجة وما وصفه بـ«الضم الصامت» الذي تشهده الضفة الغربية.
أزمات عربية وحلول سياسية
وانتقل وزير الخارجية إلى الأزمات التي تواجه عددًا من الدول العربية، مؤكدًا أن رؤية مصر تجاه الأوضاع في السودان وسوريا ولبنان واليمن والعراق وليبيا والصومال تستند إلى ثوابت راسخة، في مقدمتها دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها، وصون السيادة ووحدة الأراضي، والرفض الكامل للتدخلات الخارجية.
وشدد على رفض أي مساعٍ تستهدف تقسيم الدول العربية أو إنشاء كيانات موازية لمؤسساتها الشرعية، مؤكدًا أن الحلول السياسية الوطنية تظل السبيل الوحيد لتسوية الأزمات والحفاظ على تماسك الدول واستقرارها.
وأكد عبد العاطي ضرورة إجراء حوار عربي واضح وشفاف بشأن التحديات التي تواجه المنطقة، خاصة تلك التي تمس الأمن القومي العربي أو تحمل أبعادًا وجودية، مع ضرورة صياغة حزمة من الإجراءات والسياسات التي تتيح بلورة رؤية عربية مشتركة للتعامل مع التحديات الأمنية.
أمن الخليج والممرات البحرية
وأشار إلى الترابط الوثيق بين مصادر التهديد التي تواجه الدول العربية وتداعياتها العابرة للحدود، والتي تمتد إلى أمن الخليج والممرات البحرية، فضلًا عن تأثيراتها على أمن الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
وشدد على ضرورة ضمان حرية الملاحة والرفض الكامل لاستخدام الممرات البحرية كأداة للضغط أو التصعيد، مؤكدًا أهمية أمن وسلامة وحرية المرور.
كما أكد أن البحر الأحمر وأمنه وحوكمته مسؤولية مشتركة للدول المشاطئة، مشددًا على أن أي ترتيبات أمنية في هذا الإطار ينبغي أن تقوم على التنسيق والتعاون واحترام سيادة الدول المعنية.
الأمن المائي.. والنيل شريان الحياة
وفي ملف الأمن المائي، أكد وزير الخارجية أن قضية المياه ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتحديات التي تواجه المنطقة العربية، في ظل ندرة المياه الشديدة التي تعاني منها العديد من دول المنطقة.
وشدد على ضرورة الاحترام الكامل للقانون الدولي في مجال المياه العابرة للحدود، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بمصالح الدول أو تهديد أمنها القومي.
وقال إن نهر النيل سيظل شريان الحياة وركيزة أساسية لأمن مصر والسودان، مؤكدًا أن صون حقوقهما المائية يستوجب تعزيز التنسيق والتكاتف العربي لحماية الأمن المائي لدولتي المصب، والتصدي الحازم للسياسات والإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي.
مصر تطرح رؤية جديدة للأمن القومي العربي
وأكد عبد العاطي أن اتساع نطاق التحديات وتشابكها يكشف عن طبيعة التهديدات المتداخلة التي تواجه المنطقة العربية، مشددًا على أن مصر تنظر إلى الأمن القومي العربي باعتباره منظومة مترابطة لا تقبل التجزئة.
وأوضح أن أي مساس بأمن أو سيادة دولة عربية ينعكس على محيطها، ويؤدي إلى اختلال التوازنات الإقليمية، بما قد يفتح المجال أمام التدخلات الخارجية وإعادة تشكيل موازين القوى على حساب الدول العربية.
وقال إن مصر ترى ضرورة الانتقال بالأمن القومي العربي من مجرد مفهوم سياسي إلى قدرة عربية فعلية قادرة على المبادرة والوقاية والاستجابة والحماية، من خلال تطوير منظومة عربية مشتركة وترتيبات للأمن الجماعي العربي.
كما دعا إلى تعزيز آليات التنسيق السياسي والأمني والدفاعي، بما يمكن الدول العربية من التعامل بفاعلية مع مختلف التهديدات والتحديات المشتركة.
«لا دولة عربية تستطيع مواجهة الخطر منفردة»
وأكد وزير الخارجية أن أي دولة عربية بمفردها لا تستطيع مواجهة حجم التحديات والتهديدات الراهنة أو صون أمنها واستقرارها وسيادتها بشكل منفرد، مشيرًا إلى أهمية العمل من خلال منظومة عربية جماعية.
ولفت إلى وجود إطار قانوني ومؤسسي قائم بالفعل، ممثلًا في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950، إلى جانب القرارات العربية السابقة لتعزيز القدرات المشتركة، وفي مقدمتها قرار قمة شرم الشيخ في مارس 2015 بشأن إنشاء قوة عربية مشتركة، فضلًا عن القرار الصادر عن مجلس الجامعة في سبتمبر الماضي بشأن الرؤية العربية المشتركة للأمن والتعاون في المنطقة.
ترتيبات أمنية عربية لتعزيز القدرة الجماعية
وأوضح عبد العاطي أن مصر تطرح رؤية للترتيبات الأمنية العربية بهدف تعزيز القدرة الجماعية على حماية الأمن القومي العربي، من خلال دفع التكامل الأمني والدفاعي وتحديد مجالات التكامل بين الدول العربية.
وأكد أن الطرح المصري لا يمثل أفكارًا جديدة، وإنما يستند إلى الأطر القائمة وما سبق أن توافق عليه الدول العربية، ويهدف إلى تجميع الجهود وتحويل الإرادة السياسية المشتركة إلى قدرة فعلية قادرة على حماية الأمن والمصالح العربية وتعزيز الردع والتعامل الجماعي مع التهديدات.
وأشار إلى أن الرؤية المصرية تتسق كذلك مع مبادرة الأمين العام لجامعة الدول العربية التي طرحها في مطلع العام الجاري بشأن تعزيز العمل العربي المشترك.
وفي ختام كلمته، أكد وزير الخارجية استعداد مصر الكامل للعمل مع جامعة الدول العربية والدول الأعضاء لإعداد تصور متكامل للترتيبات الأمنية العربية المشتركة، يحدد مجالات التعاون وأطر التنسيق والاستجابة ومسارات التنفيذ والمتابعة.
وشدد على أن الخطر يحدق بالدول العربية جميعًا، ولا توجد دولة بمعزل عنه، الأمر الذي يتطلب إعداد رؤية مشتركة من خلال اجتماعات تنسيقية وتشاورية تفضي إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.
واختتم عبد العاطي بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تستوجب بناء شبكة عربية أكثر قدرة على الردع واحتواء الأزمات، مجددًا استعداد مصر للعمل مع الدول العربية لترجمة هذه الرؤية إلى خطوات عملية تعزز قدرة العمل العربي المشترك على مواجهة التحديات وصون أمن الدول العربية واستقرارها.