أكد خبراء ومتخصصون أهمية تعزيز الهوية الوطنية المصرية وترسيخ قيم الانتماء والمشاركة المجتمعية باعتبارها ركيزة أساسية لدعم تماسك المجتمع وقدرته على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، مشددين على ضرورة مواصلة العمل على دعم الشباب وتوفير الفرص أمامهم، إلى جانب تطوير التعليم وتعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
جاء ذلك خلال الحلقة النقاشية التي عقدت اليوم، الثلاثاء، بمكتبة الإسكندرية ضمن فعاليات اليوم الثاني لمؤتمر الهوية الوطنية، تحت عنوان "الهوية الوطنية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية"، بحضور نخبة من الخبراء والأكاديميين والمتخصصين.
وأدار الجلسة الدكتور أحمد جلال منسق المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية وخبير الاقتصاد بالبنك الدولي سابقًا، بمشاركة الدكتور منير فخري عبد النور، وزير التجارة والصناعة والاستثمار الأسبق، والدكتورة نيفين مسعد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والدكتور أيمن عبد الوهاب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والدكتور أحمد حسن ممثل وزارة الشباب والرياضة.
وأكد الدكتور منير فخري عبد النور أن توقيت مناقشة قضية الهوية الوطنية يأتي متوافقًا مع ما تشهده المنطقة من متغيرات وتحديات، مشددًا على أهمية تعزيز الجبهة الداخلية وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية بما يضمن أن يشعر كل مواطن بأنه شريك كامل في وطنه.
وأوضح أن قوة الجبهة الداخلية ترتبط بصورة وثيقة بالقدرة على التعامل مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية، لافتًا إلى أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وتكافؤ الفرص، إلى جانب توفير الأمل أمام الشباب وتمكينهم من تحقيق طموحاتهم.
وشدد على أهمية بناء مجتمع يقوم على تكافؤ الفرص وتطبيق معايير الجدارة والكفاءة، مؤكدًا أن تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يمثل أحد العوامل المهمة في دعم التماسك المجتمعي ومواجهة الشائعات من خلال إتاحة المعلومات والحقائق.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة نيفين مسعد أن مناقشة الهوية الوطنية تكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، مشيرة إلى أن التغيرات التي يشهدها المجتمع المصري في منظومة القيم والثقافة تستدعي مزيدًا من البحث والفهم لطبيعة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
وأشارت إلى أهمية دراسة التحولات التي طرأت على الشخصية المصرية، خاصة فيما يتعلق بالقيم المرتبطة بالعمل والاستهلاك والتفاعل مع الآخر، موضحة أن فهم هذه التحولات يمثل خطوة مهمة نحو صياغة رؤى أكثر قدرة على تعزيز الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي.
ولفتت إلى أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية ترتبط بصورة مباشرة بقضية تكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي، مؤكدة أهمية توفير مسارات واضحة ومشروعة أمام المواطنين والشباب لتحقيق طموحاتهم، بما يدعم الاستقرار الاجتماعي ويعزز الإحساس بالانتماء.
وفي السياق ذاته، دعا الدكتور أيمن عبد الوهاب إلى إجراء مزيد من الدراسات المتعمقة لفهم التحولات التي يشهدها المجتمع المصري، خاصة في ظل التنوع بين الأجيال وتباين رؤاها وطرق تفاعلها مع المتغيرات الجديدة.
وأكد أهمية الاستماع إلى الأجيال الجديدة، ولاسيما جيلي "زد" و"ألفا"، والتعرف على رؤاهم وتساؤلاتهم، مشيرًا إلى أن إدارة التنوع بين الأجيال تمثل مدخلًا مهمًا لبناء تيار مجتمعي واسع يعبر عن الهوية الوطنية ويستفيد من الطاقات المتنوعة داخل المجتمع.
وأشار إلى أن المجتمع المصري يمتلك رصيدًا تاريخيًا وثقافيًا متراكمًا يمثل أحد مصادر قوة الهوية الوطنية، مؤكدًا أن الحفاظ على هذا الرصيد وتطويره يتطلب فهمًا مستمرًا للتحولات التي يمر بها المجتمع.
كما تناولت الجلسة تأثير التحول التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي على المجتمع؛ حيث جرى التأكيد على أهمية ترشيد الاستفادة من هذه التطورات وتوجيهها بما يعزز التواصل المجتمعي وينمي الوعي ويرتقي بالذوق العام ويدعم الانتماء.
وفيما يتعلق ببناء الإنسان، أكد المشاركون أهمية صياغة نموذج تنموي مصري يتناسب مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، ويضع التعليم والصحة والثقافة والوعي ضمن ركائز أساسية لبناء الإنسان وتعزيز قدرته على المشاركة الفاعلة في المجتمع.
وأشار المشاركون إلى أن دعم الطبقة الوسطى وتوسيع نطاق الفرص التعليمية، يمثلان عنصران مهمان في تعزيز الحراك الاجتماعي وتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص، مع أهمية تطوير منظومة التعليم، بما يسمح بتوسيع فرص الصعود الاجتماعي أمام مختلف فئات المجتمع.
ومن جانبه، أكد الدكتور أحمد حسن ممثل وزارة الشباب والرياضة، أن الشباب يمثلون محورًا أساسيًا في قضية الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن تطلعاتهم ترتبط بصورة وثيقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم والحصول على فرص حقيقية للتعليم والعمل وتكوين الأسرة وتحقيق الذات.
وأوضح أن التعامل مع التحديات الاقتصادية من منظور الشباب يستلزم تعزيز السياسات والبرامج الداعمة لريادة الأعمال، بما يتيح للشباب الانتقال من البحث عن فرص العمل إلى خلق فرص جديدة لأنفسهم ولغيرهم، ويسهم في دعم الاقتصاد والمجتمع.
وأكد أهمية استمرار الجهود التنموية مع تعزيز قدرة الشباب على الاستفادة من الفرص المتاحة، مشيرًا إلى أن تمكين الشباب اقتصاديًا ومجتمعيًا يمثل أحد المسارات المهمة لترسيخ الانتماء وتعزيز مشاركتهم في بناء مستقبل الدولة.
واتفق المشاركون على أن الهوية الوطنية ليست مفهومًا ثابتًا بمعزل عن حركة المجتمع، وإنما تتعزز من خلال بناء الإنسان، وتحقيق فرص عادلة، وتمكين الشباب، ودعم المشاركة المجتمعية، بما يحافظ على عناصر الشخصية المصرية ويفتح المجال أمامها للتطور ومواكبة المتغيرات.