الأربعاء 14 اكتوبر 2026

ثقافة

ملحمة سقوط «بارليف».. الأكذوبة الإسرائيلية التي ابتلعتها مياه القناة

  • 5-10-2026 | 11:57

خط بارليف

طباعة
  • ياسر علي

نُسجت حوله الأكاذيب، وأُحيط بهالة من القوة الزائفة، فظن البعض أنّه عصيٌّ على الانهيار؛ إنه "خط بارليف" الذي سقط تحت أقدام الجنود المصريين في ساعات معدودة بأدوات بسيطة، ودون إطلاق رصاصة واحدة.

كان ذلك الساتر الترابي - الذي بناه العدو على طول الساحل الشرقي لقناة السويس ليعوق حركة العبور إلى شبه جزيرة سيناء - أول التحديات التي واجهت القيادة المصرية خلال حرب 1973 المجيدة.

سُمِّي الساتر الترابي بهذا الاسم نسبةً إلى "حاييم بارليف"، وكلّف بناؤه حوالي 500 مليون دولار، وبلغ ارتفاعه من 20 إلى 22 مترًا، وانحداره 45 درجةً على الجانب المواجه للقناة، وضم 20 نقطة حصينة وسميت بالدشم التي تم توزيعها على مسافات تتراوح بين 10 إلى 12 كيلو مترًا، وبعمق 12 كيلو مترًا داخل شبه جزيرة سيناء؛ لذلك أطلق عليه العدو الإسرائيلي "الساتر الترابي الذي لا يقهر"، واعتبروه أقوى من "خط ماجينو" الذي بناه الفرنسيون بعد الحرب العالمية الأولى.

وروّجت الأساطير ونسجت الحكايات حول "خط بارليف"، واشتغلت الآلة الإعلامية لتُضخم من قدرات الساتر، وتصنع منه بطلًا من تراب على ضفة القناة باستخدام الحرب النفسية مُدّعين أنّه يستطيع إبادة الجيش المصري إذا ما حاول عبور قناة السويس.

لم تكن القيادة المصرية بمعزل عمّا يقوم به العدو؛ فكانت ترصد وتراقب وتتعامل بحكمة وصبر، وفكّرت في أكثر من طريقة لإزالة هذا الساتر الترابي؛ فالحرب قادمة لا ريب فيها وبشائر النصر تملأ الآفاق، ولا يبقى بين جنود مصر الأوفياء وبين استرداد سيناء سوى العبور، وأول العبور كان بنسف هذا الساتر الأكذوبة، والخط المصنوع إعلاميًا ونفسيًا قبل أن يقف ترابيًا على ضفة القناة.

ولأن أرض مصر عامرة بالعقول، ولا يقف أمام الجندي المصري مسألة إلا ووجد لها حلًا من واقع البيئة المحيطة؛ تفتق ذهن الضابط المهندس باقي زكي يوسف رئيس فرع المركبات بالجيش الثالث الميداني أثناء حرب أكتوبر، عن حل عبقري لإزالة هذا الساتر الترابي بأكبر قدر من الكفاءة، وبأقل قدر ممكن من التكلفة والخسائر، فكانت الصدمة التي شلّت تفكير العدو، والصاعقة التي عصفت بأحلام التفوق العسكري والفكري على حد سواء، وأنقذت 20 ألف جندي مصري على الأقل من الموت المحقق.

تمكن الجيش المصري في يوم السادس من أكتوبر عام 1973 م من عبور قناة السويس واجتياح خط بارليف، وأفقد العدو توازنه في أقل من ست ساعات، ووافق ذلك اليوم يوم كيبور أو عيد الغفران لدى اليهود، حيث بدأ الهجوم بالضربة الجوية، مستغلين عنصري المفاجأة والتمويه العسكريين الهائلين اللذين سبقا تلك الفترة، كما تم استغلال عناصر أخرى مثل المد والجزر واتجاه أشعة الشمس من اختراق الساتر الترابي في 81 موقعًا مختلفًا، وإزالة 3 ملايين متر مكعب من التراب باستخدام مضخات مياه ذات ضغطٍ عالٍ، قامت بشرائها وزارة الزراعة للتمويه السياسي ومن ثم تم الاستيلاء على أغلب نقاطه الحصينة بخسائر محدودة، وقتل خلال المواجهات 126 جنديًا إسرائيليًا، وأُسر 161 آخرون.

لم يطلق الجندي المصري خلال ملحمة العبور طلقة واحدة تجاه خط بارليف، وإنما ألقى بأطنان من مياه القناة على الساتر الترابي، لينهار في ساعات قليلة وتبتلعه مياه القناة التي كان يقف رابضًا عليها.

ساعات قليلة وسالت رمال "بارليف" داخل مجرى قناة السويس، ووطأت أقدام جنود مصر ترابه، ورفع العلم المصري على أعلى نقطة فيه، ومرت الدبابات والمجنزرات المصرية للضفة الأخرى من القناة، وانهارت أسطورة الجيش الذي لا يقهر مع انهيار "خط بارليف"، وانهارت معهما أحلام وأوهام التفوق العسكري الإسرائيلي، لتصبح ملحمة خط بارليف واحدة من العمليات التي ينظر إليها سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا بأنها فعل عسكري خارق للعادة، أُنجز بأدوات وإمكانيات بسيطة ومحدودة، وحقق نتائج أبهرت العالم، ليكتب الجندي المصري صفحة جديدة في سجل التاريخ العسكري الضارب بجذوره في أعماق التاريخ، مقاتلًا شجاعًا ومفكرًا عسكريًا وخبيرًا حربيًا لا يُشق له غبار.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة