الأربعاء 23 سبتمبر 2026

فن

فينشينسو بيليني.. عبقرية الأوبرا التي رحلت في الثالثة والثلاثين

  • 23-9-2026 | 03:37

فينشينسو بيليني

طباعة
  • فاطمة الزهراء حمدي

لم يحتج الموسيقار الإيطالي فينشينسو بيليني إلى عقود طويلة حتى يترك بصمته في تاريخ الأوبرا؛ فمسيرته الفنية لم تتجاوز 33 عاما، لكنها كانت كافية لتضعه بين أبرز مؤلفي الأوبرا الإيطالية في القرن التاسع عشر، وتجعله أحد أهم رموز أسلوب «البل كانتو» القائم على جمال الصوت ومرونته والقدرة العالية على التعبير الغنائي.

 

ولد بيليني في مدينة كاتانيا بجزيرة صقلية في 3 نوفمبر 1801، وسط عائلة ذات صلة وثيقة بالموسيقى، وبدأ دراسة الموسيقى في سن مبكرة قبل أن ينتقل إلى نابولي لاستكمال تعليمه الموسيقي. وهناك تأثر بأعمال جواكينو روسيني، قبل أن يبدأ في بناء أسلوبه الخاص الذي ارتبط بصورة أساسية بالألحان الطويلة والتعبير الدرامي المرتبط بالكلمة وصوت المغني.

 

من كاتانيا إلى مسارح إيطاليا

 

كان بيليني ينتمي إلى جيل من المؤلفين الذين أسهموا في تطوير الأوبرا الإيطالية خلال القرن التاسع عشر. وبعد دراسته في نابولي، بدأ في تقديم أعماله على المسارح الإيطالية، ولفت نجاح أعماله الأولى الأنظار إليه.

 

ومن المحطات المهمة في مسيرته أوبرا «Il Pirata» التي عرضت في مسرح لا سكالا بميلانو عام 1827، وهو نجاح فتح أمامه الطريق إلى مجموعة من الأعمال التي رسخت مكانته بين كبار مؤلفي الأوبرا في عصره. وتشير مواد متروبوليتان أوبرا إلى أن نجاح «Il Pirata» أدى إلى حصوله على تكليف جديد من مدير المسرح دومينيكو باربايا.

 

وخلال السنوات التالية، تعاون بيليني بصورة متكررة مع الشاعر وكاتب النصوص الغنائية فيليس روماني، الذي كتب نصوص عدد من أشهر أوبراته، من بينها «La Sonnambula» و«Norma».

 

«نورما».. العمل الذي تجاوز زمنه

 

في عام 1831 قدم بيليني اثنتين من أشهر أعماله، «La Sonnambula» و«Norma»، وكلتاهما ارتبطتا باسم روماني في كتابة النص الغنائي.

 

وتعد «نورما» من أبرز أعمال بيليني وأكثرها ارتباطا بتاريخ الأوبرا، خاصة من خلال شخصية نورما التي أصبحت من الأدوار المحورية في repertory السوبرانو العالمي. كما ارتبط العمل تاريخيا بالمغنية جوديتا باستا، التي كتب لها بيليني الدور الرئيسي. وتوضح مواد متروبوليتان أوبرا أن باستا كانت من أهم مغنيات عصر البل كانتو، وأن الدور تطلب مستوى استثنائيا من القدرات الصوتية والتعبيرية.

 

وتبرز في «نورما» واحدة من أشهر مقطوعات بيليني، «Casta Diva»، التي أصبحت من العلامات المميزة في تراث الأوبرا الإيطالية، وظلت تؤدى على مسارح العالم بأصوات أشهر مغنيات السوبرانو.

 

«السائر أثناء النوم».. اختبار لقدرات الصوت

 

في العام نفسه قدم بيليني «La Sonnambula»، التي عرضت للمرة الأولى في ميلانو في 6 مارس 1831. وكتب نصها الغنائي فيليس روماني، بينما استند العمل إلى قصة باليه-بانتوميم فرنسية.

 

صممت شخصية أمينة في الأوبرا للمغنية جوديتا باستا، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة بين بيليني والمغنين الذين كتب لهم أدوارا تستفيد من إمكاناتهم الصوتية. كما شارك التينور جيوفاني باتيستا روبيني في العمل، وكان من أبرز أصوات عصره.

 

وتقوم أهمية هذا العمل على اعتماده الكبير على الإمكانات الصوتية للمغني، مع مساحة واسعة للألحان والعبارات الغنائية التي أصبحت من سمات أسلوب بيليني.

 

«البل كانتو».. عندما يصبح اللحن جزءا من الدراما

 

ارتبط اسم بيليني بصورة وثيقة بأسلوب «البل كانتو»، الذي يركز على جمال الصوت والتحكم فيه والمرونة والقدرة على تقديم الجمل الغنائية الطويلة.

 

لكن أهمية بيليني لا ترتبط فقط بصعوبة الأدوار الصوتية في أعماله، إذ تشير مواد متروبوليتان أوبرا إلى امتلاكه قدرة استثنائية على كتابة الألحان وفهم طبيعة الصوت البشري. كما ارتبطت موسيقاه بالمواقف الدرامية والشخصيات، بدلا من التعامل مع اللحن بوصفه عنصرا منفصلا عن النص.

 

وتظهر هذه السمات بصورة واضحة في «La Sonnambula» و«Norma» و«I Puritani»، وهي أعمال ظلت حاضرة في برامج دور الأوبرا العالمية حتى العصر الحديث.

 

«I Puritani».. آخر أعماله

 

وصل بيليني إلى باريس في السنوات الأخيرة من حياته، وهناك قدم أوبرا «I Puritani»، التي عرضت للمرة الأولى في 24 يناير 1835 على مسرح Théâtre-Italien في باريس. وتعد الأوبرا آخر أعماله، وقد كتب نصها الغنائي كارلو بيبولي.

 

وتتطلب «I Puritani» مجموعة من الأصوات القوية والمرنة لأداء أدوارها الرئيسية، وهو ما جعلها واحدة من الأعمال الصعبة في تقليد البل كانتو. ولا تزال الأوبرا تقدم على المسارح العالمية، ومن بينها متروبوليتان أوبرا التي قدمت إنتاجا جديدا لها في موسم 2025-2026، في مؤشر على استمرار حضور أعمال بيليني في البرنامج الأوبرالي العالمي.

 

وفاة مبكرة لم توقف حضوره الموسيقي

 

توفي فينشينسو بيليني في 23 سبتمبر 1835 بالقرب من باريس، عن عمر 33 عاما، بعد مسيرة فنية قصيرة مقارنة بحجم تأثيره. وبعد وفاته استمرت أعماله في الانتشار على المسارح الأوروبية، وأصبح اسمه مرتبطا بصورة أساسية بتاريخ الأوبرا الإيطالية وتطور أسلوب البل كانتو.

 

ورغم قصر حياته، لم تتوقف أعمال بيليني عند القرن التاسع عشر، إذ لا تزال «نورما» و«La Sonnambula» و«I Puritani» حاضرة في برامج دور الأوبرا الكبرى. كما يحتفظ مسرح ماسيمو بيليني في كاتانيا بمكانة خاصة في تخليد إرث الموسيقار الذي تحمل المؤسسة اسمه، وتقدم حفلات وبرامج تتضمن أعماله حتى الوقت الراهن.

 

إرث يتجاوز 33 عاما

 

تكمن أهمية بيليني في أنه لم يكن مجرد مؤلف لألحان جميلة، بل أسهم في ترسيخ علاقة أكثر قوة بين الموسيقى والنص والشخصية الدرامية داخل الأوبرا. وقد أصبحت قدرته على الكتابة للصوت البشري واحدة من أبرز سمات أعماله.

 

وبعد ما يقرب من قرنين على ميلاده، ما زالت ألحانه جزءا من برامج دور الأوبرا العالمية، فيما تستمر أعمال مثل «نورما» و«السائر أثناء النوم» و«المتزمتون» في اختبار قدرات كبار المغنين، لتبقى تجربة بيليني واحدة من أبرز صفحات تاريخ الأوبرا الإيطالية في عصر البل كانتو.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة