على أرض سوهاج، تقف "جهينة" شاهدة على صفحات متعاقبة من تاريخ الصعيد، مدينة تحمل إرثًا عربيًا عريقًا، وذاكرة وطنية ارتبطت بواحدة من أبرز وقائع مقاومة الحملة الفرنسية، وفي الوقت نفسه تمضي بخطوات متواصلة نحو المستقبل، في ظل ما تشهده محافظات الصعيد من جهود تنموية متزايدة.
وتُعد مدينة ومركز جهينة من المراكز المهمة بمحافظة سوهاج، بما تمتلكه من مقومات تاريخية واجتماعية وبشرية، إلى جانب ما تضمه من قرى وتجمعات سكانية تمثل امتدادًا طبيعيًا للمجتمع السوهاجي.
يرتبط اسم «جهينة» بقبيلة جهينة العربية، إحدى القبائل المنتمية إلى قضاعة، والتي ارتبط وجودها بتاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي، واستقرت مجموعات من أبنائها في مناطق مختلفة من صعيد مصر، ومع مرور الزمن، أصبح اسم جهينة جزءًا أصيلًا من الخريطة الجغرافية والاجتماعية لمحافظة سوهاج، يحمل معه جانبًا من تاريخ القبيلة وتراثها، ويعكس امتدادًا تاريخيًا واجتماعيًا ظل حاضرًا عبر أجيال متعاقبة.
وتكتسب جهينة أهمية خاصة في الذاكرة الوطنية لمحافظة سوهاج، لارتباطها بأحداث مقاومة الحملة الفرنسية على صعيد مصر، ففي 10 أبريل عام 1799، شهدت جهينة مواجهة مع قوات الحملة الفرنسية، تمكن خلالها أبناء المنطقة من التصدي لها، لتظل تلك الواقعة حاضرة في الذاكرة المحلية والوطنية، وتخليدًا لهذه المناسبة، ارتبط يوم 10 أبريل بالعيد القومي لمحافظة سوهاج، ليصبح التاريخ شاهدًا كل عام على صفحة من صفحات مقاومة أبناء المحافظة للحملة الفرنسية ودفاعهم عن أرضهم.
وتضم جهينة العديد من العائلات التي كان لها حضور بارز في تشكيل الحياة الاجتماعية بالمركز، والحفاظ على جانب كبير من العادات والتقاليد التي تميز المجتمع الصعيدي، وتظل الروابط العائلية والاجتماعية إحدى السمات البارزة للمجتمع الجهيني، إلى جانب الاهتمام بالتعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة وخدمة المجتمع.
وتتنوع الأنشطة الاقتصادية لأبناء جهينة، حيث تمثل الزراعة أحد المكونات الأساسية للنشاط الاقتصادي، إلى جانب التجارة والخدمات والحرف المختلفة، كما تمثل القرى التابعة للمركز امتدادًا مهمًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية، بما تمتلكه من موارد بشرية ومقومات محلية يمكن البناء عليها لدعم فرص العمل والإنتاج وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتضم مدينة جهينة؛ جهينة الغربية وجهينة الشرقية، إلى جانب عدد من المجالس القروية، من بينها مجلس قروي جهينة الشرقية، ومجلس قروي عنيبس، ومجلس قروي الطليحات، بما يعكس اتساع الرقعة السكانية والخدمية للمركز وتنوع مجتمعاته المحلية.
ولا تتوقف أهمية جهينة عند تاريخها وتراثها، وإنما تمتد إلى الحاضر والمستقبل، في ظل جهود الدولة المتواصلة لتنمية محافظات الصعيد، ورفع كفاءة الخدمات والمرافق، وتحسين البنية الأساسية، ودعم مقومات العمل والإنتاج. وتظل التنمية الحقيقية هي الامتداد الطبيعي لتاريخ المكان، عندما تتحول المقومات البشرية والتاريخية والجغرافية إلى فرص حقيقية تخدم المواطن وتدعم الاقتصاد المحلي وتفتح آفاقًا جديدة أمام الأجيال المقبلة.
وتبقى جهينة واحدة من المدن السوهاجية التي جمعت بين أصالة التاريخ وقوة الإنسان وطموح المستقبل، فهنا لا يعيش التاريخ في الكتب وحدها، وإنما يظل حاضرًا في ذاكرة المكان وأبنائه، ومن معركة سطرت موقفًا وطنيًا في مواجهة الحملة الفرنسية، إلى واقع جديد تتواصل فيه جهود التنمية والبناء، تظل جهينة جزءًا أصيلًا من حكاية سوهاج، ودليلًا على أن المدن التي تحفظ تاريخها قادرة على صناعة مستقبلها.
فالتاريخ ذاكرة، والتنمية مسؤولية، وأبناء جهينة هم الامتداد الحقيقي لحكاية المكان، حكاية بدأت من جذور ضاربة في أعماق التاريخ، وتواصل طريقها اليوم في قلب الجمهورية الجديدة، لتبقى سوهاج وأبناؤها جزءًا أصيلًا من مسيرة مصر نحو مستقبل أكثر بناءً واستقرارًا وازدهارًا.