أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تقريرا جديدا بعنوان "اقتصاد البيانات"، تناول خلاله التحولات المتسارعة في الدور الاقتصادي للبيانات، وآليات تحويلها إلى قيمة مضافة، وأبرز تطبيقاتها في القطاعات الإنتاجية والخدمية، إلى جانب التحديات التنظيمية والتكنولوجية المرتبطة بها وآفاقها المستقبلية.
وأوضح المركز أن البيانات أصبحت أحد الأصول الاقتصادية المهمة في العصر الرقمي، ولم تعد قيمتها تقتصر على جمع المعلومات وتخزينها، وإنما امتدت إلى تحسين كفاءة الإنتاج، وتطوير المنتجات والخدمات، وتعزيز الابتكار، ودعم عملية صنع القرار على المستويين المؤسسي والحكومي.
وأشار إلى أن البيانات تتميز بخصائص اقتصادية تميزها عن الموارد التقليدية؛ إذ يمكن استخدامها من جانب أطراف متعددة دون استهلاكها، كما يمكن أن تتزايد قيمتها من خلال تجميعها وتحليلها وربطها بمصادر أخرى، بما يفتح المجال أمام تطوير نماذج أعمال جديدة وتحسين كفاءة تخصيص الموارد.
وسلط التقرير الضوء على فجوة واضحة بين التوسع في استخدام البيانات والتحليلات داخل المؤسسات وبين قدرتها على تحويل هذا الاستخدام إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
وفي هذا السياق، استعرض نتائج إحدى الدراسات التي أظهرت أن 81% من الشركات المشمولة بها طبقت حالة استخدام واحدة على الأقل للبيانات والتحليلات، في حين أكد 16% فقط من التنفيذيين المشاركين نجاح شركاتهم في استخلاص قيمة ملموسة منها، بينما لم تتمكن سوى 37% من الشركات من توسيع نطاق تطبيقاتها خارج الاستخدامات المحدودة داخل المصانع.
وأوضح أن هذه النتائج تعكس أن الاستثمار في التكنولوجيا وجمع البيانات لا يكفي وحده لتحقيق العائد الاقتصادي المنشود، وإنما يتطلب الأمر تطوير القدرات المؤسسية والبشرية، وربط استخدام البيانات بأهداف واضحة لتحسين الأداء والإنتاجية، إلى جانب قياس العائد الفعلي من تطبيقاتها.
واستعرض التقرير عددا من التطبيقات المتنامية لاقتصاد البيانات، من بينها التجارة الإلكترونية، التي تسهم فيها تحليلات البيانات في فهم سلوك المستهلكين، وتحسين إدارة المخزون، ورفع كفاءة سلاسل التوريد، وتطوير الخدمات المقدمة للعملاء.
وفي القطاع المالي، تتيح البيانات فرصا لتطوير أدوات تقييم الجدارة الائتمانية، وخفض تكلفة تقديم الخدمات المالية، وتوسيع نطاق الشمول المالي، خاصة للأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه صعوبات في الوصول إلى التمويل التقليدي.
أما قطاع الصحة، تسهم البيانات في تحسين التشخيص، وتطوير الخدمات الطبية، ورفع كفاءة إدارة الموارد الصحية، ودعم البحوث العلمية.
وأشار التقرير إلى دراسة صادرة عن شركة "إرنست آند يونج" عام 2019، قدرت القيمة السنوية المحتملة لاستخدام بيانات الرعاية الصحية في المملكة المتحدة بنحو 9.6 مليار جنيه إسترليني، منها 4.6 مليار جنيه مرتبطة بتحسين النتائج الصحية للمرضى.
كما تتيح تحليلات البيانات في قطاع التعليم تطوير أساليب التعلم، ومتابعة أداء الطلاب، وتخصيص البرامج التعليمية وفقا للاحتياجات المختلفة، بما يدعم تحسين جودة المخرجات التعليمية.
وفي القطاع الصناعي، تسهم البيانات في تحسين كفاءة العمليات الإنتاجية، والتنبؤ باحتياجات الصيانة، وتقليل الفاقد، وتعزيز إدارة سلاسل الإمداد، بما يرفع الإنتاجية ويدعم القدرة التنافسية للشركات.
وأوضح التقرير أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أسهم في توسيع إمكانات الاستفادة الاقتصادية من البيانات، من خلال تسريع عمليات المعالجة والتحليل، واكتشاف الأنماط والعلاقات، وتطوير التحليلات التنبؤية، والتعامل مع البيانات غير المهيكلة، بما في ذلك النصوص والصور ومقاطع الفيديو.
وأشار إلى أن هذه التطبيقات تتيح للمؤسسات تحسين قراراتها التشغيلية والاستراتيجية، وتطوير منتجات وخدمات أكثر استجابة لاحتياجات المستفيدين، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية ضمان جودة البيانات والتحقق من دقة النتائج، والحد من التحيزات الخوارزمية، بما يعزز موثوقية تطبيقات الذكاء الاصطناعي ويضمن استخدامها بصورة مسؤولة.
وتناول التقرير مسارات تحقيق القيمة الاقتصادية من البيانات، موضحا أن المسار الأول يتمثل في توظيفها بصورة غير مباشرة لتحسين المنتجات والخدمات، ورفع كفاءة الأداء، وخفض التكاليف، وزيادة القدرة على تلبية احتياجات العملاء.
أما المسار الثاني، فيتمثل في تطوير منتجات وخدمات قائمة على البيانات ذاتها، بما في ذلك بيع الرؤى والتحليلات المستخلصة منها وتقديم خدمات المعلومات المتخصصة، وفقا للأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.
وأشار إلى أن هذه التحولات أسهمت في ظهور أسواق وشركات متخصصة في تجميع البيانات وتحليلها وتطوير منتجات قائمة عليها، بالتوازي مع تزايد الاستثمارات العالمية في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية.
وأكد التقرير أن التوسع في اقتصاد البيانات يصاحبه عدد من التحديات، من أبرزها تباين الأطر التشريعية والتنظيمية، وصعوبة تبادل البيانات بين المؤسسات، وارتفاع متطلبات الأمن السيبراني، فضلا عن المخاطر المرتبطة بحماية البيانات الشخصية وإساءة استخدامها.
وشدد على أهمية تطوير أطر واضحة لحوكمة البيانات، وتحديد قواعد الوصول إليها وتبادلها، وضمان حماية الخصوصية، وتعزيز الشفافية والمساءلة في استخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن بناء الثقة في البيئة الرقمية يمثل شرطا أساسيا لتعظيم المنافع الاقتصادية والاجتماعية للبيانات، وتحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية حقوق الأفراد والمؤسسات.
وفي ضوء الاتجاهات العالمية التي تناولها التقرير، تبرز أهمية اقتصاد البيانات بالنسبة لمصر باعتباره أحد المجالات القادرة على دعم إنتاجية القطاعات الاقتصادية، وتحسين كفاءة الخدمات العامة، وتطوير منتجات وخدمات رقمية ذات قيمة مضافة.
وتشمل مجالات الاستفادة توظيف البيانات في تحسين إدارة الموارد، ودعم القرارات الاستثمارية، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، ورفع كفاءة العمليات الصناعية وسلاسل الإمداد، فضلا عن تعزيز قدرة الشركات على الابتكار والمنافسة.
كما يتيح التوسع في اقتصاد البيانات فرصا لتطوير الخدمات الرقمية القابلة للتصدير، بما يسهم في تنويع مصادر النمو الاقتصادي وتعزيز اندماج مصر في الاقتصاد الرقمي العالمي.
واكد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن القيمة الاقتصادية للبيانات لا تتحدد بحجم ما تمتلكه الدول والمؤسسات منها، وإنما بقدرتها على إدارتها وتحليلها وتحويلها إلى قرارات أفضل، ومنتجات أكثر ابتكارا، وخدمات أعلى كفاءة.
وأشار إلى أن تعظيم الاستفادة من اقتصاد البيانات يتطلب تكاملا بين تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز قابلية تبادل البيانات بصورة آمنة، وبناء القدرات البشرية، وترسيخ ثقافة اتخاذ القرار القائم على الأدلة، بما يحول الاستثمارات الرقمية إلى مكاسب فعلية في الإنتاجية والتنافسية والنمو الاقتصادي.