نظّم قسم الثقافة العامة بفرع ثقافة الفيوم، بالتعاون مع الإدارة العامة للثقافة العامة، مساء أمس، صالون الثقافة الجماهيرية بعنوان «الإدمان.. من السلوك إلى المجتمع»، وذلك بمكتبة الفيوم العامة، في إطار جهود الهيئة العامة لقصور الثقافة لنشر الوعي ومناقشة القضايا المجتمعية التي تمس حياة المواطنين، بمشاركة نخبة من الأدباء والمتخصصين والمهتمين بالشأن العام.
أدار الصالون الكاتب والروائي محمد جمال الدين، الذي استهل اللقاء بالتأكيد على أهمية الموضوعات التي يطرحها صالون الثقافة الجماهيرية، ودورها في فتح مساحات للحوار المجتمعي حول القضايا المؤثرة في حياة المواطنين، موضحًا أن الإدمان لا يقتصر على المخدرات وحدها، وإنما يمكن أن يتحول أي سلوك إلى حالة من الإفراط والتطرف، تنتقل آثارها من الفرد إلى الأسرة ثم إلى المجتمع بأكمله، مؤكدًا أهمية التدخل المبكر والاهتمام بالعلاج قبل تفاقم المشكلة.
وتناول الأديب والكاتب والمحامي أحمد قرني البعد القانوني والاجتماعي للظاهرة، مشيدًا بدور الثقافة في مناقشة قضايا المجتمع وطرحها للحوار العام.
وأوضح أن المدمن يمثل إحدى حلقات منظومة أكثر اتساعًا، مؤكدًا ضرورة التركيز كذلك على شبكات الاتجار والتصنيع والترويج، وما يرتبط بها من جرائم اقتصادية واجتماعية، مشيرًا إلى أهمية تطوير التشريعات وسد الثغرات القانونية التي قد يستغلها المتهمون للإفلات من العقاب.
واستعرض «قرني» الفروق القانونية بين التعاطي والحيازة والإحراز والاتجار والتصنيع والجلب، وتباين العقوبات وفقًا لكل حالة، كما تناول الآثار القانونية المترتبة على ارتكاب الجرائم تحت تأثير المواد المخدرة، موضحًا أن تأثير المخدر قد يرتبط بتشديد المسؤولية والعقوبة في بعض الجرائم وفقًا لظروف وملابسات كل قضية.
كما أشار إلى الأبعاد الاقتصادية للاتجار بالمخدرات، وما يرتبط به من غسل أموال واستنزاف لطاقات الشباب، مؤكدًا أن مواجهة الظاهرة لا تعتمد على العقوبة وحدها، وإنما تحتاج إلى تكامل أدوار مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الثقافة والإعلام والصحة، إلى جانب أهمية الدراما في تقديم رسائل توعوية حقيقية تسهم في الوقاية والعلاج.
ومن زاوية اجتماعية وإنسانية، تناولت الدكتورة رشا جمعة، عضو المجلس القومي للمرأة، خطورة التطور الذي طرأ على بعض أنواع المواد المخدرة وطرق تصنيعها، وما يترتب عليها من آثار خطيرة على الإنسان وسلوكه وقدراته.
وأكدت أن التعامل مع قضية الإدمان يجب ألا يقتصر على النظر إلى المدمن باعتباره المشكلة، بل يجب البحث في الأسباب التي دفعته إلى هذا الطريق، ومن بينها الفراغ، والهروب من الواقع، ورفقاء السوء، وبعض المعتقدات الخاطئة التي تربط التدخين أو التعاطي بالقوة والرجولة والقدرة على مواجهة الضغوط.
وشددت على أهمية دور الأسرة في الوقاية، وضرورة متابعة الأبناء وملاحظة أي تغيرات في سلوكهم، وعودة الحوار الأسري باعتباره أحد أهم وسائل الحماية، مؤكدة أن ضغوط الحياة لا تعفي الأب والأم من مسؤوليتهما تجاه أبنائهما.
واستعرضت «رشا» عددًا من التجارب الميدانية التي شاركت فيها من خلال مبادرة «طرق الأبواب» بالمجلس القومي للمرأة، موضحة أهمية النزول إلى المدارس والجامعات ومراكز الشباب، والتواصل المباشر مع النشء والشباب، وتصحيح المفاهيم الخاطئة قبل تحولها إلى سلوكيات خطرة.
«الدراما» و«الإعلام».. بين التوعية وصناعة الصورة الذهنية
وخلال الحوار، تناولت الكاتبة سحر الجمال ما تقدمه بعض الأعمال الدرامية من نماذج تعكس انشغال الأب والأم عن أبنائهما، وما قد يترتب على غياب الحوار والمتابعة من آثار خطيرة، في تأكيد على أهمية الدور الأسري في حماية الأبناء.
كما شارك الإعلامي محمد قاياتي بمداخلة حول الصورة التي تقدم بها بعض الأعمال الدرامية المتعاطي أو تاجر المخدرات، مؤكدًا أهمية أن تكون الدراما والإعلام جزءًا من منظومة المواجهة والتوعية، لا أن تقدم النماذج الخطرة بصورة قد تؤثر في وعي الشباب.
وتحدث حسن جبر، رئيس حزب التجمع ورئيس مجلس إدارة جمعية سمايل، مؤكدًا أن مفهوم الإدمان أوسع من المخدرات، وأن الإفراط في بعض السلوكيات، ومنها الاستخدام غير المنضبط لوسائل التواصل الاجتماعي، قد يتحول إلى مشكلة تحتاج إلى وعي ومواجهة.
وشدد على أهمية نقل مثل هذه اللقاءات إلى الجامعات ومراكز الشباب، وتعزيز دور الأسرة والتعليم والإعلام في بناء شخصية متوازنة، إلى جانب الاهتمام بفترة ما بعد العلاج وضمان عدم عودة المتعافي إلى البيئة أو الظروف التي دفعته إلى الإدمان.
كما تناول أهمية البحث عن جذور الظاهرة، ومنها الضغوط الاقتصادية والتفكك الأسري، مع التأكيد على عدم تعميم الأسباب على جميع الحالات، مشيرًا إلى أهمية عودة المدرسة إلى أداء دورها التربوي والاهتمام بالأنشطة التي تساعد على بناء شخصية الطالب وتوجيهه.
حوار مجتمعي يؤكد: الوقاية والعلاج مسؤولية مشتركة
وشهد الصالون عددًا من المداخلات والمناقشات، من بينها مداخلة للشاعر عبد الحميد سرحان حول دور مؤسسات الدولة في مواجهة الظاهرة، إلى جانب نقاشات حول أهمية تكامل جهود الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والصحية والشبابية.
واختُتمت فعاليات الصالون بالتأكيد على أن مواجهة الإدمان تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالوعي والوقاية، مرورًا بالعلاج والتأهيل، ووصولًا إلى رعاية المتعافي بعد العلاج، مع أهمية تطوير الخطاب المجتمعي تجاه المدمن، والنظر إليه باعتباره إنسانًا يحتاج إلى العلاج والدعم وإعادة التأهيل، بالتوازي مع مواجهة شبكات الاتجار والترويج والتصنيع وفقًا للقانون.
وجاء صالون «الإدمان.. من السلوك إلى المجتمع» ليؤكد دور الثقافة الجماهيرية في فتح ملفات القضايا المجتمعية الشائكة، وإتاحة مساحة للحوار بين المتخصصين والمثقفين والجمهور، بما يسهم في رفع الوعي وبناء مجتمع أكثر قدرة على الوقاية والمواجهة.