كنت واحدا من الصحفيين المشاركين في ورشة العمل التي نظمتها وزارة التضامن الاجتماعي حول «المنظومة المالية الاستراتيجية للتمكين الاقتصادي»، وخلال جلسات الورشة لم يكن السؤال الأهم بالنسبة لي هو ماذا تقدم الوزارة حاليا، بقدر ما كان السؤال ماذا بعد تكافل وكرامة، وكيف يمكن أن تنتقل الأسرة من مجرد الحصول على الدعم إلى امتلاك مصدر دخل حقيقي ومستدام..
هذا السؤال تزداد أهميته عندما نتحدث عن نحو 4.7 مليون أسرة تستفيد من برنامج تكافل وكرامة، بما يقرب من 18 مليون مواطن، لأن الحديث هنا لم يعد عن مجموعة محدودة من المشروعات أو المبادرات، وإنما عن رؤية يمكن أن تمس مستقبل ملايين الأسر، وتعيد رسم العلاقة بين الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي..
الفكرة ببساطة أن الدعم النقدي يوفر حماية للأسرة عندما تكون في حاجة اليها، لكن بالنسبة للأسرة القادرة على العمل لا يمكن أن تكون الحماية هي نهاية الطريق، ومن هنا يأتي التحدي الأصعب، وهو كيف يمكن مساعدة هذه الأسرة على امتلاك فرصة عمل أو مشروع أو مصدر دخل يجعلها قادرة تدريجيا على الاعتماد على نفسها، وهو ما يفسر اتجاه وزارة التضامن خلال السنوات الماضية نحو الانتقال من مفهوم الحماية فقط إلى مفهوم الحماية التي تفتح الطريق أمام التمكين والإنتاج..
واللافت خلال الورشة أن الوزارة لا تتعامل مع التمكين الاقتصادي باعتباره برنامجا منفردا، ولكن باعتباره منظومة تضم مجموعة من الأدوات والجهات، وهو ما ظهر في الحديث عن بنك ناصر الاجتماعي وصندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية وصندوق قادرون باختلاف وغيرها من الجهات التي يمكن أن تتكامل أدوارها في رحلة الأسرة من الحماية إلى الاستقلال الاقتصادي..
وهنا تظهر أهمية كلمة «المنظومة» نفسها، فالأسرة التي نريد تمكينها لا تحتاج فقط إلى قرض، وإنما تحتاج إلى تدريب يساعدها على إدارة المشروع، وفكرة مناسبة لظروفها، وتمويل يتناسب مع قدرتها، ومستلزمات إنتاج، وسوق تستطيع بيع منتجاتها فيه، وربما خدمات تأمينية ومالية تساعدها على مواجهة المخاطر والاستمرار، وبالتالي فإن التمكين الحقيقي لا يبدأ عندما تحصل الأسرة على التمويل، وإنما عندما تستطيع تحويل هذا التمويل إلى دخل مستمر..
وفي هذا السياق يبرز بنك ناصر الاجتماعي باعتباره أحد الأذرع الرئيسية للتمويل داخل المنظومة، خاصة مع الاتجاه إلى طرح منتجات تستهدف مستفيدي تكافل وكرامة، ومن بينها المنتج الجديد «انطلاقة نحو التمكين»، الذي يستهدف مساعدة المستفيدين على إقامة مشروعات تدر دخلا، وهو ما يعكس محاولة لاستخدام الأدوات المالية كوسيلة للانتقال التدريجي من الاعتماد على الدعم إلى الاعتماد على النشاط الاقتصادي..
وفي الجانب الآخر يأتي دور صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية، الذي يتحرك في مساحة مختلفة لكنها مكملة، من خلال دعم الصناعات والحرف والمنتجات الريفية والبيئية وربطها بالمجتمعات المحلية والأسواق، وهنا تصبح فكرة «القرية المنتجة» أكثر من مجرد شعار، لأن الهدف في النهاية هو تحويل المهارات والموارد الموجودة داخل القرى إلى أنشطة اقتصادية حقيقية توفر فرص عمل ودخل للأسر..
كما يكشف دور صندوق "قادرون باختلاف" عن جانب مهم في فلسفة التمكين، وهو أن النموذج الواحد لا يمكن أن يصلح لجميع الفئات، فالأشخاص ذوو الإعاقة لهم احتياجات وقدرات مختلفة، وبالتالي فإن التمكين بالنسبة لهم يحتاج إلى أدوات وبرامج تتناسب مع ظروفهم وتساعدهم على المشاركة في النشاط الاقتصادي بصورة تتوافق مع قدراتهم..
لكن وسط كل هذه البرامج والأدوات يظل السؤال الأهم هو: متى تخرج الأسرة من تكافل وكرامة؟
الإجابة هنا يجب ألا تكون ببساطة عندما تحصل الأسرة على مشروع أو قرض، ولا عندما يتحسن دخلها لفترة قصيرة، وإنما عندما يصبح لديها بالفعل مصدر دخل قادر على الاستمرار، لأن الخروج من مظلة الدعم يجب أن يكون نتيجة طبيعية لنجاح منظومة التمكين وليس مجرد قرار بوقف الدعم..
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام وزارة التضامن في المرحلة المقبلة، خاصة إذا كان الهدف هو الوصول تدريجيا إلى تحويل أعداد كبيرة من الأسر المستفيدة من الحماية إلى أسر منتجة وقادرة على الاعتماد على نفسها، فنجاح المنظومة لن يقاس بعدد القروض التي تم صرفها، ولا بعدد المشروعات التي تم افتتاحها، ولا بعدد الدورات التدريبية التي تم تنظيمها، وإنما بعدد الأسر التي استطاعت بالفعل أن تنتقل من دخل يعتمد على الدعم إلى دخل تصنعه بنفسها، وعدد المشروعات التي استطاعت الاستمرار والنمو بعد انتهاء التمويل..
ومن هنا يمكن فهم معنى «المنظومة المالية الاستراتيجية للتمكين الاقتصادي» بصورة أوسع من مجرد التمويل، فهي محاولة لبناء طريق متكامل أمام الأسرة يبدأ بالحماية وينتهي بالإنتاج، ويمر خلال هذا الطريق بالتدريب والتمويل والتشغيل والتسويق والشمول المالي، بحيث لا تكون كل حلقة منفصلة عن الأخرى..
وبالطبع فإن تحويل 4.7 مليون أسرة من دائرة الحماية إلى دائرة التمكين الاقتصادي ليس مهمة سهلة، ولا يمكن أن يحدث في وقت قصير، لأن كل أسرة لها ظروفها وقدراتها واحتياجاتها، لكن التحول في طريقة التفكير يظل مهما، من سؤال «كيف نقدم الدعم؟» إلى سؤال «كيف نجعل الأسرة قادرة على إنتاج دخلها؟»..
وهنا ربما يكون الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة، فتكافل وكرامة يمكن أن يظل شبكة أمان للأسرة عندما تحتاج إلى الحماية، لكن بالنسبة للقادرين على العمل يمكن أن يصبح أيضا نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة، يكون الهدف فيها ليس فقط حماية الأسرة من الفقر، ولكن مساعدتها على الخروج من دائرة الاحتياج وبناء مصدر دخل أكثر استقرارًا.