في حوار لي مع نجيب محفوظ, سألته صراحة عن روايته (ملحمة الحرافيش), وقلت له إنك كتبتها من وحي نصر أكتوبر, فجاءت عامرة بالتفاؤل, وختمتها بقولك: (وقالت له نفسه: لا تحزن, فقد ينفتح الباب ذات يوم للذين يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة), فأكد على ذلك, فسألته تحديدًا: لماذا لم نرَ روايات وأفلامًا عظيمة عن نصر أكتوبر? فأجاب أن الأغنية أسرع في التفاعل مع الأحداث من الرواية, فسمعنا أغاني النصر, لكن الرواية تحتاج إلى وقت أطول كي تختمر وتنضج.
كان ذلك في منتصف تسعينيات القرن العشرين، ومضى الآن وقت طويل جدًا على ذكرى انتصارات السادس من أكتوبر، ومع ذلك لم نرَ إبداعًا بحجم النصر، ولا يساوي عشرة في المئة مما صنعه المقاتل المصري من بطولات في الحرب، وهي بطولات تشمل الجميع، من أصغر فرد مجند عبر القناة، وواجه الدبابة بصدره وبندقيته الآلية، وركب النقاط الحصينة على خط بارليف، واقتحمها، ودمرها، وثأر لرفاقه ولشرفه العسكري، إلى أكبر قائد ممثلًا في السادات، صاحب قرار الحرب والعبور، ثم القادة العظام الذين خططوا ونفذوا بعقول مصرية صميمة، وتفكير مصري ذاتي، وهم رجال من ذهب: المشير أحمد إسماعيل، والفريق سعد الشاذلي، والمشير عبد الغني الجمسي، إلى قادة الأسلحة والفرق أمثال: حسني مبارك، ومحمد علي فهمي، ويوسف عفيفي، وعبد الحليم أبو غزالة، وفؤاد عزيز غالي، وحسن أبو سعدة، وسعد مأمون، وغيرهم الآلاف من الضباط وصف الضباط والجنود.
وهي بطولات اعترف قادة العدو بها، وذكروها في مذكراتهم بعد المعركة، كما ورد ذلك في كتاب (التقصير) الذي وضعه صحفيو إسرائيل عقب تحقيقات لجنة أجرانات للبحث في أسباب التقصير العسكري الصهيوني في المعركة، إنها الحرب التي وضعت حدًا لأساطير صهيونية كانت إسرائيل تمجدها، مثل (موشي ديان وشارون)، وقبلهما (جولدا مائير)، رئيسة وزراء العدو، التي استغاثت بالرئيس الأمريكي نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر في اليوم الأول للحرب، طالبة المساعدة لإنقاذ إسرائيل من الانهيار، حيث أكد جنود العدو الفارون أنهم يحاربون الأشباح التي تنشق عنها الأرض، ووصفت الصحافة العالمية المقاتل المصري بأنه المارد الذي استيقظ.
نعم لدينا مذكرات القادة التي وضعوها لتوثيق النصر، ولدينا شهادات موثقة صوتًا وصورة بمناسبة مرور ربع قرن على النصر، ولدينا قصص متناثرة عن النصر والحرب عامة لجمال الغيطاني، ويوسف القعيد، والسيد نجم، وأحمد عبده، وسمير الفيل، الذي كانت قصته (الجندي والخوذة) من وحي النصر، وكتب مجموعة كاملة من أدب الحرب، وأبو المعاطي أبو النجا، ورسائل القناديل لشريف قنديل، وعين الصقر للفنان أحمد نوار، قناص حرب الاستنزاف الشهير على خط المواجهة في قناة السويس، ولوحات السجيني، وما كتبه محمد السيد عيد في مفكرته وحلقاته الإذاعية كرقيب شاهد الحرب، وغيرهم، ولا ننسى شعر فرقة (ولاد الأرض) والكابتن غزالي في السويس، و(وجوه على الشط) للأبنودي في ديوان خصص للمعركة، ومسرحيات سمير عبد الباقي على خط القناة والمواجهة.
ومن السرد القصصي لأدب الحرب الممهد للنصر: أطول يوم في تاريخ مصر للسيد الشوربجي 1971م، والمحاصرون لفؤاد حجازي 1973م، ثم المصير لحسن محسب سنة 1974م، والصمت لمجيد طوبيا سنة 1974م. وللقعيد (السفر) سنة 1975م، و(في الأسبوع سبعة أيام) و(يحدث في مصر الآن)، والقصة الأخيرة تحولت لفيلم (المواطن مصري) بطولة عمر الشريف وصفية العمري وعزت العلايلي.
ومن أدب نصر أكتوبر كتب إبراهيم الخطيب (أكتوبر حبي)، وكتب محمود الورداني (هذه نوبة رجوع)، وكتب محمد سالم (يوميات على جدار الصمت)، وكلها قصص سردية ويوميات أدبية كتبها مقاتلون أدباء.
وهناك أدب الرسائل كما فعل الأبنودي في قصيدته الشهيرة (جوابات حراجي القط لزوجته فاطنة)، والرباعيات كما فعل صلاح جاهين أستاذه، وهناك (مسحراتي فؤاد حداد) أستاذ الجميع، الذي خلد النصر في شعره العامي الرفيع، المعجون وطنية خالصة.
ولكن للحقيقة، ليس لدينا رواية عظيمة مثل (الحرب والسلام) لتولستوي، ولا (وداعًا للسلاح) لإرنست همنجواي، ولا فيلم مثل (أطول يوم في التاريخ) عن الحرب العالمية الثانية، وكل ما لدينا عدة أفلام مثل (العمر لحظة) للمخرج محمد راضي، المأخوذ عن قصة ليوسف السباعي، بطولة أحمد زكي وماجدة، و(حائط البطولات) لنفس المخرج، والمأخوذ عن مذكرات فريق محمد علي فهمي، قائد سلاح الدفاع الجوي أثناء حرب أكتوبر، والذي أوقف مبارك عرضه لأنه أراد اختصار النصر كله في شخصه وفي الضربة الجوية الأولى!
وقد قرأنا قبل ربع قرن أن الكاتب والقاص والسيناريست أسامة أنور عكاشة قد بدأ يستعد لكتابة فيلم روائي كبير يخلد حرب أكتوبر، وبالفعل جلس مع المشير طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة، ومع صفوت الشريف، وزير الإعلام، ولكنه تعرض لحملة ضارية من أنصار السادات، واتهموه بأنه (ناصري الهوى) وسيحول الفيلم للتمجيد في عبد الناصر، وتجاهل دور السادات في صنع النصر، فتوقف المشروع قبل أن يبدأ!!
وعلى الجانب الآخر من الصورة، وحسبما يؤكد أساتذة الأدب العبري في الجامعات المصرية، فإن انتصارات أكتوبر زلزلت الوجدان الإسرائيلي، وخلعت عن الأدباء والكتاب ثوب الوهم والزيف وغرور القوة والتفوق، وظهرت موجة جديدة من الأدب الواقعي، الذي اعترف بقسوة الهزيمة ومرارتها، وعلى حد تعبير الأديبة الإسرائيلية (عينات كوهين) فإن حرب أكتوبر: ردًّا حادًّا وقاسيًا على الشعور بالتفوق واحتقار الآخر، والذي ملأ صدورنا بعد حرب 67، إن حرب أكتوبر كانت نقطة تحول درامية مباغتة ومذهلة، وكأنها مأخوذة من حبكة مميزة، وكانت زلزالًا حقيقيًّا هز المجتمع الإسرائيلي).
ومن تجربتي الخاصة بعد نشري كتابي (سقوط الفانتوم) سنة 2000م، وصدور طبعته الثانية عن هيئة الكتاب سنة 2020م، سعيت وصديقي السيناريست أحمد فاروق لتحويل النص إلى عمل درامي، وعقدنا جلسات عمل مع المخرج محمد فاضل المتحمس لهذه النوعية من الأعمال، وتعثرنا أحيانًا، ولكن حلمنا قائم، وهناك محاولة جادة الآن لبعثه من جديد، خاصة أن القيادة السياسية الحالية ممثلة في الرئيس السيسي متحمسة وبقوة لدراما رفع الوعي الوطني، ودعم بنفسه فيلم (الممر)، وطالب بالمزيد.
إننا لا تعوزنا البطولات الأسطورية لجنودنا في الجبهات كافة، وفي الأسلحة كافة، برية وجوية وبحرية، ولا تنقصنا جهود التوثيق، فغالبية البطولات موثقة في كتب وشهادات، بعضها منشور، وبعضها بحاجة للنشر، ولكننا يعوزنا، بصراحة، كتاب يؤمنون بأن أدب النصر فريضة الوقت، وفرض عين على صاحب كل قلم، ليبدع قصة أو رواية أو مسرحية أو فيلمًا أو لوحة أو قطعة موسيقية، فالنصر غالٍ جدًا، وكتبه جنودنا بالدم والعرق وبسنوات من التدريب الشاق والاستعداد للثأر والمواجهة، فليس أقل من أن يقدم جيل ما بعد النصر بنصف قرن رؤيته وجهاده ومشاركته في توثيق قصص النصر، ولعل البداية تكون من مؤسسات الدولة المعنية بفتح خزائن ملفات البطولة، وعمل مسابقات إبداعية خاصة عن النصر، ودعم الأعمال الفائزة بنشرها، وتحويلها لأعمال درامية، لأن الفن ابن الكرم، وحق النصر وصنّاعه علينا أن نظل نتذكره جيلًا من بعد جيل، باعتباره أعظم انتصار مصري وعربي في العصر الحديث، ليس على العدو وحده، بل على داعميه أيضًا، فقد حارب الجندي المصري أحدث تكنولوجيا عسكرية، وقهرها بحلول مصرية عبقرية، وجينات العبقرية تظل حية في الوعي المصري وقادرة على تكرار النصر مرات ومرات، وجيشنا إذا ما واجه حربًا حقيقية بدا معدنه النفيس، لأنه من نبت أرض مصر الطيبة.