لم تكن حرب السادس من أكتوبر 1973 معركة عسكرية تقليدية فقط، وإنما كانت واحدة من أكبر عمليات الخداع الاستراتيجي التي شهدتها الحروب الحديثة، إذ عملت القيادة المصرية قبل المعركة على إخفاء نواياها الحقيقية، وتأمين الاتصالات بين القوات، ومنع جيش الاحتلال من معرفة موعد الهجوم أو طبيعة الأوامر والتحركات المصرية.
وفي قلب هذه المنظومة ظهرت فكرة استخدام اللغة النوبية في الاتصالات اللاسلكية، لتتحول لغة أبناء النوبة من وسيلة للتواصل اليومي إلى شفرة عسكرية ساهمت في حماية الاتصالات المصرية خلال حرب أكتوبر.
أحمد إدريس صاحب الشفرة النوبية في حرب أكتوبر 1973
القصة بدأت في السنوات التي سبقت حرب أكتوبر، عندما واجهت القوات المسلحة المصرية تحديا يتعلق بتأمين الاتصالات العسكرية، بعدما تمكن جيش الاحتلال من التنصت على بعض الاتصالات وفك عدد من الشفرات المستخدمة.
وكانت القيادة العسكرية تبحث عن وسيلة اتصال أكثر أمنا، وفي هذا السياق طرح الصول أحمد إدريس فكرة استخدام اللغة النوبية، باعتبارها لغة غير معروفة على نطاق واسع خارج أهلها، وكانت في ذلك الوقت لغة شفهية لا تعتمد على كتابة متداولة يمكن للعدو الاستناد إليها في فهم الاتصالات.
أحمد إدريس، الذي أصبح لاحقًا معروفًا باسم صاحب شفرة حرب أكتوبر، لم يكن صاحب رتبة عسكرية كبيرة، لكنه كان جنديا من أبناء النوبة، وامتلك معرفة باللغة النوبية جعلته يدرك إمكانية الاستفادة منها عسكريا.
ووفقا لما أوضحه إدريس، في تصريحات له، لاحظ أن قادته يبحثون عن وسيلة جديدة لتأمين الاتصالات، بعدما نجح جيش الاحتلال في فك شفرات سابقة، فاقترح أن تكون اللغة النوبية هي وسيلة الاتصال الجديدة، لأنها لغة محادثة يتحدث بها أبناء النوبة ولا تستخدم في الكتابة بالشكل الذي يمكن أن يساعد على فكها
الفكرة لم تتوقف عند الاقتراح، وإنما انتقلت إلى مرحلة الاختبار والتنفيذ، وتم الاستعانة بعدد من الجنود المصريين من أبناء النوبة ممن يجيدون اللغة، وتدريبهم على استخدام أجهزة اللاسلكي، ثم توزيعهم على مراكز القيادة والوحدات المختلفة، بحيث يستطيعون استقبال وإرسال الرسائل باللغة النوبية دون الحاجة إلى تحويلها إلى شفرة مكتوبة تقليدية.
وكانت قوة الفكرة في بساطتها؛ فالرسالة لم تكن تحتاج إلى رموز وأرقام معقدة يمكن تحليلها، وإنما كانت تنتقل في صورة كلمات منطوقة لا يفهم معناها إلا من يعرف اللغة.
وكانت اللغة النوبية تضم لهجات مختلفة، من بينها الكنزية والفديكية، وهو ما زاد من صعوبة التعامل معها بالنسبة لمن لا يعرفها، خاصة أنها اعتمدت بدرجة كبيرة على التوارث الشفهي.
ومع اقتراب موعد الحرب، جرى تحويل عدد من الكلمات النوبية إلى مصطلحات عسكرية تشير إلى الأسلحة والمعدات والأوامر، فأصبحت الكلمات تحمل معاني محددة داخل الاتصالات العسكرية، بحيث يسمع الجندي أو الضابط كلمة نوبية فيعرف أنها تعني أمرا أو تحركا أو نوعا من المعدات، بينما تبدو لمن يستمع إليها من خارج المنظومة مجرد كلمات بلغة غير مفهومة.
الشفرة في لحظتها الأهم
وفي السادس من أكتوبر 1973 وصلت الشفرة إلى لحظتها الأهم، فقد أصبحت كلمات قليلة تحمل معاني عسكرية محددة، ومن أشهرها «أوشريا» التي تعني «اضرب»، و«ساع آوي» التي تعني «الساعة الثانية»، ومع وصول هذه الكلمات عبر الاتصالات بدأت الأوامر تتحرك بين الوحدات في توقيت الهجوم، لتصبح اللغة النوبية جزءا من الاتصالات التي صاحبت لحظة العبور وبدء العمليات العسكرية
ولم تكن الشفرة النوبية منفصلة عن منظومة الخداع الكبرى التي سبقت الحرب، بل جاءت ضمن مجموعة واسعة من الإجراءات التي هدفت إلى إخفاء موعد الهجوم وطبيعته عن جيش الاحتلال.
واعتمدت القيادة المصرية على المناورات والتعبئة الوهمية والتحركات المحسوبة والرسائل التي توحي بأن ما يجري مجرد تدريبات عسكرية، بينما كانت الاستعدادات الحقيقية للحرب تتم في إطار بالغ السرية.
وبحسب الروايات التي كشف عنها أحمد إدريس، فإن استخدام الشفرة بدأ قبل حرب أكتوبر بسنوات، وظلت مجموعة من الجنود النوبيين تشارك في نقل واستقبال الرسائل العسكرية، كما استمر استخدام هذه الطريقة في الاتصالات السرية بين القيادات العسكرية حتى سنوات بعد الحرب، قبل أن يتوقف استخدامها لاحقا.
تكريم أحمد إدريس
وظلت قصة الشفرة النوبية لسنوات طويلة واحدة من الأسرار العسكرية التي لم يعرف عنها الرأي العام شيئا، كما ظل أحمد إدريس محتفظا بالسر طوال عقود، حتى جاء الكشف عنها بصورة علنية خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في أكتوبر 2017، بالتزامن مع احتفالات مصر بالذكرى الرابعة والأربعين لنصر أكتوبر، ليظهر صاحب الفكرة ويروي تفاصيلها للمصريين بعد سنوات طويلة من الصمت
وفي عام 2017 صدق الرئيس عبدالفتاح السيسي على منح البطل أحمد إدريس وسام النجمة العسكرية، تقديرا لدوره في حرب أكتوبر وابتكاره فكرة استخدام اللغة النوبية كوسيلة لتأمين الاتصالات العسكرية والتغلب على محاولات التنصت، وذلك خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة التي أقيمت بالتزامن مع احتفالات مصر بالذكرى الرابعة والأربعين لانتصارات أكتوبر
وجاء التكريم بعد أكثر من أربعة عقود ظل خلالها سر الشفرة بعيدا عن الرأي العام، إذ حافظ أحمد إدريس على السر طوال هذه السنوات، ولم يكشف تفاصيل الفكرة إلا بعد أن قررت القوات المسلحة الإعلان عنها، ليظهر صاحب الشفرة أمام المصريين ويحكي جانبا من قصة دوره في حرب أكتوبر.
وكانت لحظة التكريم واحدة من أبرز المحطات في حياة أحمد إدريس، الذي ارتبط اسمه منذ ذلك الوقت بقصة الشفرة النوبية، وأصبح واحدا من الأسماء التي ارتبطت بصفحات البطولة والابتكار في حرب أكتوبر
وبعد سنوات من التكريم، رحل الصول أحمد إدريس في سبتمبر 2021 عن عمر ناهز 84 عاما، بعد أن ترك وراءه قصة ارتبطت بواحدة من أهم صفحات التاريخ العسكري المصري.
فقد دخل الجيش المصري متطوعا عام 1954، وشارك في عدد من الحروب، وظل حتى سنواته الأخيرة يحمل سر الشفرة التي أصبحت جزءا من ذاكرة نصر أكتوبر
وهكذا تحولت اللغة النوبية في واحدة من أكثر لحظات التاريخ المصري حساسية من لغة يتوارثها أبناء النوبة جيلا بعد جيل إلى أداة ضمن منظومة الخداع وتأمين الاتصالات العسكرية التي سبقت حرب أكتوبر.
ولم تكن أهمية الفكرة في كونها لغة غير مفهومة لمن يتنصت عليها فقط، وإنما في أنها قدمت للقيادة المصرية وسيلة اتصال شفوية يصعب التعامل معها بالأساليب التقليدية لفك الشفرات.
وبينما يظل نصر أكتوبر ثمرة منظومة عسكرية وسياسية واستخباراتية متكاملة شارك فيها آلاف المصريين، بقيت قصة أحمد إدريس والشفرة النوبية واحدة من القصص التي تكشف جانبا مختلفا من معركة العبور؛ جانبا لم يعتمد على السلاح وحده، وإنما على فكرة بسيطة خرجت من جندي نوبي، وتحولت داخل القوات المسلحة المصرية إلى لغة سرية للاتصال، ارتبطت في الذاكرة الوطنية بيوم استعادة الأرض وعبور قناة السويس.