تأخذ رواية «البرانسة» للروائي عاطف سنارة قارئها إلى جغرافيا شديدة الخصوصية، حيث يتداخل البحر والبحيرة والرمل والصحراء والزراعة، لتتشكل من هذا المزيج حياةٌ تتأرجح بين التعلق بالمكان والرغبة في مغادرته. وفي الرواية لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها، بما يحمله من عزلة وفقر وارتحال متوارث.
وفي هذا الحوار، يتحدث عاطف سنارة عن علاقة شخصيات «البرانسة» بجغرافيتها، ودلالة الرمل بوصفه امتدادًا للنفس البشرية، وأسباب تحول السفر إلى ميراث عائلي، كما يتوقف عند الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال والسيرة الذاتية، ويتناول شخصية «أمنة» وحلمها الذي يتحول إلى مقاومة للخوف من الفقد والوحدة.
تعيش شخصيات «البرانسة» حالة من التوحد مع جغرافيا المكان؛ فالصمت الذي تلوذ به يبدو بمثابة محاكمة داخلية ومستودع للأسرار. كيف يتشكل هذا التلاحم الفلسفي بين الطبيعة والنفس، وتحديدًا من خلال حضور «الرمل» الذي يتحول من عنصر في الطبيعة إلى امتداد لسيكولوجية البشر هناك؟
في هذه الجغرافيا النائية، يسقط جدار الفصل بين الإنسان والبيئة؛ فالشخصيات لا تعيش فوق الأرض، بل تولد منها. الرمل هنا هو الشاهد والرفيق.
الرمل يحمل ثنائية الوجود ذاتها؛ ففي أعماقه توارت الأجساد بعد موتها، وهو منبت الزرع، والملاذ الذي يتشرب مياه المطر بيسر عند سير الأقدام، وهو ذاته اللهيب اللاسع الذي يلفح في هجير الصيف. هذا التناقض الحاد يعيد إنتاج نفسه داخل النفس البشرية؛ فالناس يمتصون الأحزان بكتمان شديد، وتلهبهم النيران الداخلية، لكنهم يجدون في أوج الوجع والضيق انفراجات تتنفس الطمأنينة، تمامًا كما تتنفس الرمال الرطبة في ليالي الصيف.
إنهم نتاج طبيعي للمكان المحصور بين حدين: بحر صاخب متمرد، وبحيرة وديعة مستكينة. ومن هذا التضاد يجمعون بين نقيضين؛ يهيجون بغضب، ثم يحنون ويسكنون.
ويبقى الرمل في النهاية هو المستقر والملاذ، الذي يُهال على كل احتراق لإخماده.
يضعنا المكان في الرواية أمام جغرافيا عجيبة؛ فهي بيئة تجمع بين قفر الصحراء، وزرقة البحر وانفتاحه، واللون الأخضر في بعض الزراعات، والنخل المرشوق، دون أن ينتمي المكان إلى أي منها. كيف أنتج هذا المزيج نمطًا وجوديًا قائمًا على الاغتراب، ولماذا ظل السفر وزراعة البطيخ في المحافظات الأخرى هو الميراث الحتمي الممتد حتى اليوم؟
تكمن أزمة هذه البيئة في عدم قدرتها على منح أهلها هوية جغرافية مستقرة؛ فهي ليست صحراء خالصة لتفرض ارتحال البدو، ولا ريفًا مستقرًا يربط الفلاح بأرضه، ولا ساحلًا يكتفي بالصيد. هذا التشتت الجغرافي انعكس على نمط العيش، فصار الاستقرار في المكان مستحيلًا، وتحول الاغتراب إلى وسيلة لكسب الرزق وميراث جيني يتناقله الأبناء عن الأجداد.
الأرض هناك شحيحة النفع رغم تنوعها، مما دفعهم إلى الهجرة المؤقتة نحو محافظات أخرى لزراعة البطيخ، تاركين البيوت مهجورة تمامًا، وقد حدث ذلك في فترة السبعينيات والثمانينيات.
مع التطور، ظل جوهر الحياة ثابتًا لا يتغير. البحيرة والبحر والنخل والرمل موجودون، لكن لا توجد فرص عمل حقيقية تكفي للبقاء. لقد أوجدت الحداثة أدوات جديدة، لكنها عجزت عن فك الارتباط بهذا الميراث القديم.
السفر ليس اختيارًا، بل هو الصيغة الوحيدة لمقاومة ضيق المكان، وكأن جغرافيا البرلس تأبى أن تمنح أهلها الطمأنينة فوق رمالها، فتدفعهم دومًا طاردةً، لتبقى الدار مجرد محطة انتظار، والغربة هي قطار لا وصول له.
يظل السؤال عن التماس بين الواقع والخيال هاجسًا ملحًا؛ إلى أي مدى تعكس هذه الحكايات سيرة ذاتية أو شخوصًا حقيقية عايشتها أو عاصرتها، وكيف يعيد الخيال صياغة الواقع؟
الشخصيات التي نكتبها لا تولد من فراغ، لكنها أيضًا لا تُنسخ. لو نُقلت الشخصية كما هي لتحولت إلى «بورتريه» مصور.
في الكتابة دمج معقد لشخصيات صهرها الخيال الذي يُستدعى ليتدخل؛ فالحياة دراما ضخمة، لكنها رتيبة ومملة، ولا يمكن أن ننقلها كما هي دون إشراك الخيال الذي يعيد ترتيبها وإصلاحها.
أما السيرة الذاتية، فهي تتسرب إلى السطور دون وعي منا في كثير من الأحيان؛ فالكتابة هي البوح بما لا نستطيع قوله في العلن أحيانًا. ونحن نكتب، نمارس طقوسًا نفسية خفية: نبكي ونضحك، ننتقم ونتسامح، نتقدم شجاعة ونتراجع خوفًا؛ خوف يجعلنا نحتمي بكلماتنا.
الكلمات في النهاية تشبهنا وتتخذ لزماتنا الإنسانية المعتادة. نحن بالفعل نكتب سيرتنا في كل عمل، حتى لو كان لآخرين؛ لأننا حين نكتب، فإننا لا نكتب سوى عن ذواتنا، أو عن أشباهنا الذين يعكسون شروخنا وأحلامنا المجهضة.
في الرواية يتردد صدى الحلم والتمني كدافع، ويتفاوت بين الرجال والنساء وحتى الصغار. لكن عند تأمل شخصية «أمنة»، نجد أن حلمها يتخذ أبعادًا مغايرة؛ فكيف صيغ هذا الحلم الممزوج بالقلق، وكيف تحول خوفها إلى المحرك الأساسي لحياتها وحياة أسرتها؟
الحلم لدى «أمنة» لا يشبه التطلعات التقليدية، بل هو حلم يتمحور حول «المقاومة والتماسك». كان هاجسها الأكبر هو بقاء الدار قائمة وألا تتفتت الأسرة، حتى وإن تعرض هذا التماسك لهزات عنيفة، مثل العزلة المفاجئة لابنها الأكبر «جاد».
كانت أمنة هي الجدار الصلب للبيت؛ تقوم بزراعة أرض الرحبة بنفسها، وتخزن كل شيء، وتوزع المهام اليومية في الدار بين زوجات أبنائها وتتقدمهم فيها. وتشارك الزوج «عبد العليم» في تضفير الخوص وفتل الليف لتخييط قفف وغلقان الحصيدة.
هذا الحضور قد يبدو طبيعيًا ونمطيًا لأي امرأة في تلك البيئة وذاك الزمن، لكن التمايز الحقيقي في شخصيتها يكمن في أن حلمها هو وجه آخر لخوفها من تكرار المصير؛ الخوف من أن تموت وحيدة ومنسية كما ماتت أمها من قبل.
هذا الفزع الخفي هو ما جعلها تقاوم وتتشبث بتفاصيل الدار، وهي تفاصيل الحياة؛ فدارها حياتها، وهو الذي دفعها إلى تأخير زواج ابنتها الصغرى «راجية»، رغبةً في الإبقاء على ونيس أخير يحميها من قسوة النهاية المنفردة.
هنا يتحول الحلم من رغبة في التوسع أو التغيير إلى درع واقٍ ضد الفقد والوحدة التي تهددها.
في مشهد انقضاء ليلة الإفطار الرمضانية بدار الحاج عبد المجيد، تتكثف الأحلام البسيطة؛ فحلم جاد بأن يصبح مزارعًا لا نفر سنوية مكري، هو ذاته ما تمناه له أبوه ورآه سراج. لكن بعد السحور، ينتهي المشهد بعبارة صادمة: «الكوابيس أخت الأحلام». ما المعنى الباطن وراء هذا التلازم، وهل كانت الكوابيس تخص سراج وحده أم أنها تترصد بمستقبل العائلة ككل؟
في ليلة الإفطار الرمضانية، بنقائها وتجمعها، كانت لحظة استثناء وهدنة مؤقتة تمنى الجميع امتدادها، وانعكست في حلم جاد الكبير غير المستحيل، وهو الحلم الذي تقاطع فيه وعي الأب مع رؤية سراج كشاهد وراوٍ.
لكن هذه اليوتوبيا تصطدم دائمًا بتاريخ الأسرة الذي ظل هكذا في جمود، وجغرافيا المكان، والواقع الاجتماعي للمكان.
المعنى الباطن هنا يتجاوز كوابيس سراج الشخصية ليصبح لعنة جماعية تتربص بآمال الأسرة. الكوابيس تولد من رحم الأحلام ذاتها في هذا المكان؛ لأن الحلم بالاستقرار يُجابه حتمًا بحتمية الارتحال، والرغبة في بقاء الدار متماسكة تصطدم دائمًا بالفقد المفاجئ والتحولات القاسية، كالحريق والعزلة.
بعد السحور والانفصال عن المكان الآخر وناسه، رغم أن المسافة بين المكانين لا تتجاوز على الأرض كيلومترين، يستيقظ وعي الأسرة على حقيقة أن أحلامهم بعيدة جدًا، وأن الكابوس ليس سوى الوجه الآخر للحلم حين يعجز أصحابه عن تحقيقه.
سراج هنا لا يحلم أو يتوجع وحده، بل يختزل بوعيه هواجس العائلة التي تدرك في عمقها أن كل أمنية بالسكينة يولد معها خوف باطني من انهيارها.
تطرح الرواية سؤالًا لافتًا في فلسفته: «هل يغير الآباء مستقبل أبنائهم، أم هم ينتظرون أبناءهم ليغيروا حاضرهم؟». المفارقة هنا تكمن في ربط الانتظار بالحاضر لا المستقبل؛ فالانتظار في الحاضر يبدو أشد مرارة وأكثر وطأة. كيف تتجلى هذه المفارقة بين نموذج عبد العليم الذي كان يهرب إلى حفرته، ونموذج الحاج عبد المجيد الذي فعل كل شيء من أجل غد أبنائه؟
تغيير المستقبل قد يبدو غاية بعيدة، لكنها لا تبلغ ذروة اليأس، لكن انتظار تغيير الحاضر هو قمة العجز.
الحاج عبد المجيد يمثل الأب الذي هندس مستقبل أبنائه وفعل كل شيء لتأمينهم، لكن النتيجة لم تأتِ كما خطط.
انتظار عبد المجيد كان أمرًا ملحًا ومريرًا، حيث الحاضر ينفلت من بين يديه رغم قوة تدبيره للمستقبل.
وتغير حاضره بعد زواجه من سناء أم علاء، بائعة الخضار الهاربة من واقعها الأليم. جاء ابنه علاء بطبيعة مختلفة تمامًا عن بقية إخوته، وربما حدث لعبد المجيد التغيير الجذري الذي أراده، والتغيير هنا كان الأسوأ في نظر أبنائه الآخرين وأهل البلد.
في المقابل، يقف عبد العليم نموذجًا نقيضًا؛ هو أب لم يقصر أو يتواكل، وظل حتى مرضه يعمل، لكنه لم يفعل شيئًا لمستقبل أبنائه. وفرط في أراضٍ مميزة جوار البحيرة، وباعها بثمن بخس، واستهان بصنع مكانة اجتماعية له بين البرانسة.
لم ينتظر من أبنائه أن يغيروا حاضره، لأنه في الأساس لم يكن ينتظر شيئًا، بل كان يخشى اللحظة التي سيحدث فيها هذا التغيير.
هروبه إلى «الحفرة» التي كان يحفرها كل مرة، لم يكن مجرد ضعف أو انكسار كما قد رآه أبناؤه، بل كان شكلًا من أشكال المواجهة بالانسحاب؛ صدًّا كاملًا للواقع، ورغبة عارمة في ألا ينتظر شيئًا وألا يأخذ شيئًا.
وحين جاء ذلك التغيير أخيرًا، داهمه وهو في حالة مرضية غيبت وعيه وجعلته لا يتبين شيئًا، وكأن جسده ونفسه تحالفا ليظلا داخل تلك الحفرة، بمنأى عن حاضر لم يملك يومًا شجاعة انتظاره أو القدرة على مواجهته.
ولهذا كان استفسار سراج بحيرةً له وهو يراه في حفرته:
«أهذا هو الموت يا أبي؟ وكم من موت نذوقه ونحن أحياء؟!»
