بعد 53 عامًا، لم تعد الحرب هي نفسها، ولم تعد أدواتها كما كانت في أكتوبر 1973، حيث تغير شكل الميدان، وتطورت الأسلحة، ودخلت الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية إلى قلب الصراع، لكن هناك شيئًا واحدًا لم يتغير هو "الإنسان"، أو ما يطلق عليه في العسكرية "الفرد المقاتل" الذي يظل في النهاية هو من يخطط ويقرر ويقاتل، في وقت يبقى فيه المجتمع هو الجبهة التي يمكن أن تمنح الدولة قدرتها على الصمود أو تضعفها.
ففي حرب أكتوبر 1973، لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية نجحت في تحطيم خط بارليف وفتح الطريق أمام القوات إلى شرق القناة، وإنما كان اختبارًا لإرادة دولة ومجتمع وجيش استطاع أن يحول الاستعداد والتخطيط والثقة إلى إنجاز عسكري غيّر معادلات المنطقة.
واليوم، وبعد 53 عاما من ذكرى العبور، انتقلت المعركة إلى ساحات جديدة، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول الدبابات والطائرات والمدفعية، وإنما أصبح يدور أيضًا حول المعلومة والصورة والرواية والوعي، فالشائعة قد تنتشر في دقائق، والمقطع المفبرك قد يصل إلى ملايين الأشخاص، والهجوم الإلكتروني قد يستهدف مؤسسة حيوية دون أن يطلق رصاصة واحدة.
ومن هنا.. تبرز أهمية استعادة دروس أكتوبر من زاوية مختلفة: كيف تغيرت أدوات الحرب، وماذا بقي من عوامل الحسم التي أثبتتها معركة أكتوبر؟.. وهل أصبحت الجبهة الداخلية والوعي الشعبي في زمن "السوشيال ميديا" والذكاء الاصطناعي جزءًا من ميدان المعركة بالمعنى الكامل؟.
وفي هذا السياق.. يرى خبراء استراتيجيون - في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط - أن أحد أهم دروس حرب أكتوبر يتمثل في أن امتلاك السلاح والتفوق التكنولوجي لا يعني بالضرورة حسم المعركة، وأن التخطيط الجيد والقدرة على إدارة المعلومات وتحقيق عنصر المفاجأة كانت من العوامل التي أسهمت في نجاح القوات المسلحة في عبور قناة السويس وتجاوز تحصينات خط بارليف.
وأوضحوا أن مفهوم الخداع الاستراتيجي الذي استخدمته مصر قبل الحرب لم يكن مقصورًا على التحركات العسكرية، وإنما شاركت فيه أدوات سياسية وإعلامية وإجراءات مرتبطة بالجبهة الداخلية، بما يؤكد أن الحرب كانت معركة شاملة لإدارة المعلومات والإرادة قبل أن تكون مواجهة مباشرة على أرض الميدان.
يقول اللواء نصر سالم الخبير الاستراتيجي إن مرور 53 عامًا على حرب أكتوبر لا يمثل مجرد مناسبة لاستعادة ذكرى الانتصار العسكري، وإنما فرصة لإعادة قراءة الدروس الاستراتيجية التي قدمتها الحرب، خاصة أن طبيعة الصراعات تغيرت بصورة كبيرة خلال العقود الخمسة الماضية.
وأوضح أن حرب أكتوبر كانت نموذجا واضحا لتكامل عناصر القوة، فلم يكن السلاح وحده هو الذي صنع الانتصار، وإنما كان هناك تخطيط استراتيجي، وإرادة سياسية، واستعداد عسكري، وتماسك شعبي، وقدرة على إدارة المعركة وتحمل تداعياتها.
وأشار إلى أن الإنسان ظل العنصر الأكثر أهمية في أي معركة، رغم التطور الهائل الذي شهدته تكنولوجيا التسليح والاتصالات والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والأقمار الصناعية، موضحًا أن التكنولوجيا يمكن أن تمنح الجيوش قدرات أكبر، لكنها لا تستطيع بمفردها حسم الصراعات من دون عقيدة وإرادة وقدرة بشرية على اتخاذ القرار.
وأضاف اللواء نصر سالم أن مفهوم "الجبهة الداخلية" تغير أيضًا؛ ففي حرب أكتوبر كانت الجبهة الداخلية تعني قدرة المجتمع على الصمود وتحمل أعباء الحرب، بينما أصبحت اليوم تشمل أيضًا الوعي الجمعي والقدرة على التعامل مع المعلومات ومواجهة الشائعات وحملات التضليل.
وأكد أن معركة الوعي أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن القومي، لأن الخصم لم يعد يستهدف الجبهة العسكرية فقط، وإنما يمكن أن يستهدف معنويات المواطنين وثقتهم في مؤسسات الدولة من خلال الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة والحسابات الوهمية والمنصات الرقمية.
ولفت إلى أن ما نشهده حاليًا من حروب إعلامية ونفسية يفرض ضرورة التعامل مع المعلومات باعتبارها أحد عناصر القوة، موضحًا أن انتشار شائعة واحدة في بيئة رقمية قد يكون أسرع من وصول المعلومة الرسمية، وهو ما يجعل سرعة التواصل والشفافية ودقة المعلومات جزءًا من إدارة الأزمات.
وشدد على أن درس أكتوبر الأهم هو عدم السماح للخصم بامتلاك المبادرة النفسية، فالحرب لا تُدار فقط على الأرض، وإنما داخل عقول الشعوب أيضًا.
وأوضح أن مصر في أكتوبر 1973 واجهت تحديًا عسكريًا كبيرًا، لكنها امتلكت في المقابل جبهة داخلية متماسكة، وهو درس يمكن الاستفادة منه اليوم في مواجهة التحديات غير التقليدية، سواء كانت شائعات أو حملات تضليل أو محاولات لزعزعة الثقة أو التأثير في الروح المعنوية للمجتمع.
وأشار إلى أن الجبهة الداخلية في العصر الرقمي أصبحت تبدأ من المواطن نفسه، لأن كل مستخدم للهاتف ومواقع التواصل يمكن أن يتحول من دون قصد إلى أداة لنشر معلومة غير دقيقة، ولذلك فإن الوعي الرقمي أصبح جزءًا من منظومة الأمن القومي.
وأكد أن استحضار تجربة أكتوبر لا يعني تكرار أدوات الماضي، وإنما الاستفادة من فلسفة النجاح نفسها، وهي التخطيط الجيد، وتوحيد الهدف، وتكامل مؤسسات الدولة، ورفع الروح المعنوية، والقدرة على إدارة المعلومات، وعدم السماح للخصم بتحديد مسار المعركة.
وقال إن الصراعات الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا، فلم تعد الحدود الفاصلة بين الحرب العسكرية والحرب النفسية والإعلامية والاقتصادية واضحة كما كانت من قبل، وأصبح من الممكن أن تبدأ المعركة بتغريدة أو مقطع فيديو مفبرك قبل أن تبدأ بأي تحرك عسكري على الأرض.
وأضاف أن المعركة القادمة قد لا تستهدف الأرض مباشرة، وإنما قد تستهدف وعي الإنسان وثقته وقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، ولذلك فإن بناء المواطن الواعي يمثل أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدولة.
وشدد على أن ذكرى أكتوبر يجب ألا تظل مرتبطة فقط بصور العبور والمعارك والانتصارات العسكرية، وإنما ينبغي أن تتحول إلى مناسبة سنوية لطرح سؤال أوسع وهو "كيف نحافظ على عناصر القوة التي صنعت الانتصار، ونترجمها إلى أدوات تناسب تحديات العصر؟".
من جهته.. قال اللواء أ.ح سمير فرج الخبير الاستراتيجي، إن الحروب شهدت تطورا كبيرا على مدار العقود الماضية، بداية من حروب الجيل الأول التي اعتمدت بصورة أساسية على المواجهة العسكرية المباشرة بين الجيوش، وصولًا إلى حروب الأجيال الحديثة التي لم يعد الهدف فيها هو تدمير القوات العسكرية فقط، وإنما استهداف الدولة والمجتمع من الداخل.
وأوضح أن حروب الجيل الرابع تعتمد بدرجة كبيرة على أدوات غير تقليدية، وفي مقدمتها نشر الشائعات والمعلومات المضللة، ومحاولة التأثير على الرأي العام، وإثارة حالة من الشك وعدم الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، مشيرًا إلى أن المعركة في هذه الحالة تنتقل من أرض الميدان إلى عقول المواطنين ووعيهم.
وأضاف أن الشائعات تمثل أحد أخطر أسلحة حروب الجيل الرابع، لأنها تستهدف خلخلة الثقة في مؤسسات الدولة، وإحداث حالة من الارتباك داخل المجتمع، ودفع المواطنين إلى تبني معلومات غير صحيحة أو مواقف مبنية على وقائع غير دقيقة، مؤكدًا أن خطورة الشائعة لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في سرعة انتشارها وقدرتها على الوصول إلى أعداد كبيرة من المواطنين خلال دقائق.
وأشار اللواء سمير فرج إلى أن تجربة مصر بعد 1967 تؤكد أهمية تماسك الجبهة الداخلية، موضحًا أن مصر تعرضت لظروف صعبة وقتها، لكنها لم تسقط كدولة، ولم يفقد الشعب المصري قدرته على الصمود، بل حافظ المجتمع على تماسكه، وهو ما ساهم في إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد لمعركة استعادة الأرض.
وقال إن استحضار نصر أكتوبر 1973 يكتسب أهمية خاصة عند الحديث عن حروب الجيل الرابع وحرب الوعي، لأن نصر أكتوبر لم يكن مجرد انتصار عسكري تحقق في ساحات القتال، وإنما كان نموذجًا متكاملًا لتكاتف القوات المسلحة والشعب والدولة في مواجهة التحدي.
وأوضح أن مصر بعد يونيو 1967 واجهت واحدة من أصعب المراحل في تاريخها الحديث، لكن الدولة المصرية لم تسقط، ولم تنهَر إرادة الشعب، بل حافظ المجتمع على تماسكه، وبدأت القوات المسلحة في إعادة بناء قدراتها والاستعداد لمعركة استعادة الأرض.
وأضاف أن أحد أهم دروس أكتوبر هو أن تماسك الجبهة الداخلية يمثل عنصرًا حاسمًا في أي مواجهة.. موضحًا أن القوات المسلحة استطاعت خلال السنوات التي سبقت الحرب إعادة بناء قدراتها والاستعداد للمعركة، بينما ظل الشعب المصري داعمًا لجيشه ومؤمنًا بقدرته على استعادة الأرض.
وأشار إلى أن هذا الدرس لا يزال قائمًا حتى اليوم، لكن طبيعة التهديد تغيرت، فبدلًا من محاولة هزيمة الجيش في مواجهة عسكرية مباشرة، تسعى حروب الجيل الرابع إلى استهداف المجتمع نفسه، وضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإحداث حالة من التشكيك والإحباط والانقسام.
وأكد اللواء سمير فرج أن المعركة في أكتوبر كانت على الأرض، أما المعركة الحالية فأحد أهم ميادينها هو عقل المواطن ووعيه، لافتًا إلى أن الشائعة التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تؤدي وظيفة تستهدفها الحرب النفسية، إذا نجحت في التأثير على معنويات المواطنين أو زعزعة ثقتهم في دولتهم.
ولفت إلى أن القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر لم تكن تقاتل بمعزل عن شعبها، وإنما كانت تتحرك وهي تستند إلى جبهة داخلية متماسكة، وهو ما يؤكد أن العلاقة بين الجيش والشعب تمثل أحد عناصر القوة الاستراتيجية للدولة المصرية.
وقال إن الدرس الأهم من أكتوبر هو أن قوة السلاح لا تعمل وحدها، وإنما تحتاج إلى إرادة سياسية وشعبية ووعي مجتمعي قادر على الصمود أمام الضغوط، وهو ما يجعل الحفاظ على الوعي الوطني في الوقت الراهن ضرورة لا تقل أهمية عن تطوير القدرات العسكرية.
وأضاف أن طبيعة الحروب قد تتغير من جيل إلى آخر، وقد تتطور أدواتها من الدبابات والطائرات إلى التكنولوجيا والمعلومات والشائعات، لكن الهدف في النهاية يظل واحدًا، وهو التأثير على قدرة الدولة والمجتمع على الصمود وتحقيق أهدافهما.
وأكد أن ما حدث في أكتوبر يقدم درسًا مستمرًا للأجيال الجديدة، مفاده بأن المجتمع الذي يحافظ على تماسكه وثقته في مؤسساته ويعرف كيف يتعامل مع المعلومات، يصبح أكثر قدرة على مواجهة محاولات استهدافه من الداخل.
وأكد أن الوعي أصبح في الوقت الراهن جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي، لافتًا إلى أن المواطن الواعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات والدعاية المضللة.
وشدد على أن الوقوع فريسة للدعاية المضللة قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، لأن الهدف النهائي من هذه الحملات هو التأثير في سلوك المواطنين ومواقفهم، وليس مجرد نشر معلومة كاذبة، موضحًا أن حماية المجتمع من هذه الحرب تبدأ ببناء وعي حقيقي وقدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمعلومة التي تستهدف التأثير والتضليل.
واختتم اللواء سمير فرج بالتأكيد على أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة السلاح، وأن تماسك المجتمع وثقته في مؤسساته وقدرته على التحقق من المعلومات تمثل عناصر رئيسية في حماية الدولة من حروب الجيل الرابع، التي تستهدف في جوهرها إضعاف المجتمع من الداخل.
بدوره.. أكد اللواء محمد الغباري الخبير الاستراتيجي، أن حرب أكتوبر تعد واحدة من أعظم الحروب في التاريخ العسكري المصري والعربي، لما تضمنته من دروس كثيرة لا تزال صالحة للاستفادة منها حتى اليوم، مشيرًا إلى أن أحد أهم هذه الدروس تمثل في تماسك الجبهة الداخلية ووقوف الشعب خلف الدولة والقيادة السياسية والقوات المسلحة.
وأضاف أن حرب أكتوبر أثبتت أن النصر لا يتحقق بالسلاح وحده، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تتوافر فيها وحدة الهدف وتماسك المجتمع وحسن إدارة المعركة، موضحًا أن القوات المسلحة المصرية استخدمت خلال الحرب مختلف أنواع الأسلحة في منظومة عبقرية، جرى خلالها توظيف كل سلاح وفقًا لأولويات الاستخدام وطبيعة المهمة، وهو ما أسهم في تحقيق النصر العظيم.
وأوضح الغباري أن إسرائيل تعرضت في حرب أكتوبر لأول هزيمة حقيقية في تاريخها، وهو ما شكل تحولًا مهمًا في تفكيرها بشأن طبيعة الحروب المقبلة، مشيرًا إلى أن الدرس الذي استخلصه العدو تمثل في تجنب الدخول في حروب تقليدية مباشرة قدر الإمكان، والاتجاه إلى أنماط أخرى من الصراع، من بينها الحروب بالوكالة وحروب التأثير داخل المجتمعات.
وأشار إلى أن أدوات الحرب تطورت، وأصبح استهداف المجتمع من الداخل أحد الأساليب التي تستخدمها الأطراف المعادية لتحقيق أهدافها، من خلال استغلال المعلومات والشائعات والأخبار المضللة لضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وزرع حالة من الشك والارتباك، وصولًا إلى إضعاف المجتمع والدولة من الداخل.
وشدد على أن الهدف الأساسي من هذه الأنماط الجديدة من الحروب هو تدمير المجتمع وتفكيك عناصر تماسكه، مؤكدًا أن استهداف المجتمع لا يقل خطورة عن استهداف المنشآت أو القوات في الحروب التقليدية، لأن المجتمع المتماسك يمثل خط الدفاع الأول عن الدولة.
وقال إن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من حرب أكتوبر هو أن المجتمع المصري عندما كان متماسكًا، ويدرك طبيعة التحديات التي تواجه الدولة، استطاع أن يكون شريكًا أساسيًا في تحقيق النصر، لافتًا إلى أن الحفاظ على هذا التماسك يمثل ضرورة في مواجهة التحديات الحالية.
وتابع الغباري أن هناك محاولات تستهدف هدم منظومة متكاملة من العناصر التي تشكل أساس تماسك المجتمع، تبدأ بالقيم والعادات والتقاليد، ثم التشكيك في العقيدة والثوابت، والتشكيك في الدولة ومؤسساتها وقيادتها، إلى جانب السعي إلى فرض أنماط وثقافات دخيلة على المجتمع.
وأكد أن مواجهة هذه المحاولات لا تكون فقط من خلال الإجراءات الأمنية أو العسكرية، وإنما تبدأ بالوعي، وتعزيز قدرة المواطن على التمييز بين الحقيقة والشائعة، والحفاظ على الثوابت والقيم التي تمثل عناصر قوة للمجتمع، مشددًا على أن وعي المواطن أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي.
وأوضح الغباري أن استحضار تجربة أكتوبر لا يجب أن يكون مجرد احتفال بذكرى النصر، وإنما ينبغي أن يتحول إلى عملية مستمرة لاستخلاص الدروس، وفي مقدمتها أن وحدة الشعب وتماسك الجبهة الداخلية والوقوف خلف مؤسسات الدولة تمثل عناصر حاسمة في مواجهة أي محاولة لإضعاف الدولة أو النيل من قدرتها على حماية مصالحها وأمنها القومي.