تحل هذه الأيام ذكرى رحيل الفنانة القديرة آمال زايد، التى غابت عن عالمنا فى 23 سبتمبر عام 1972، بعد مشوار فنى حافل بالأعمال والشخصيات التى تركت بصمتها فى تاريخ السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون، ورغم مرور عقود طويلة على رحيلها، لا تزال صورتها حاضرة فى ذاكرة الجمهور، خاصة من خلال شخصية «الست أمينة»، زوجة «سى السيد» فى ثلاثية الأديب العالمى نجيب محفوظ، والتى أصبحت واحدة من أشهر الشخصيات النسائية فى تاريخ السينما المصرية.

كانت آمال زايد واحدة من أبرز فنانات جيلها، وبرعت فى تقديم شخصية المرأة المصرية البسيطة، والزوجة الصابرة، والأم الحريصة على بيتها وأبنائها، لكنها لم تكن أسيرة لهذه النوعية من الأدوار طوال مسيرتها، فقد امتلكت قدرة واضحة على التنوع وتقديم الشخصيات الجادة والكوميدية، وإن ظلت «أمينة» هى الشخصية التى ارتبط بها اسمها أكثر من غيرها، لذا حرصت مجلة «الكواكب» على الاحتفاء بها وإحياء ذكرى رحيلها من خلال التقرير التالى..
ولدت آمال زايد فى 27 سبتمبر عام 1910، وكانت الشقيقة الكبرى للفنانة الكوميدية جمالات زايد، وجاءت بدايتها الفنية من بوابة السينما، عندما ظهرت فى مشهد صغير بفيلم «سلامة فى خير»، ووقفت خلاله أمام الفنان الراحل نجيب الريحانى، حيث كانت تلك الخطوة الأولى فى طريق طويل، سرعان ما أثبتت خلاله آمال زايد أن حضورها أمام الكاميرا لا يحتاج إلى مساحات كبيرة حتى تترك أثرًا لدى المشاهد، وفى سن العشرين، التحقت بالفرقة القومية، وكانت تتقاضى ثلاثة جنيهات شهريًا، كما شاركت فى تلك الفترة فى المسلسل الإذاعى «عيلة مرزوق أفندى»، الذى جمعها بشقيقتها الفنانة جمالات زايد.
قبيل بلوغها عامها التاسع والعشرين، بدأت مشاركاتها السينمائية بصورة أكثر وضوحًا، ففى عام 1939 شاركت فى فيلمى «بائعة التفاح» و«دنانير» مع كوكب الشرق أم كلثوم، لتبدأ مرحلة جديدة فى مشوارها الفنى.
الشخصية الأيقونية
إذا كان لكل فنان شخصية واحدة تظل مرتبطة باسمه مهما تعددت أعماله، فإن شخصية «أمينة» كانت بالنسبة إلى آمال زايد تلك الشخصية، فقد جسدت زوجة «أحمد عبد الجواد»، أو «سى السيد»، فى ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة: «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية».
استطاعت آمال أن تمنح الشخصية تفاصيل إنسانية جعلتها قريبة من الجمهور، فظهرت الزوجة المطيعة التى تحرص على بيتها، والأم التى تخشى على أبنائها، والمرأة التى تتحمل قسوة الحياة الزوجية بصبر شديد، ولم تكن أهمية الشخصية نابعة من كونها جزءًا من ثلاثية أدبية وسينمائية شهيرة فقط، وإنما من الطريقة التى قدمتها بها آمال زايد، حتى أصبحت «أمينة» فى ذاكرة ووجدان كثير من المشاهدين رمزًا للمرأة المصرية فى تلك المرحلة، لكن يبدو أن نجاح الشخصية كان له وجه آخر، إذ ارتبط اسم الفنانة بها بدرجة كبيرة، حتى وجدت نفسها فى فترات من مشوارها الفنى حبيسة أدوار الأم المضحية والمرأة المغلوبة على أمرها، رغم امتلاكها قدرات فنية تسمح لها بتقديم شخصيات أكثر تنوعًا.

بين الجدية والكوميديا
رغم شهرتها فى الأدوار الجادة، لم تكن آمال زايد بعيدة عن الكوميديا، فقد خاضت التجربة فى فيلم «آخر جنان» مع أحمد رمزى عام 1965، ثم شاركت صلاح ذو الفقار بطولة «عفريت مراتى» عام 1968، وفى هذه الأعمال وغيرها، حاولت أن تقدم صورة مختلفة للأم والمرأة عن تلك التى عرفها بها الجمهور فى ثلاثية نجيب محفوظ، كما ظهرت فى «سر طاقية الإخفاء»، لتثبت أن قدراتها لم تكن محصورة فى نموذج واحد.
ومن أبرز أفلامها السينمائية: «دنانير»، و«بائعة التفاح»، و«زليخة تحب عاشور»، و«المتهمة»، و«عايدة»، و«من أجل حبى»، و«حب فى حب»، و«يوم من عمرى»، و«بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، و«بياعة الجرايد»، و«شيء من العذاب»، و«حياتى»، و«عين الحياة»، و«دعوة للحياة»، إلى جانب فيلم «الحب الذى كان»، الذى كان آخر أعمالها، ولم يمهلها القدر حتى تشاهده معروضًا على الشاشة.
«خان الخليلى».. عمل بقي قريبًا من قلبها
ومن الأعمال التى احتفظت آمال زايد بمكانة خاصة لها «خان الخليلى»، الذى قدمته سينمائيًا ومسرحيًا، وكانت تعتبره من الأعمال المحببة إليها، ولم يكن ارتباطها بهذا العمل عابرًا، فقد كانت تجربتها معه من المحطات التى جمعت بين السينما والمسرح فى مسيرتها.
وبجانب «خان الخليلى»، بقيت أعمالها فى ثلاثية نجيب محفوظ، و«عفريت مراتى»، و«شيء من الخوف»، و«بياعة الجرايد»، وغيرها، شاهدة على تنوع تجربتها وقدرتها على ترك بصمة حتى فى الأدوار التى تبدو للوهلة الأولى بسيطة أو محدودة المساحة.
32 مسرحية وحضور في الإذاعة والتليفزيون
لم تقتصر مسيرة آمال زايد على السينما فقط، بل قد شاركت خلال مشوارها الفنى فى أكثر من 32 عملا مسرحيًا، كما التحقت بالفرقة القومية لفترة، وقدمت عددًا من المسرحيات المهمة، من بينها «بين القصرين» و«خان الخليلى» و«طبيخ الملايكة».
وكان للمسرح مكانة خاصة فى تجربتها، خاصة أنها استطاعت من خلاله التعامل مع الشخصيات بصورة أكثر مباشرة أمام الجمهور، كما شاركت فى عدد من الأعمال الإذاعية، من بينها: «جفت دموعى» و«نص دستة عيال» و«رمضان عريس» و«كانت ملاكًا» و«الوهم»، إلى جانب «عيلة مرزوق أفندى» الذى جمعها بشقيقتها جمالات زايد، كما ظهرت في الدراما التليفزيونية من خلال مسلسلات «العسل المر» و«ناعسة» و«الحائرة»، لتؤكد أن حضورها الفنى امتد إلى مختلف المنصات الفنية المتاحة فى زمنها.
الابتعاد عن الفن من أجل الأسرة
فى عام 1943 تزوجت آمال زايد من ضابط الجيش عبد الله المنياوى، فاتخذت قرارًا بالابتعاد عن الحياة الفنية عام 1944، واستمر هذا الابتعاد نحو 15 عامًا، تفرغت خلالها لحياتها الأسرية وأبنائها.
وأنجبت آمال زايد أربعة أبناء، هم محمد ومهجة وماجدة ومعالى، وكانت ابنتها معالى زايد هى الوحيدة التى اختارت السير فى طريق الفن، لتصبح فيما بعد واحدة من نجمات السينما والتليفزيون، وتحمل اسم والدتها الفنى «معالى زايد».
وبعد سنوات من الغياب، عادت آمال زايد إلى الفن من خلال فيلم «من أجل حبى» مع الفنان فريد الأطرش، لتستأنف نشاطها الفنى من جديد، وتقدم مجموعة من الأدوار التى أكدت أن ابتعادها الطويل لم ينتقص من حضورها أو قدرتها على الأداء.
شخصية مختلفة تمامًا عن «الست أمينة»
ربما كانت المفارقة الأبرز فى حياة آمال زايد أن شخصيتها الحقيقية داخل منزلها كانت مختلفة بدرجة كبيرة عن الشخصية التى عرفها الجمهور على الشاشة، حيث كشفت ابنتها جيجى وابنها الدكتور محمد عبد الله، خلال استضافتهما فى إحدى القنوات الفضائية، أن والدتهما كانت امرأة قوية وحازمة فى حياتها الخاصة، بعكس الصورة التى اعتاد الجمهور رؤيتها فى أعمالها.
وأكد ابنها الدكتور محمد أنها كانت شديدة الحزم، ولا تدلل أبناءها، وكانت حريصة على أن تعامل أبناءها وبناتها بالقدر نفسه من المسئولية والانضباط، كما كانت تتمنى أن يصبح ابنها طبيبًا، وهو ما تحقق بالفعل، وكان يذكر عنها أنها لم تكن تفرق بينه وبين شقيقاته فى الالتزام بقواعد المنزل.
وهكذا كشفت الأسرة جانبًا آخر من شخصية الفنانة، بعيدًا عن صورة الزوجة الهادئة أو الأم المضحية التى ارتبطت بها فى عدد من أعمالها، لتظهر فى حياتها الخاصة امرأة قوية تمتلك قرارها وتحرص على تربية أبنائها بصورة صارمة.
الحزن على رحيل ابنتها
شهدت السنوات الأخيرة من حياة آمال زايد حدثًا مؤلمًا ترك أثرًا بالغًا عليها، تمثل فى وفاة ابنتها ماجدة، التى كانت طالبة فى كلية الطب، ووفقًا لما روته ابنتها جيجى زايد فى تصريحات تليفزيونية، فقد دخلت الفنانة فى حالة حزن شديدة عقب وفاة ابنتها، ولم تستطع تجاوز الصدمة.
وكانت آمال زايد تعانى فى أيامها الأخيرة مرضياً، بحسب ما ذكرته ابنتها، ولم يكتشف المرض إلا فى فترة متأخرة، الأمر الذى لم يسمح بخضوعها للعلاج بالشكل الكافى.
وتشير روايات الأسرة إلى أن الحزن على ابنتها كان حاضرًا بقوة فى أيامها الأخيرة، حتى إنها قالت لأبنائها قبل رحيلها: «أنا رايحة لماجدة علشان لوحدها»، فى إشارة إلى شدة تعلقها بابنتها الراحلة وتأثرها بفقدانها.
الرحيل.. وبقاء «أمينة» فى الذاكرة
رحلت آمال زايد فى 23 سبتمبر عام 1972 عن عمر ناهز 62 عامًا، وقبل أن ترى آخر أعمالها «الحب الذى كان» على الشاشة.. ورغم رحيلها قبل أكثر من خمسة عقود، فإن حضورها لم يغب عن ذاكرة السينما المصرية، فقد استطاعت آمال زايد أن تحول الأدوار الهادئة إلى شخصيات حقيقية تنبض بالحياة، وأن تجعل من الأم والزوجة شخصيات لها حضور وتأثير، بعيدًا عن مساحة الدور وعدد مشاهده.
بقيت «الست أمينة» العلامة الأبرز فى مشوارها، لكنها لم تكن كل حكاية آمال زايد؛ فخلف الشخصية التى عرفها الجمهور كانت فنانة متعددة المواهب، خاضت تجارب فنية عديدة فى السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون، وقدمت أكثر من 32 مسرحية وعشرات الأعمال السينمائية والدرامية، كما عاشت تجربة إنسانية وأسرية حافلة.
فى ذكرى رحيلها، تبقى آمال زايد واحدة من الفنانات اللاتى استطعن أن يصنعن حضورًا لا يرتبط بزمن محدد، لأن الشخصيات التى قدمتها لم تكن مجرد أدوار عابرة، وإنما نماذج إنسانية لا تزال تعيش فى ذاكرة المشاهدين، وفى مقدمتها «أمينة» التى تحولت من شخصية روائية إلى واحدة من أشهر الأمهات والزوجات فى تاريخ الفن المصرى