صدرت رواية "انحناء رضا الطويل" للروائية والقاصة ألفت عاطف في 235 صفحة من القطع المتوسط، وفيها تضعنا "عاطف" أمام مفارقة تبدو بسيطة، لكنها سرعان ما تتحول إلى مفتاح لقراءة الرواية كلها: كيف يمكن للإنسان أن ينحني كي يستمر؟ وهل يكون الانحناء فعل نجاة أم صورة أخرى من صور الهزيمة؟
تبدو الرواية في ظاهرها حكاية عن رضا، الرجل الذي يفقد ابنته، فيهرب من نفسه ومن ماضيه ومن أشباحه، ولا يبدأ في كتابة حكايته إلا قبيل موته. لكن هذا المسار الواقعي لا يظل منفصلًا عن عالم آخر أكثر غرابة؛ إذ تنفتح الرواية على القاهرة في عام 2424، حيث يصبح الجسد نفسه مضطرًا إلى التكيف مع مدينة لا تناسبه، ويغدو الانحناء شرطًا للبقاء.
هنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات الرواية إثارة للاهتمام. فالعالم الديستوبي ليس مجرد مستقبل متخيل، كما أن الحكاية الواقعية ليست مجرد حكاية موازية؛ كلاهما يبدو كمرآة للآخر. ما يحدث للجسد في القاهرة المستقبلية يمكن قراءته بوصفه صورة مكبرة لما يحدث للإنسان في واقعه حين يضطر إلى التنازل عن جزء من طبيعته كي يتوافق مع عالم صُمم من دونه.
رضا الطويل نفسه يتحول إلى استعارة. إنه طويل أكثر مما يسمح به السقف، ولذلك عليه أن ينحني ويزحف. لكن الانحناء هنا لا يتعلق بالجسد وحده؛ فثمة انحناءات أخرى أكثر قسوة: انحناء أمام الفقد، وأمام الذاكرة، وأمام الخوف، وأمام واقع لا يمنح الإنسان دائمًا فرصة لأن يكون كما يريد.
ولعل قوة الرواية تأتي من أنها لا تقدم هذه الأفكار بصورة مباشرة، وإنما تترك للقارئ مهمة تركيبها. ثلاث مسودات تتداخل، وحكايات تتقاطع، وروابط لا تتضح كلها إلا في النهاية، بحيث تصبح القراءة نفسها فعل بحث عن المعنى. القارئ لا يتلقى الحكاية مكتملة، بل يعيد بناءها قطعة قطعة، مثلما يحاول رضا أن يعيد بناء ذاته وحكايته.
أما القاهرة، فهي ليست مجرد مكان تجري فيه الأحداث، وإنما شخصية أساسية في الرواية. القاهرة المستقبلية، التي تفرض على سكانها شروطًا جديدة للحياة، تستعيد في الوقت نفسه القاهرة الواقعية بما تحمله من ضغوط وتحولات وتناقضات. المدينة هنا تفعل بالإنسان ما يفعله الزمن أحيانًا: تجبره على التكيف، ثم تجعله ينسى أنه كان يومًا قادرًا على الوقوف مستقيمًا.
وفي خلفية ذلك كله يحضر الفقد بوصفه القوة الأكثر إنسانية في الرواية. فقدان الابنة لا يبدو مجرد حادثة تحرك السرد، بل جرحًا يعيد تشكيل علاقة رضا بنفسه وبالعالم. ومن خلال هذا الجرح، تصبح الكتابة محاولة متأخرة للفهم، وربما محاولة أخيرة لمواجهة ما ظل يهرب منه.
تستفيد ألفت عاطف من الديستوبيا لا لتقديم صورة مستقبلية مخيفة فحسب، وإنما لتشويه الواقع قليلًا كي يصبح أكثر وضوحًا. وهذا ما يجعل الغرائبي في الرواية قريبًا من الواقعي، ويمنح الأشياء غير المنطقية أحيانًا قدرة أكبر على التعبير عن حقيقة إنسانية يصعب قولها بصورة مباشرة.
«انحناء رضا الطويل» في النهاية ليست رواية عن رجل طويل يضطر إلى الانحناء، بقدر ما هي رواية عن الإنسان حين يجد نفسه في عالم لا يتسع له. وحين يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا انحنى رضا؟ وإنما: كم مرة اضطر الإنسان إلى الانحناء قبل أن يكتشف أنه لم يعد يعرف كيف يقف مستقيمًا؟