إذا كانت حرب أكتوبر انتصارًا عظيمًا لا عسكريًا فقط, بل نفسيًا للإنسان العربي والمقاتل المصري على وجه الخصوص; لمواجهة ما أُختلق من أساطير حول الجيش الإسرائيلي الذي لا تُقهر قوته, حين عبرت القوات المسلحة المصرية الباسلة العائق المائي, وتجاوزت خط بارليف المخطط له أن يكون أقوى وأمنع الحصون المواجهة لأي هجوم محتمل, فقد قيل وقتها إن القنابل الذرية لا يمكنها هدمه, لكن جنودنا المؤمنين بعدالة قضيتهم وقدرتهم على تحقيق المستحيل دمروا المانع الحصين في حرب تميزت بالسرعة والدهاء والمفاجأة, وكشفت عن المعدن الحقيقي للمقاتل المصري صاحب النفس الأبية والروح المتحدية للمستحيل, وعائلته التي عانت التقتير وشظف العيش; من أجل إعداد البلاد للحرب منتظرين فرصة مواتية للثأر من عدو اغتصب الأرض وخلّف شهداء روت دماؤهم الرمال, هذه الانتصارات الملهمة للكتّاب والمبدعين أفسحت المدى الواسع للكتابة وأفرخت العديد من الأعمال الإبداعية الخالدة حققت نوعًا من الوفاء لهذا النصر بمقدار كبير.
فقد خلّد الكاتب الأستاذ عبده مباشر بطولة الشهيد عقيد/ إبراهيم عبد التواب، قائد الكتيبة 603 مشاة، بطل ملحمة كبريت، وأيضًا خلّد الكاتب الكبير الأستاذ جمال الغيطاني قصة المواطن السائق عبد العزيز محمود في قصته الشهيرة "حكايات الغريب" (عبد الرحمن)، الذي دخل السويس أثناء الحرب ولم يخرج منها، وما رُوي عنه من أساطير مقاومة العدو. ففي الذكرى الثالثة والخمسين لانتصار أكتوبر العظيم، نتناول سيرًا لبطولات وشخصيات تبحث عن مؤلف يسجّل ملاحم بطولاتهم، ومنهم:
الصول أحمد محمد إدريس
(سرّ الشفرة المصرية)
المولود في 1935م بقرية توماس وعافية التابعة لمركز نصر النوبة بأسوان، حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة حيث عاش في كنف أخيه الأكبر. في عام 1954م تطوّع أحمد إدريس بالقوات المسلحة المصرية، وشارك في الدفاع عن البلاد إبان العدوان الثلاثي الغاشم على مصر 1956م، وبقي في سيناء حتى حرب اليمن، وبعدها شارك في حرب 1967م.
في أثناء خدمته في حرس الحدود في عام 1971م، علم بقلق الرئيس السادات من تمكن العدو في الكثير من الأحيان من فك شفرة العمليات للجيش، وعندما عاد قائد الكتيبة التي يخدم إدريس فيها، لاحظ وجود علامات الحيرة على القائد والضباط، فقال لهم: "نرطن بالنوبي"، لأن اللغة النوبية تنطق ولا تُكتب بالحروف العربية، فقاموا بإبلاغ قائد الجيش، الذي نقل الصول الجنوبي في سرية إلى جهة غير معلومة، ليجد نفسه في مقابلة الرئيس الراحل السادات، وهو ما تم في نحو ساعة ونصف الساعة، حسب ما ذكره إدريس.
وشرح الجندي للرئيس السادات كيفية الشفرة، موضحًا أن تتم الاستعانة بالجنود الذين تربوا في بلاد النوبة القديمة، وهو ما تم فعليًا، إذ تم تجنيد 344 فردًا من النوبة في معسكرات صحراء سيناء، ممن تدربوا على قاموس سري، ككلمات "أسلانغي" التي تعني ثعبان باللغة النوبية، وتشير في الشفرة إلى العربة المجنزرة، وكلمة "أولوم" تعني تمساح، وتشير إلى الدبابة، وكلمة "أوشريا" تعني اضرب.
كان الهدف من الشفرة أن تتم تسمية محطات عسكرية بسيناء بأسماء نوبية، على أن يتواجد فرد نوبي مع كل رئيس عمليات وقائد لواء وكتائب وفصائل وغيرها، ليكون نقل التعليمات والأوامر العسكرية بالشفرة النوبية، حتى بدأ الهجوم المصري على القوات الإسرائيلية.
وعام 2017، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بتقليد إدريس وسام "النجمة العسكرية"، تقديرًا لجهوده في حرب 1973، وآنذاك ذكر الصول أحمد إدريس، الذي رحل عن عالمنا في 21 سبتمبر 2021م، أن خطة الشفرة النوبية كانت من "الأسرار العسكرية" حتى جاء التكريم.
اللواء باقي زكي يوسف
(عبقرية تدمير خط بارليف)
وُلد في 23 يوليو 1931م، وتخرج في كلية الهندسة قسم ميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1954م، وانضم للقوات المسلحة المصرية كضابط في سلاح المركبات، ثم انتُدب للعمل في مشروع السد العالي في مايو عام 1964، وفي هذه الفترة شاهد عن قرب عملية تجريف عدة جبال من الأتربة والرمال داخل مشروع السد العالي بمحافظة أسوان باستخدام قوة ضخ المياه من مضخات المياه العملاقة، والتي كانت هذه هي بذرة فكرة إحداث ثغرات في الساتر الترابي المواجه لخط بارليف، فمع بداية وضع خطة العبور لتحرير سيناء، برزت عقبة كبرى أمام القوات المصرية، ألا وهي الساتر الترابي الضخم لخط بارليف، الذي يتكون من 22 موقعًا حصينًا يتضمن 36 نقطة قوية، ومزوّد بخزانات وقود لإشعال النيران في أي قوات من الجيش المصري تفكر في عبور قناة السويس، غير خنادقه القوية والأسلاك الشائكة المحيطة بنقاطه الحصينة، فخط بارليف الدفاعي اعتبرته القيادة الإسرائيلية حصنًا منيعًا يستحيل اختراقه. حينها تقدّم باقي زكي يوسف بفكرته الجريئة إلى قادته عن استخدام مضخات المياه لتجريف الساتر الترابي بدلًا من المتفجرات الثقيلة، ورغم جرأة الاقتراح، فقد حاز موافقة القيادة، وتم تنفيذه بدقة مذهلة يوم السادس من أكتوبر. في ساعات قليلة انهار الحصن الذي روّج له العدو لسنوات باعتباره لا يُقهر أو يُدمر، وبفضل تلك الفكرة، تمكنت قوات المشاة المصرية من فتح الممرات اللازمة لعبور الدبابات والمعدات الثقيلة إلى شرق القناة. تحولت عبقرية اللواء باقي إلى "مفتاح النصر"، وكتب اسمه بحروف من ذهب في تاريخ العسكرية المصرية.
حصل على نوط الجمهورية العسكري من الدرجة الأولى من الرئيس أنور السادات في فبراير عام 1974 عن أعمال قتال استثنائية تدل على التضحية والشجاعة الفائقة في مواجهة العدو بميدان القتال في حرب أكتوبر 1973، كما حصل على وسام الجمهورية من الطبقة الثانية من الرئيس محمد حسني مبارك عام 1984 بمناسبة إحالته إلى التقاعد من القوات المسلحة. ظل اسم باقي زكي يوسف بعيدًا عن الأضواء لسنوات طويلة، إلى أن رأى الباحثون العسكريون والكتّاب في تسليط الضوء على دوره التاريخي، فكرّمه الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 1995، كما تم منحه وسام الجمهورية تقديرًا لإسهامه الفريد في معركة العبور.
وقد عُرف مهندس باقي زكي يوسف بإنسانيته واعتزازه بوطنه، وكان يرى أن ما فعله لم يكن بطولة من فرد واحد صاحب فكرة، بقدر ما هو إلا جزءٌ من منظومة عمل جماعي قدّم فيها كل جندي وضابط وقائد في شتى المواقع ما بوسعه من تضحيات حققت النصر المستحيل. ظلّ اللواء باقي زكي يوسف حتى رحيله في يونيو 2018م رمزًا للعبقرية المصرية حين يؤمن الإنسان بحبه لوطنه.
محمد عبد العاطي عطية
(وعفاريت عبد الجابر)
رقيب أول مجند محمد عبد العاطي عطية شرف، المولود في 15 ديسمبر 1950م بقرية شيبة قش، منيا القمح، محافظة الشرقية، والمكرم بوسام نجمة سيناء.
بدايته كانت بانضمامه لسلاح الصاعقة، ثم انتقل إلى سلاح المدفعية، ليبدأ مرحلة جديدة بالتخصص في الصواريخ المضادة للدبابات، وبالتحديد في الصاروخ (فهد)، الموصوف في وقته بأنه من أحدث الصواريخ المضادة للدبابات التي وصلت للجيش المصري، وقبل الحرب وفي 28 سبتمبر 1973، التقى عبد العاطي بقائد كتيبته المقدم عبد الجابر أحمد علي في منطقة فايد.
جاء يوم 6 أكتوبر 1973 المرتقب، وبدأ الجيش يتقدم على مقربة من القناة بحوالي 100 متر، وبعد الضربة الجوية الماحقة بدأت أرض المعركة تشتعل بصورة لم يصدق معها أحد أن الجنود المصريين قد عبروا الضفة الشرقية، وكان عبد العاطي هو أول فرد من مجموعته يتسلق الساتر الترابي.
وفي يوم 8 أكتوبر، وهو اليوم الذي كان يعتبره البطل عبد العاطي يومًا مجيدًا للواء 112 مشاة وللكتيبة 35، حيث بدأ هذا الصباح بانطلاقة قوية للأمام؛ في محاولة لمباغتة القوات الإسرائيلية التي بدأت في التحرك على بُعد 80 كيلومترًا باللواء 190 المصحوب بقوات ضاربة مدعومًا بغطاء من الطائرات.
وأطلق عبد العاطي وزميله بيومي طلقاتهما التي توالت في إصابة الدبابات، حتى وصل رصيده إلى 13 دبابة ورصيد بيومي إلى 7 دبابات في نصف ساعة. في يوم 9 أكتوبر، فوجئ بقوة إسرائيلية مدرعة منتشرة جاءت لمهاجمتهم، مكونة من مجنزرة وعربة جيب وأربع دبابات، فقام عبد العاطي باصطيادها واحدة تلو الأخرى، حتى بلغ رصيده في هذا اليوم 17 دبابة، وفي يوم 18 أكتوبر، دمر دبابتين وعربة مجنزرة ليصبح رصيده 23 دبابة و3 مجنزرات...
ولا أدل على عزيمة وقدرة وقوة الجندي المصري على الإبداع في القتال إلا شهادة جنود وقادة العدو نفسه، أثناء المواجهة الحقيقية على أرض المعركة، حتى تصور بعض هؤلاء القادة أن من يحاربهم فوق رمال سيناء (أشباح وعفاريت). ففي شهادة إسرائيلية عن إحدى المعارك التي قادتها الكتيبة 35 فهد بقيادة البطل الراحل عبد الجابر أحمد، يحكي قائد مدرعات إسرائيلي اسمه (باري شامير) عن لحظات الرعب والجحيم في مواجهة (عفاريت عبد الجابر) ــ وهو الاسم الذي أطلق على الكتيبة 35 خلال فترة الحرب ــ فيقول: "... اكتشفنا أن الأهداف المواجهة لنا رجال المشاة وليست المدرعات، كان ذلك بالنسبة لنا مفاجأة مطمئنة، حتى إن أحد رفاقي في الدبابة قال بصوت عالٍ إن هذا انتحار من جانب المصريين، وما إن بدأت المعركة حتى تصورنا أنه ما دام شريط المدفع الرشاش في الدبابة يفرغ الرصاص، فإن الجنود المصريين يسقطون فوق الرمال، ولكنني لاحظت أن حركتهم الجماعية لا تهدأ أو تتوقف، كانوا كالعفاريت."
يعترف شامير في النهاية: "... لم يكن حظ الدبابات الأخرى في سريتي بأفضل من حظنا، لقد تم تدمير كل دبابات السرية." هذا ما فعلته كتيبة (عفاريت عبد الجابر)، أو جنود اللواء البطل عبد الجابر أحمد علي، وكان منهم محمد عبد العاطي، صائد الدبابات الذي دمر وحده 23 دبابة بصواريخ الآر بي جي والساجر، وهذه هي اعترافاتهم التي تسجل المعجزة العسكرية للمقاتل المصري.
محمد طه يعقوب (بطل علامة النصر)
وُلد ببورسعيد، ودرس في كلية المعلمين بجامعة عين شمس، وعمل مدرسًا قبل تجنيده بالقوات المسلحة المصرية بالجيش الثالث ضمن الفرقة 19 مشاة ميكانيكي، اللواء الثاني، الكتيبة 22. وقد شارك محمد يعقوب في العديد من التدريبات الشاقة على عبور القناة استعدادًا للعبور الفعلي المخطط له، ويروي أنه أثناء المعارك المتقدمة 30 كم في منطقة عيون موسى، تعرض زميل له لجروح، بل وبُترت ساقه أثناء العمليات القتالية، فقام محمد يعقوب بحمله وعبر به القناة إلى الضفة الأخرى وسط النيران، وعن معاناته هو وزملائه خلال حصار دام 134 يومًا دون طعام، قال يعقوب إنهم تحملوا ما لا يطيقه أحد، واضطر مع رفاق الحصار إلى أكل الثعابين والسحالي للبقاء أحياء، كما كانوا يقطعون أكثر من كيلو ونصف في ظروف غاية في الخطورة لجلب الماء من عيون موسى.
أما عن الصورة التي التقطتها كاميرات التوثيق لمحمد طه وهو يقف بثبات على ضفة القناة يرفع علامة النصر، فعقب وصوله التُقطت له تلك الصورة التي خلدت بطولته، وهو يرفع يده علامة النصر التي كان يقصد بها خريطة سيناء؛ لتصبح تلك الصورة رمزًا عالميًا لصمود الجندي المصري، وقال له الرئيس الراحل محمد السادات حين استقبله: "أهلًا بالبطل الذي بشّر بالنصر من ثاني أيام الحرب".
وغير ما سبق، آلاف وآلاف من بطولات قُدّمت أرواحهم فداءً للوطن، وتستحق أن تتناول سيرهم في أعمال أدبية ملحمية ودرامية تسجل ما قدموا من تضحيات.