تواجه أسواق الطاقة العالمية أزمة متفاقمة بسبب نقص قدرات تكرير النفط، في ظل فقدان كميات كبيرة من الإمدادات من الشرق الأوسط وروسيا، وعدم امتلاك العالم طاقات تكرير كافية لتعويض هذه الخسائر.
وبينما تتعرض مصافٍ روسية لهجمات بطائرات مسيرة أوكرانية، تضررت بعض قدرات التكرير في الشرق الأوسط جراء الضربات على منشآت الطاقة في الخليج، في وقت لا توجد فيه حلول سريعة لتعويض هذا النقص، بحسب تقرير منصة "أويل برايس" المتخصصة في شئون الطاقة.
وقالت روسيا - الأسبوع الماضي - إنها ستمدد حظر صادرات الديزل حتى نهاية أكتوبر، في الوقت الذي استمرت فيه هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية على المصافي، رغم دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حكومة فولوديمير زيلينسكي إلى وقف مهاجمة البنية التحتية للطاقة، وإلقائه باللوم على تلك الهجمات وحدها في ارتفاع أسعار الديزل، وجاء أحدث هجوم أوكراني، /الأحد/ الماضي، واستهدف إحدى أكبر مصافي التكرير في روسيا.
لكن فقدان إمدادات الوقود من الشرق الأوسط أكبر بكثير، بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية التي أظهرت أن كمية إنتاج الديزل المفقودة في الشرق الأوسط تعادل 3 أضعاف الإمدادات الروسية المفقودة.
وتتصاعد الآن الدعوات في الكونجرس الأمريكي لفرض حظر على صادرات الديزل من الولايات المتحدة، وقدم عضو مجلس النواب الأمريكي تيم بورشيت مشروع قانون بهذا الشأن الأسبوع الماضي، بينما أيد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون المقترح.
ويعارض وزير الطاقة كريس رايت ووزير الداخلية دوج بورجوم هذا الإجراء، معتبرين أنه فكرة "سيئة"؛ ستؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج عكسية؛ لكن مجرد بحث بعض المشرعين في فرض حظر على الصادرات يعكس صعوبة وضع الإمدادات حتى بالنسبة لأكبر منتج للنفط في العالم.
وترتبط أزمة الإمدادات الحالية - بشكل مباشر - بنقص قدرات التكرير؛ إذ تشكل المنتجات المكررة عنصرًا أساسيًا في إمدادات الطاقة العالمية، بينما لا توجد طاقات كافية لتعويض الكميات المفقودة من المصافي في مناطق مختلفة، وقد تؤدي اضطرابات التكرير إلى ارتفاع أسعار الوقود، ثم انتقال هذه الضغوط إلى أسعار سلع أخرى، ولا سيما الغذاء.
وأغلق عدد كبير من المصافي خلال العقد الماضي تحت ضغط حركة الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية التي أصبحت مهيمنة على سياسات الطاقة، لا سيما في أوروبا، وكذلك في الولايات المتحدة خلال الإدارات الديمقراطية، وأصبح نشاط التكرير خاسرًا بالنسبة للكثيرين، ولذلك اختاروا إما إغلاق المصافي أو تحويل قدراتها إلى إنتاج الوقود الحيوي.
وقال آلان جيلدر، نائب الرئيس الأول لشؤون التكرير والكيماويات وأسواق النفط في "وود ماكنزي": "رأينا شركات النفط الكبرى تخفض انكشافها على هذا القطاع بشكل فعلي، لأن العوائد على رأس المال المستخدم فعليًا كانت ضعيفة"، وأضاف: "كانت العبارة التقليدية التي نستخدمها هي: كيف تحقق ثروة صغيرة؟ خذ ثروة كبيرة وابنِ مصفاة".
وفي الوقت الذي أُغلقت فيه المصافي في أوروبا والولايات المتحدة، أنشأت الدول النفطية في الشرق الأوسط مصافي جديدة، لتصبح المنطقة مسئولة عن حصة أكبر من قدرات التكرير العالمية.
ووفقًا للخبراء، لم يكن تحقيق الأرباح هو الدافع الأساسي، وإنما توفير الوظائف وضمان أمن إمدادات الوقود المحلية، والآن تعرضت تلك القدرات للتراجع، كما تضرر بعضها جراء الضربات الإيرانية على منشآت الطاقة في الخليج، ولا يوجد من يمكنه سد الفجوة، في ظل تشغيل المصافي الأمريكية بالفعل عند أعلى معدلات يمكنها الوصول إليها.
ولا تلوح في الأفق أي حلول لمشكلة نقص قدرات التكرير العالمية، ولا تزال حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز منخفضة بشدة، كما تتواصل هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية على المصافي الروسية، وإذا فرضت الولايات المتحدة حظرًا على صادرات الديزل، فقد تحذو الصين والهند حذوها، وفقًا لوول ستريت جورنال؛ ما قد يدفع بقية العالم إلى مستويات غير مسبوقة من نقص الوقود.
ويبدو أن أوروبا ستكون الأكثر تعرضًا لتداعيات هذا الوضع، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، سواء من النفط الخام أو المنتجات المكررة، إلى جانب تراجع قدراتها على التكرير، ومع استمرار فقدان قدرات التكرير في مناطق رئيسية، يصبح تعويض إمدادات المنتجات المكررة أكثر صعوبة، ما يفاقم هشاشة سوق الوقود العالمية.
.