الخميس 15 اكتوبر 2026

مقالات

الانتقال من ساحة المشكلات إلى الفرص

  • 4-10-2026 | 14:21
طباعة

إن اختيار مصر لاستضافة وقيادة مؤتمر "العلمين أفريقيا" أكثر من مجرد استضافة لفعالية اقتصادية تجمع مسئولين ومستثمرين ورجال أعمال، فالمشهد يحمل في حد ذاته رسالة عن الطريقة التي تنظر بها القاهرة إلى علاقتها بالقارة الأفريقية، وعن الدور الذي تريد أن تلعبه في لحظة تبحث فيها دول القارة عن فرص جديدة للنمو، وسط عالم يتغير بسرعة، وتزداد فيه المنافسة على الأسواق والاستثمارات والموارد.

والانطباع الأول الذي يتركه المؤتمر هو أن مصر تحاول أن تنقل الحديث عن أفريقيا من دائرة المشكلات إلى مساحة أوسع عنوانها الفرص، فالقارة لا تختزل في أزمات الديون أو الفقر أو النزاعات، وإنما تمتلك أسواقا ضخمة وثروات طبيعية وطاقات بشرية شابة واحتياجات تنموية هائلة يمكن أن تتحول، إذا توافرت الاستثمارات والشراكات المناسبة، إلى محركات حقيقية للنمو.

ومن هنا تأتي أهمية وضع الاقتصاد في قلب هذا الحوار، فالعلاقات المصرية الأفريقية لا يمكن أن تظل محصورة في اللقاءات السياسية والاتفاقيات الحكومية، مهما كانت أهميتها، ما يجعل العلاقات أكثر قوة واستدامة هو أن تتحول إلى مصالح مشتركة يلمسها المستثمر والشركة والمواطن.

وكل مشروع يتم تنفيذه، وكل استثمار يعبر الحدود، وكل منتج يصل إلى سوق أفريقية جديدة، يضيف عمليا حلقة جديدة إلى شبكة التعاون بين مصر ودول القارة.

ولعل اللافت في "العلمين أفريقيا" هو محاولة الجمع بين أكثر من طرف في مساحة واحدة: الحكومات التي تضع السياسات، والقطاع الخاص الذي يبحث عن الفرص، والمستثمرون الذين يملكون القدرة على تحويل الأفكار إلى مشروعات.

وهذه المعادلة تبدو ضرورية إذا كان الهدف هو الانتقال من الكلام عن التكامل الأفريقي إلى بناء مصالح اقتصادية فعلية.

بالنسبة إلى مصر، ويحمل المؤتمر أيضا فرصة لعرض ما راكمته خلال السنوات الماضية من خبرات في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والتحول الرقمي والخدمات المالية، والأهم من مجرد عرض التجربة هو إمكانية تحويلها إلى شراكات مع دول أفريقية تحتاج إلى مثل هذه الخبرات.

فنجاح التجربة الوطنية لا يكتمل فقط عندما تحقق نتائج داخل حدود الدولة، وإنما عندما تصبح قادرة على فتح أبواب جديدة للتعاون مع محيطها.

وهنا يمكن فهم الحضور المصري في أفريقيا من زاوية مختلفة، ليس فقط باعتباره امتدادا للدور السياسي، وإنما باعتباره استثمارا في المصالح المشتركة، فالشركات المصرية تبحث عن أسواق جديدة، والدول الأفريقية تبحث عن استثمارات وخبرات وشركاء، ومصر تمتلك موقعا جغرافيا يجعلها نقطة اتصال مهمة بين أفريقيا والعالم العربي والأسواق الدولية.

ومن الطبيعي أن تحاول القاهرة البناء على هذه المزايا.

حتى اختيار العلمين كمكان للمؤتمر يحمل دلالة خاصة، فالمدينة أصبحت خلال سنوات قليلة نموذجا لمشروعات عمرانية واستثمارية وسياحية واسعة، وبالتالي فإن استضافة حدث أفريقي فيها تقدم صورة عملية عن رؤية مصر للتنمية وقدرتها على تنفيذ مشروعات كبيرة وتحويل مناطق جديدة إلى مراكز للحياة والاستثمار.

لكن ربما تكون أهم نقطة في كل ذلك هي أن نجاح "العلمين أفريقيا" لن يقاس بما يحدث داخل قاعات المؤتمر.

المؤتمرات تنتهي، والكلمات تلقى، والصور تلتقط، لكن القيمة الحقيقية تظهر بعد ذلك: فهل ستتحول الأفكار إلى مشروعات؟ هل ستنشأ شراكات جديدة؟ هل ستدخل استثمارات أفريقية إلى مصر أو تستثمر الشركات المصرية في أسواق أفريقية جديدة؟ وهل يمكن أن تخرج من هذا التجمع مشروعات توفر فرص عمل وتزيد حركة التجارة والاستثمار بين دول القارة؟

هذه هي المسافة الفاصلة بين المؤتمر باعتباره حدثا والمؤتمر باعتباره بداية لمسار.

ومن هذا المنظور، فإن قيادة مصر لـ"العلمين أفريقيا" تبدو محاولة لتقديم نفسها، ليس فقط كدولة تستضيف حوارا أفريقيا، وإنما كطرف يريد المشاركة في صياغة هذا الحوار وتوجيهه نحو الاقتصاد والاستثمار والتنمية.

وهي رؤية تتناسب مع التحولات التي تشهدها القارة، حيث أصبحت المنافسة على الاستثمار والأسواق وسلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا جزءا أساسيا من مستقبل العلاقات الدولية.

وفي النهاية، يمكن القول إن أهمية "العلمين أفريقيا" تكمن في الفكرة التي يحاول تكريسها، وهي أن مستقبل أفريقيا لن يبنى فقط عبر معالجة أزماتها، وإنما أيضا عبر اكتشاف قوتها الاقتصادية وتحويل إمكاناتها إلى فرص حقيقية.

ومصر، بحكم موقعها وخبراتها وعلاقاتها داخل القارة، تملك فرصة لأن تكون جزءا مؤثرا في هذا التحول، لكن الرهان الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمر، عندما تتحول النقاشات إلى حركة على الأرض، والاستثمارات إلى مشروعات، والشراكات إلى نتائج يشعر بها الناس.

فإذا نجح "العلمين أفريقيا" في فتح هذه الأبواب، فلن يكون مجرد مؤتمر عابر، بل يمكن أن يصبح خطوة في اتجاه علاقة مصرية أفريقية أكثر اعتمادا على المصالح المشتركة والاستثمار والتجارة والعمل معا من أجل بناء فرص جديدة للقارة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة