منذ أن اقتحم الذكاء الاصطناعي كافة مجالات الحياة، والحديث لا يتوقف بين الفرق المختلفة، تلك المرحبة وتلك الرافضة، وبينهما فرق متعددة تجمعهم الدهشة وعدم اليقين في المستقبل، مهما حاولوا استقراء أو استنتاج أو توقع شكل هذا المستقبل.
وبغض النظر عن المستقبل - أقولها رغمًا عني - الذي لا يجب أن نتركه كذلك، ولكن لدينا مجموعة من الإشكاليات الآنية التي تحتاج إلى وضع قواعد عامة ومشتركة لها، حتى لا تزداد حيرة البشر حيرة، وحتى لا يزداد الضباب المحدق بهم ضبابًا.
على سبيل المثال، يجب على كافة مؤسسات البحث العلمي أن تتفق على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي، هل ترفضه تمامًا أم تتركه حرًا تمامًا؟ في تقديري أن لا هذا ولا ذاك مفيد، المفيد أن نضع قواعد ونسبًا مئوية، ربما تختلف من مجال لآخر، ولكن لابد من قواعد، ربما نحتاج إلى أيزو ISO خاص بذلك، تخيل طالب دراسات عليا أو باحثًا بأحد المراكز لا يعرف كيف سيقيمه أستاذه أو كيف ستقيمه اللجنة فيما يخص الاستعانة بنماذج الذكاء الاصطناعي، هل سترفض أو ستقبل بلا ملاحظات، أم ستقبل في حدود معينة، أم لن تشعر أصلًا بوجود تلك النماذج داخل الأبحاث المقدمة.
القضية الأخرى المرتبطة بالملكية الفكرية تحتاج إلى حسم، أن يحصل المبدعون الأصليون على حقوقهم، وأن يتم الاتفاق على نسب نهائية للتعديلات والإضافات التي يمكن أن يضيفها المستخدم ليستطيع أن يسجل حقوق الملكية الفكرية له، أعرف أن هذا قد يختلف من منتج ثقافي لآخر، فما يسري على القصة قد لا يكون مناسبًا للمقطوعات الموسيقية أو اللوحات.... إلخ. في جميع الأحوال نحتاج إلى الاتفاق.
نحتاج أيضًا إلى حسم موضوع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مراحل التعليم قبل الجامعي، وهل يمنع عن الأطفال دون سن معينة - 13 عامًا مثلًا - أم لا، هذه النقطة بالذات أرجو ألا ننتظر 20 عامًا كما فعلنا مع تطبيقات التواصل الاجتماعي قبل أن نكتشف خطورتها وتتجه دول العالم إلى المنع والتقنين.
الضباب كثير، وربما تلك هي أكثر الاتجاهات غموضًا، وهي أكثر الاتجاهات أهمية، أو هكذا أرى وسط الضباب.