لم تعد المواجهة في العصر الحديث تقتصر على الحدود أو المعارك التقليدية، بل انتقلت إلى مساحة أكثر تعقيدًا وخطورة هي مساحة الوعي العام، فالدول لم تعد تُستهدف بالسلاح المباشر وحده، وإنما بسلاح أشد فتكًا يتمثل في الشائعات والتضليل وصناعة الإدراك.
ومن هنا فإن ضبط أداة إعلامية تابعة لجماعة الإخوان الإرهابية ليس حدثًا مفردًا يُنسى بمرور الأيام، فهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، بل فصل في حرب مفتوحة لا تستهدف الأرض بقدر ما تستهدف العقل. فالمعركة اليوم لا تُخاض بالعتاد، وإنما بالشك والإحباط وتشويه كل إنجاز يتحقق على أرض الواقع.
وفي قلب هذا المشهد تقف شبكة إعلامية واسعة مرتبطة بالجماعة الإرهابية، تتخذ من الخارج مقرات لها، وتستثمر في القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية لتوجيه رسائل هدفها ضرب ثقة المصريين في دولتهم ومؤسساتهم.
وخلال السنوات الأخيرة توسعت هذه الشبكة بصورة كبيرة، فلم تعد تعتمد على قناة واحدة أو موقع رسمي واحد، بل صارت منظومة متكاملة تضم مواقع إخبارية ومنصات تدّعي التحقق والتدقيق، ومعها شبكة واسعة من الحسابات المنسقة على مواقع التواصل الاجتماعي، تعمل بصورة متزامنة لإعادة إنتاج الرسائل نفسها ونشرها على أوسع نطاق.
فهذه الجماعة الإرهابية تعرف جيدًا أن أخطر ما يمكن أن يُفعل بأي دولة هو أن يقتنع شعبها بأن ما يبنيه وهم، وأن ما يحققه هباء .. ومن هنا يأتي سؤال الوعي قبل أي شيء آخر: من نصدّق؟ وكيف نتحقق؟ ومتى نرفض «الشير» قبل أن يتحول إلى وسيلة لهدم بلدنا من الداخل؟
آلة الفبركة.. كيف يعمل مصنع الشك الإخواني الإرهابي؟
ولم تتوقف آلة الجماعة الإرهابية يومًا عن اختلاق الوقائع وتقديم الكذب في ثوب المعلومة، تدفعها أذرع إعلامية ممولة تعمل من الخارج ولها هدف ثابت واحد، هو التشكيك في الإنجازات التي تتحقق داخل الدولة المصرية وتضليل الوعي الجمعي للمواطن حتى يفقد ثقته في مؤسساته وفي قدرته على التقدم.
وهي لا تفبرك الخبر من فراغ، بل تنتقيه بعناية، فنصف حقيقة يُعرض هنا، وسياق يُنتزع من مكانه هناك، ثم تفسير مسموم يُركَّب في النهاية، قبل أن تنطلق الشرارة على مواقع التواصل ليحملها المواطن البسيط دون أن يدري أنه صار ترسًا في الماكينة.
وتعمل هذه الآلة وفق منهج ثابت يبدأ بعرض المعلومات بصورة انتقائية، ثم إعادة صياغة الأحداث خارج سياقها، وصولًا إلى تقديم الاستنتاجات باعتبارها حقائق مؤكدة لا تحتاج إلى دليل.
وبعد ذلك تُصاغ حول المعلومة المفبركة أو المبتورة حالة عامة من اليأس، بلغة عاطفية تخاطب الغضب لا العقل، ثم تُدار عملية إعادة نشر ممنهجة عبر صفحات ومنصات تبدو مستقلة، وهي في الحقيقة تصب في نهر واحد.
وفي المرحلة الأخيرة يعود ما بُث من الخارج إلى الداخل عبر «شير» يظنه صاحبه مشاركة بريئة، بينما هو آخر حلقة في سلسلة كاملة صُنعت خارج الحدود.
شبكة متعددة الرؤوس.. منصات التصفية والتضليل الهادئ
وتتصدر هذه المنظومة منصات مثل «متصدقش» و«رصد» و«نافذة مصر» و«علامات أونلاين» و«بوابة الحرية والعدالة»، و «صحيح مصر»، و «الشهاب لحقوق الانسان»، وصفحات «مزيد ، و چوار، والموقف المصري»، وكلها تتبنى خطابًا يقوم في جوهره على التشكيك المستمر في أداء الدولة المصرية وإنجازاتها ومؤسساتها، وتتخفى هذه المنصات غالبًا وراء صفات براقة مثل «التحقق» و«الاستقلال» و«الصحافة»، لكنها صفات تُوظَّف لخدمة أجندة إرهابية واضحة.
وفي هذا السياق، تبرز منصة «متصدقش» التي تقدم نفسها باعتبارها منصة للتحقق والتدقيق، بينما تصفها الجهات الرسمية بأنها أداة إخوانية إرهابية تشكك في الدولة وإنجازاتها تحت غطاء المهنية.
ويتكامل معها دور «رصد» و«نافذة مصر» اللتين تروّجان للمزاعم في صورة تقارير موضوعية، بينما هي في جوهرها مواد موجهة لخدمة الجماعة الإرهابية.
ويشارك موقع «علامات أونلاين» في نسج الأخبار والتفسيرات المضللة ذاتها، فيما تعمل «بوابة الحرية والعدالة»، المرتبطة بحزب الحرية والعدالة الذي كان الجناح السياسي لجماعة الإخوان الإرهابية، على إعادة تدوير الرسائل نفسها بأسماء تبدو مدنية تارة وسياسية تارة أخرى.
ورغم اختلاف الأسماء والهويات البصرية، فإن خطاب هذه المنصات يكاد يكون واحدًا، ويسعى إلى ترسيخ صورة ذهنية سلبية عن الواقع المصري أيًا كانت طبيعة الحدث أو حجم الإنجاز.
فهذا التنوع الظاهري لا يعكس تنوعًا حقيقيًا في الرأي، بل توزيعًا للأدوار داخل غرفة عمليات واحدة، كما أن هذه المنصات تتقن لغة المواطن الغاضب، فتظهر كأنها تحمل همومه، ثم تنتهي به إلى خلاصة واحدة: لا تثق في دولتك. وهذه هي البذرة التي تسعى حروب الجيلين الرابع والخامس إلى زرعها.
انقسام تنظيمي.. وخطاب موحد
ورغم الانقسامات الحادة التي تمزق جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج، فإن أذرعها الإعلامية ما زالت تؤدي الدور ذاته، فموقع «إخوان أونلاين» يعمل بوصفه الموقع الرسمي التابع لما يُعرف بـ«جبهة تركيا»، التي يقودها محمود حسين، ويعتبره مؤيدوه القائم بأعمال المرشد العام، وفي المقابل يعمل موقع «إخوان سايت» منصةً تابعة لـ«جبهة لندن»، التي يقودها صلاح عبد الحق، ويُقدَّم هو الآخر بوصفه القائم بأعمال المرشد العام.
ورغم التنافس الحاد بين الجبهتين على قيادة الجماعة، يظل خطابهما الإعلامي الموجه إلى الداخل المصري متقاربًا إلى حد كبير؛ فهما تتناولان الملفات نفسها، وتتبنيان الروايات ذاتها، وتستهدفان القضايا نفسها.
وهذا يكشف اتفاقًا ضمنيًا على أن التأثير في الرأي العام المصري، أولوية تتقدم على أي خلاف داخلي، وفي ذلك مفارقة كاشفة؛ فجماعة مختلفة على من يقودها متفقة تمامًا على من تستهدفه، وما يُقدَّم للمواطن المصري على أنه «معارضة وطنية»، ليس إلا صراعًا بين أطراف تتنازع زعامة تنظيم يأكل نفسه، وتتسابق على النفوذ لا على الحق.
قنوات تبث من الخارج.. موجات مدفوعة ضد الداخل
وتمثل القنوات الفضائية واحدة من أهم أدوات التأثير التي تعتمد عليها الجماعة الإرهابية، وتأتي في مقدمتها قناة «مكملين»، التي انطلقت من تركيا عام 2014، قبل أن تغلق مقرها في إسطنبول وتنتقل إلى لندن، مع احتفاظها بالخط التحريري نفسه القائم على مهاجمة الدولة المصرية والتحريض عليها، وإلى جانبها تأتي قناة «وطن»، التي تبث من تركيا وترتبط بمعسكر محمود حسين في إسطنبول، وتُعد منصة رئيسية لنقل بيانات الجماعة الإرهابية ومواقفها.
وتضم القائمة كذلك قناة «الشرق»، التي انطلقت عام 2014 ويرأسها حاليًا أيمن نور، وتؤدي الدور نفسه في التصويب على الداخل المصري، أما قناة «الدعوة» فتبدو أقل صدامية في الشكل، لأنها تركز على المحتوى الديني، لكنها تستضيف بانتظام رجال دين محسوبين على تيارات ذات توجه إخواني، ما يجعلها بوابة لنفوذ ناعم بدلًا من المواجهة المباشرة.
ويرى متابعون أن القاسم المشترك بين هذه القنوات هو التركيز الدائم على الأزمات والملفات الخلافية، مع تجاهل أي مؤشرات إيجابية أو تطورات تنموية، بما يصنع لدى المشاهد صورة ذهنية أحادية الجانب.
فهي ليست مجرد منابر للرأي، بل منصات تُدار بعقلية الأزمة، تُبنى حلقاتها على ما يثير الغضب لا على ما يبعث الطمأنينة، وعلى ما يزرع اليأس لا على ما يصنع الأمل. وتروّج هذه القنوات لفكرة أن الدولة لا تنهض وأن الإنجاز وهم، ثم تنتظر أن يلتقط المواطن هذه الرسالة ويعيد نشرها بنفسه.
من الشائعة إلى الترند.. الذكاء الاصطناعي يدخل المعركة
ولكن الخطر الأكبر في هذه المنظومة لا يكمن في القنوات أو المواقع وحدها، وإنما في قدرتها على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك شبكة واسعة من الحسابات المنسقة تعمل بصورة متزامنة لإعادة نشر الرسائل نفسها وتحويلها إلى ما يشبه الحملات الرقمية المنظمة.
وهذا النمط لا يشبه التفاعل التلقائي للجمهور، بل يشبه عمل غرفة إعلامية موجهة تعرف مسبقًا ما تريد أن يقرأه المواطن، وتوقيت ظهوره، والطريقة التي تحوله بها إلى «ترند».
وتستفيد هذه الحسابات من التطور الكبير في أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور ومقاطع فيديو ومحتوى بصري يصعب على المستخدم العادي التحقق منه، حتى أصبح من الممكن تقديم مشاهد تبدو حقيقية بالكامل وهي مصنوعة بالكامل، وبذلك انتقلت حرب الشائعات إلى مرحلة أخطر من أي وقت مضى، وتستهدف هذه المواد غالبًا القضايا الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بهدف خلق حالة دائمة من الجدل والشك.
ويحذر مختصون في الإعلام الرقمي من أن الخطر لا يكمن في الشائعة نفسها بقدر ما يكمن في سرعة تداولها بين المستخدمين قبل التحقق منها، فهذا الانتشار السريع يمنحها تأثيرًا واسعًا حتى إذا جرى نفيها لاحقًا، لأن الشائعة تترك أثرها النفسي منذ اللحظة الأولى، بينما يأتي النفي متأخرًا وقد فقد جزءًا كبيرًا من قوته.
الاتهامات المعلّبة لمراكز الإصلاح والتأهيل
ومن أبرز المحاور التي تكررها هذه الأدوات الإرهابية، الادعاء الدائم بوجود انتهاكات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، في تكرار ممل ومقصود، ويستمر هذا الادعاء رغم الإشادات الدولية والإقليمية المتكررة بالأوضاع داخل هذه المراكز وبما وصلت إليه من مستوى في التنظيم والتأهيل.
فالهدف من هذه الاتهامات ليس كشف الحقيقة، بل صناعة انطباع دائم بالظلم؛ إذ تُروَّج القصة دون أدلة موثوقة، ثم تتكرر مرة بعد مرة حتى يظنها المواطن أمرًا مسلّمًا به، وهذه هي الفبركة في أوضح صورها: التكرار بدلًا من الدليل، والضجيج بدلًا من الوقائع.
التمويل.. من يدفع الفاتورة؟
ورغم أن الخطاب الإعلامي لهذه المنصات يرفع الشعارات السياسية والحقوقية، يبقى مصدر التمويل السؤال الأكثر إثارة للجدل والأكثر كشفًا لحقيقتها، فإدارة قنوات فضائية تبث على مدار الساعة، وتشغيل عدد من المواقع الإلكترونية، وتمويل حملات رقمية واسعة، كلها أنشطة تحتاج إلى موارد مالية ضخمة ومستمرة، ولا يمكن أن تتواصل لسنوات طويلة من خارج الحدود دون دعم منظم ومتكرر من كيانات تستهدف أمن واستقرار الدولة المصرية.
ولا يعد الغموض المحيط بمصادر هذا التمويل تفصيلًا ثانويًا، بل هو جزء من الإجابة، فالمنصة التي تخفي من يدفع لها، تخفي أيضًا من يوجّهها، ومن لا يستطيع الإعلان عن مصدر قوته، لا يمكن أن يُصدَّق عندما يتحدث باسم الشعب أو يزعم الدفاع عن قضاياه، فخلف هذه المنصات والقنوات والمواقع لا يوجد مشروع وطني ولا صحافة حرة بمعناها الحقيقي، وإنما من لا يبحثون في النهاية إلا عن الدولار فقط.
وفي هذا النوع من المشروعات يُقاس الخطاب بحجم التمويل الذي يغذيه لا بصدقه، وتُشترى القضية وتُباع، ويتبدل الولاء بتبدل الجهة الراعية، ومن يبيع صوته من أجل المال، لن يتردد في بيع بلده من أجل المال ذاته.
كيف تواجه الدولة؟
وفي مواجهة هذه الآلة، اتجهت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى سياسة أكثر انفتاحًا في إتاحة المعلومات والرد على الشائعات، ويبرز في هذا السياق المؤتمر الصحفي الأسبوعي لرئيس مجلس الوزراء، بوصفه منصة دورية لعرض التطورات الاقتصادية والخدمية والرد على التساؤلات المثارة في الرأي العام، بما يجعل المعلومة الرسمية متاحة بدلًا من ترك الفراغ لمن يملؤه بالتشكيك.
كما يؤدي مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء دورًا محوريًا في رصد الشائعات والرد عليها بصورة دورية، عبر تقارير وبيانات توضيحية تصحح المعلومات المغلوطة وتعرض الحقائق على الرأي العام. وعززت المؤسسات الرسمية أيضًا حضورها الرقمي على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها وزارة الداخلية، التي توسعت في نشر المعلومات والرد على المزاعم المتعلقة بالشأن الأمني، مع دعم ردودها بالوثائق والصور والفيديوهات، وبهذا انتقلت المواجهة من الرد اللفظي إلى تقديم دليل مباشر يستطيع المواطن أن يراه بنفسه.
حروب الجيل الرابع والخامس.. عندما يكون السلاح وعيك
ويضع خبراء الأمن القومي هذه الأنشطة ضمن ما يُعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس، وهي حروب لا تسعى إلى إسقاط الدول عبر المواجهة المباشرة، وإنما من خلال إنهاك الوعي العام وإضعاف الثقة بالمؤسسات ونشر حالة دائمة من التشكيك.
وفي هذه الحروب تصبح المعلومة سلاحًا، والمنشور الإلكتروني أداة تأثير، وحسابات التواصل ساحات اشتباك مفتوحة على مدار الساعة.
ولا يهدف هذا النوع من الحروب إلى احتلال أرض، بل إلى سلب الإنسان قدرته على التمييز بين الصدق والكذب، حتى يغرق في حالة من التخبط تدفعه إلى الابتعاد عن بلده دون إطلاق رصاصة واحدة، فالعدو لم يعد في حاجة إلى عبور الحدود أو امتلاك الجيوش، ويكفيه أن يقنع شعبًا بأن ما يبنيه وهم، وأن ما يراه بعينيه مزيف.
وفي هذا الإطار قد يتحول كل «شير» غير متحقق منه إلى جزء من سلاح توجهه جماعة الإخوان الإرهابية إلى صدر الوطن، فالاستهداف هنا لا يقتصر على مؤسسة أو حكومة، بل يمتد إلى الثقة التي تربط المواطن بدولته، وإذا سقطت هذه الثقة سقط معها أي إنجاز مهما كان حجمه.
المواطن في قلب المعركة.. خط الدفاع الأول
ويبقى المواطن العنصر الحاسم في هذه المواجهة، فكل إعادة نشر لمعلومة غير موثقة، تمنح الشائعة فرصة جديدة للانتشار، وكل مشاركة لمحتوى مجهول المصدر، توسع دائرة التأثير الذي تسعى إليه تلك المنصات، حتى يتحول من يظن نفسه مجرد ناقل للمعلومة، إلى جزء من الآلة دون أن يشعر. ولهذا لم يعد التحقق من المعلومات سلوكًا فرديًا، بل أصبح ضرورة مجتمعية في مواجهة التدفق الهائل للأخبار والمحتوى الرقمي، فالجهة التي تريد ضرب الدولة لا تحتاج إلى إثبات ما تقول، بل يكفيها أن يتداوله الناس دون أن يسألوا.
وإذا كان العدو يعتمد على الشك والإحباط، فإن الوعي العملي، لا الشعارات، هو أقوى سلاح في مواجهته، وتبدأ معركة الوعي بقرار بسيط يتخذه كل مواطن: ألا يصدق سريعًا، وأن يسأل عن مصدر الخبر قبل أن يتعامل معه كحقيقة.
ويشمل هذا القرار التوقف عن «الشير على الفاضي والمليان»، لأن كل من يعيد نشر خبر يتحمل مسؤولية أثره، كما يتطلب التأكد من المعلومة، خاصة في الأخبار الحساسة التي تستهدف ثقة الناس في دولتهم وإنجازاتها، وفهم طبيعة حروب الجيلين الرابع والخامس والطريقة التي تُصمم بها الرسائل المسمومة كي تمر دون انتباه .. وفي النهاية ينبغي أن يُقاس حال البلد بما يتحقق على الأرض، لا بمنشور غاضب يصنعه حساب مجهول.
الوعي درع.. والتحقق مسؤولية
ولن يكون الضبط الأخير لأدوات إعلامية تابعة لجماعة الإخوان الإرهابية نهاية هذه المعركة، فالجماعة تملك من الأدوات والمنصات ما يمكّنها من محاولة إعادة إنتاج نفسها بأسماء وأشكال جديدة، وستواصل العمل من الخارج حيث تجد التمويل والمنبر والمساحة البعيدة عن المساءلة، لكن ما يملكه الشعب المصري أقوى من هذه الآلة مجتمعة: وعي قادر على التمييز، وإرادة ترفض أن تُدار من بعيد.
وفي زمن تختلط فيه الحقيقة بالشائعة، والصورة الحقيقية بالمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال البسيط «ما مصدر المعلومة؟» واحدًا من أهم أسلحة الدفاع عن الوعي، وربما أكثرها فاعلية. فالمواجهة الحقيقية ليست مع منصة بعينها أو شائعة منفردة، بل مع كل تصرف يغيب عنه الوعي، والمعلومة سلاح ذو حدين، والمواطن الذي يتحقق قبل أن ينشر هو أول جبهة في هذه المعركة، وآخر خط دفاع لا يُخترق.