قال اللواء محمد ثروت النصيري، أحد أبطال المشاة في حرب أكتوبر، أن ذكريات حرب أكتوبر لا تزال حاضرة في وجدان كل من شارك فيها، مشيرًا إلى أنه كان وقتها برتبة نقيب، وأن حرب أكتوبر مثلت نقطة تحول تاريخية نقلت مصر من الانكسار إلى الانتصار، ومن الظلام إلى النور والعزة والكرامة.
وأضاف اللواء النصيري في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أن حرب أكتوبر لم تكن تستهدف استرداد سيناء فقط، وإنما كانت دفاعًا عن الكرامة العربية، موضحًا أن سيناء تمثل البوابة الشرقية لمصر وعمقًا استراتيجيًا وأمنيًا مهمًا للدولة المصرية، وتبلغ مساحتها نحو 64 ألف كيلومتر مربع، بما يمثل قرابة 6% من مساحة مصر.
وأوضح أن توقيت عبور قناة السويس بالنسبة لوحدته استغرق نحو 22 دقيقة، مشيرًا إلى أن مراحل العبور بدأت بضربة جوية مركزة على القوات الإسرائيلية، أعقبتها أعمال القصف المدفعي المكثف.
وأشار النصيري إلى أن القوات الجوية المصرية نفذت ضربة قوية استهدفت مواقع القوات الإسرائيلية وحصونها ومراكز قيادتها وتجمعاتها، ثم بدأ القصف المدفعي الذي استمر نحو 53 دقيقة، بمشاركة قرابة ألفي مدفع في توقيت متزامن، بهدف إحداث أكبر قدر من التدمير في مواقع العدو شرق قناة السويس.
وتابع أن أفراد المشاة بدأوا بعد ذلك في عبور القناة باستخدام القوارب المطاطية، موضحًا أنه كان مخصصًا لوحدته عشرة قوارب، عبر بها مع جنوده إلى الضفة الشرقية للقناة.
ولفت إلى أن أحد أصعب التحديات التي واجهت القوات بعد العبور كان الساتر الترابي شرق القناة، والذي بلغ ارتفاعه نحو 20 مترًا وبزاوية ميل كبيرة، ما جعل تسلقه مهمة شاقة بالنسبة للجندي الذي كان يحمل سلاحه وذخيرته ومعداته.
وأكد اللواء محمد ثروت النصيري ، أن التدريب المكثف والإصرار وقوة تحمل الجندي المصري مكنت القوات من التغلب على هذا التحدي وتسلق الساتر الترابي والوصول إلى مواقع القوات الإسرائيلية، ثم مواصلة التقدم داخل سيناء.
وقال إن القوات المصرية واجهت الدبابات الإسرائيلية خلال الساعات الأولى من الحرب، في وقت لم تكن فيه الدبابات المصرية قد عبرت إلى الضفة الشرقية، حيث كانت أعمال إنشاء الكباري اللازمة لعبور المعدات الثقيلة لا تزال جارية.
وأوضح النصيري ، أن قوات المشاة اضطرت خلال هذه الفترة إلى مواجهة الدبابات الإسرائيلية بوسائل مضادة للدروع، مؤكدًا أن تلك المرحلة شهدت تضحيات وخسائر كبيرة، لكنها أثبتت قدرة الجندي المصري على الصمود في مواجهة الدبابات الإسرائيلية.
وأضاف أن الأيام الأولى من الحرب شهدت، خسائر كبيرة في صفوف القوات الإسرائيلية، مشيرًا إلى تدمير أعداد كبيرة من الدبابات والطائرات الإسرائيلية، وهو ما انعكس على تقديرات القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل لطبيعة الموقف على الجبهة.
وأشار إلى أن رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك، جولدا مائير، طلبت دعمًا أمريكيًا عاجلًا، الأمر الذي أعقبه بدء جسر جوي وبحري أمريكي لإمداد إسرائيل بالأسلحة والمعدات التي فقدتها خلال المعارك.
وأشار إلى أن الإمدادات الأمريكية تضمنت أسلحة ومعدات متطورة، ساهمت في تغيير ميزان القوى على الجبهة لصالح إسرائيل، مؤكدًا أن القوات المصرية شعرت اعتبارًا من منتصف أكتوبر بأن الولايات المتحدة دخلت بصورة مباشرة إلى جانب إسرائيل في الصراع.
وتابع اللواء محمد ثروت النصيري، أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات تعامل مع هذا التطور من خلال إدراك أن استمرار الحرب في مواجهة الولايات المتحدة لم يكن الهدف، وأن المعركة العسكرية يجب أن تتحول إلى مسار سياسي يحقق الهدف الاستراتيجي المتمثل في استرداد الأرض.
وقال إن الرئيس السادات أثبت، في تلك المرحلة، مهارة سياسية كبيرة في تحويل نتائج الحرب العسكرية إلى مكاسب سياسية، مشددًا على أن "الحرب وسيلة وليست غاية"، وأن الحروب تبدأ بالسياسة وتنتهي بالسياسة.
وأكد أن المفاوضات السياسية بدأت من خلال الاتصالات مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، والرحلات المكوكية التي أجراها بين القاهرة وتل أبيب، والتي أسفرت عن بدء مباحثات الكيلو 101، ثم اتفاقيتي فض الاشتباك الأولى والثانية في نوفمبر 1973 ويناير 1974.
وأشار إلى أن هذه التطورات السياسية مهدت لاحقًا لاتفاقيات كامب ديفيد، التي شكلت إطارًا للمفاوضات السياسية بين مصر وإسرائيل، وصولًا إلى معاهدة السلام الموقعة عام 1979 برعاية أمريكية.
وأكد أن أحد الأهداف الرئيسية للمسار السياسي الذي أعقب حرب أكتوبر كان استعادة كامل الأراضي المصرية في سيناء، وإنهاء حالة الحرب، لتكون حرب أكتوبر آخر الحروب بين مصر وإسرائيل.
وأضاف أن هذا المسار تُوّج في 25 أبريل 1982 باستكمال انسحاب القوات الإسرائيلية واستعادة السيادة المصرية على كامل أرض سيناء، لتتحول نتائج الحرب العسكرية التي بدأت في أكتوبر 1973 إلى إنجاز سياسي ودبلوماسي اكتمل باسترداد الأرض.
وشدد اللواء محمد ثروت النصيري على أن تجربة أكتوبر أثبتت أن الانتصار العسكري يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية أوسع، وأن استرداد سيناء جاء ثمرة لتكامل العمل العسكري مع التحرك السياسي والمفاوضات.