الأربعاء 14 اكتوبر 2026

ثقافة

حينما تكتب البندقية ويؤرخ القلم.. حكايات «نصر أكتوبر» في عيون الروائيين

  • 5-10-2026 | 13:26

الحرب في بر مصر

طباعة
  • همت مصطفى

حين دوّى صوت المدافع على جبهة القناة ظهر السادس من أكتوبر 1973م، كانت البندقية تكتب الفصل الأخير من حكاية استرداد الأرض والكرامة، غير أن الحكاية لم تنتهِ عند صمت المدافع؛ فهناك حكايات أخرى لا تحملها بيانات القيادة ولا تتسع لها كتب التاريخ، حكايات الوجوه والقلوب التي صنعت النصر في الخنادق وعلى الضفاف، وفي القرى التي انتظرت أبناءها، وفي المستشفيات التي ضمّدت الجراح.

هنا يبدأ دور القلم، فالروائي لا يكتفي بتسجيل ما جرى، بل يسأل عمّا كان يدور في صدر الجندي قبل ساعة العبور، وعمّا تركه الانتظار الطويل في النفوس، وكيف تحوّل الانكسار إلى إصرار، وبهذا وثّقت الرواية العربية والمصرية نصر أكتوبر من زوايا متعددة، فكانت شاهدًا على الحدث، ومرآة للروح التي صنعته.

واليوم نطوف مع  البعض من هذه الروايات والقصص التي جعلت من أكتوبر ذاكرة حيّة،  فنلتقي مع جمال الغيطاني في توثيقه بطولات الشهيد «إبراهيم الرفاعي»، وفي بحثه عن «عبد الرحمن» الذي حوّلته الحرب من رجل عادي إلى أسطورة،  ونرافق إحسان عبد القدوس في رحلة الانتقال من مرارة يونيو إلى فرحة العبور، ويوسف القعيد في مساءلته الاجتماعية لمن دفعوا ثمن النصر من دمائهم،  ونقف مع أحمد نوار في عين القناص المترقبة، ومع مجيد طوبيا في صمت الجنود المتحوّل إلى طاقة انفجرت يوم السادس من أكتوبر.

إنها رحلة بين صفحات الأدب، نكتشف فيها أن النصر لم يكن لحظة عسكرية فحسب، بل كان تحولًا إنسانيًا عميقًا في وجدان أمة، وأن أسراره الحقيقية تسكن الحكايات التي كتبها الروائيون بمداد الصدق والوفاء.

 و نؤكد أن الرواية العربية والمصرية  تناولت ملحمة حرب أكتوبر 1973م من زوايا متعددة،  بين إبراز بطولات الجبهة، وتجسيد واقع الجنود، ورصد أثر الحرب والعبور على المجتمع المصري.

«الرفاعي» للروائي والأديب جمال الغيطاني

رواية «الرفاعي» توثيقية تدور حول شخصية الشهيد إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة 39 قتال، حيث يدمج الغيطاني بين الأسلوب الأدبي والتسجيل الواقعي لبطولات الصاعقة المصرية.

يمزج جمال الغيطاني في رواية «الرفاعي» بين السيرة الذاتية والتسجيل التاريخي والنص الأدبي، ويستعرض بطولات العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي، قائد «المجموعة 39 قتال» (صاعقة خاصة)، و تنقل الرواية تفاصيل العمليات الفدائية خلف خطوط العدو خلال حرب الاستنزاف، وصولًا إلى معارك أكتوبر واستشهاده في الدفرسوار، والرواية توثيق حقيقي لروح الفداء والجسارة.

«حكايات الغريب» للروائي جمال الغيطاني

ترصد رواية «حكايات الغريب» التحولات الاجتماعية والنفسية في المجتمع المصري أثناء سنوات الاستنزاف وحرب أكتوبر، من خلال البحث عن شخصية «عبد الرحمن» الذي اختفى خلال أحداث المقاومة في السويس.

تدور الأحداث في مدينة السويس عقب الحرب، حيث يبحث الكاتب عن شخص عادي يُدعى «عبد الرحمن»، كان شخصًا خمولًا ولا يبالي بشيء قبل الحرب، ولكنه مع اندلاع القتال يتحول إلى فدائي أسطوري يقاتل حتى الاستشهاد وتختفي جثته، وتقدم الرواية رؤية حول كيف تُخرج لحظات النضال الوطني أفضل ما في الإنسان المصري البسيط.

«العمر لحظة» للأديب إحسان عبد القدوس

تتناول رواية «العمر لحظة» قصة صحفية تتطوع لخدمة الجرحى والمقاتلين في المستشفيات والجبهة، وتسلط الضوء على تلاحم الشعب مع الجيش والتحول المعنوي من مرارة هزيمة 1967 إلى لحظة العبور والنصر.

تدور أحداث رواية «العمر لحظة» حول الصحفية «نعمت» التي تعيش صراعًا زوجيًا مع زوجها المحبط والمنهزم نفسيًا بعد عام 1967م، وتتطوع للعمل في المستشفيات العسكرية ومرافقة الجنود، وتلتقي بالشباب والمجندين على الجبهة، ترصد الرواية التحول النفسي للمجتمع المصري من الانكسار واليأس إلى بناء الذات واستعادة الثقة التي توجت بنصر أكتوبر.

«الرصاصة لا تزال في جيبي» للأديب إحسان عبد القدوس

ترصد رواية «الرصاصة لا تزال في جيبي» رحلة مجند يمر بتجربة النكسة مرارًا، قبل أن يشارك في حرب أكتوبر ويحقق مع زملائه العبور، لتعكس الرواية الاسترداد الفعلي للكرامة الوطنية والشخصية، وترصد البعد الإنساني والاجتماعي والنفسي.

وتناقش حياة الشاب «محمد» الذي يعود إلى قريته بعد هزيمة 1967م كسير النفس، ويواجه نظرات اللوم، فضلًا عن صراعه مع رأس المال المستغل في القرية (عباس)،و يتعافى الشاب نفسيًا عندما يُطلب للخدمة ويشارك في الإعداد للعبور، خائضًا معركة أكتوبر ليحقق النصر الشخصي والعام، محتفظًا بالرصاصة كرمز لليقظة والاستعداد لحماية الوطن.

«الحرب في بر مصر» للأديب يوسف القعيد

تقدم رواية «الحرب في بر مصر»، والتي كتبها الأديب والروائي يوسف القعيد، معالجة نقدية واجتماعية؛ حيث تدور القصة حول عمدة يرسل ابن فقير محلي ليخدم في الجيش بدلًا من ابنه الأكبر باستخدام أوراق مزورة، وتنتهي الأحداث باستشهاد الشاب في حرب 1973، لتطرح الرواية تضحيات الفئات البسيطة في صنع النصر.

تقدم رواية «الحرب في بر مصر» معالجة ملحمية وواقعية سوداوية؛ حيث يلجأ عمدة إحدى القرى إلى شراء تزوير أوراق ليرسل ابن خفيره الفقير «مصطفى» للخدمة العسكرية بدلًا من ابنه الأكبر للتملص من الاستدعاء، ويذهب الشاب الفقير ويقاتل ببسالة ويتيسر له الاستشهاد في حرب أكتوبر 1973م، تتناول الرواية تضحيات الطبقات الفقيرة التي صنعت النصر بعرقها ودمائها على الجبهة.

«نوار.. عين الصقر»  للكاتب أحمد نوار

 كتاب «نوار.. عين الصقر: قناص حرب الاستنزاف» هو سيرة ذاتية مميزة صاغها الكاتب سليمان العطار وتتناول ذكريات وبطولات الفنان التشكيلي والبطل العسكري المصري الدكتور أحمد نوار  على جبهة القتال، موثقةً تفاصيل الحياة الميدانية للجنود ولحظات المواجهة.

رواية «نوار» وتجربة تسجيلية كتبها الفنان التشكيلي والقناص أحمد نوار، الذي خدم كقناص على الجبهة في منطقة القناة، تنقل الرواية التفاصيل الدقيقة لعين القناص، ومشاعر الانتظار، والدقة في تصيّد أهداف العدو، والاندماج البصري والنفسي مع أرض سيناء أثناء العبور.

«أبناء الصمت» – مجيد طوبيا
رواية «أبناء الصمت» هي إحدى أبرز روايات الأدب المصري والعربي، ومن أهم المؤلفات التي أرّخت لحرب أكتوبر 1973 وفترة حرب الاستنزاف، وهي من تأليف الكاتب والروائي المصري الكبير مجيد طوبيا.

تدور حول مجموعة من الجنود المرابطين على جبهة القناة خلال سنوات حرب الاستنزاف وحتى العبور، وتركز الرواية على اليوميات الشاقة، ومشاعر الشوق إلى الديار، والتكاتف بين أبناء المحافظات المختلفة وهم ينتظرون كلمة السر للعبور، محولين «الصمت» والانتظار إلى طاقة تفجرت في السادس من أكتوبر.

 أكتوبر ملحمةً لا تغيب عن وجدان المصريين

وهكذا تبقى هذه الروايات والكلمات شاهدةً على أن النصر لم تصنعه البندقية وحدها، بل صانه القلم حين حفظ وجوه الأبطال وحكاياتهم من النسيان، فظلّ أكتوبر في الذاكرة حيًّا لا تطويه الأيام، ولقد أدّت البندقية مهمتها في ساحة المعركة، وأدّى القلم أمانته في صفحات الأدب، فمن اجتمع لهما الصدق والوفاء حُفظ للنصر معناه، وبقي أكتوبر حكايةً تتناقلها الأجيال، وبين البندقية التي استردّت الأرض، والقلم الذي حفظ الحكاية، يظل أكتوبر ملحمةً   النصر التي  لا تغيب عن وجدان المصريين.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة