يعد مفهوم القوة الذكية من المفاهيم الحديثة نسبيًا في العلاقات الدولية, وهو يمثل محورًا مهمًا من محاور دراسة القوة, حيث إن القوة الناعمة, من جانب, هي المقياس الجديد لأي قوة صاعدة عقب امتلاكها للقوة الصلبة المتمثلة في الجانب العسكري والاقتصادي بالأساس, ويوفر هذا للحقل الأكاديمي مزيدًا من التركيز على القوة الذكية ودراستها كوسيلة لإدارة الأزمات سلميًا دون الوقوع في نزاعات مسلحة, بالاعتماد على القوة الناعمة وإدراك أهمية القوة الصلبة كعنصر أساسي للقوة. كما أنه لا يمكن الاعتماد على القوة الصلبة فقط أو القوة الناعمة فقط في وقتنا الحالي, وخاصة مع تعقد النظام الدولي وتداخل مصالح الدول الكبرى وتغير موازين القوى, حيث إنه أصبح هناك العديد من الفاعلين الدوليين وغير الدوليين على الساحة, فيجب على الدولة التي تسعى إلى تعظيم أرباحها أن توازن بين استخدام القوة الصلبة والقوة الناعمة وصولًا للقوة الذكية, لكي تحافظ على وزنها في النظام الدولي.
ولكنه على الرغم من شيوع مفهوم القوة الذكية، إلا أن القوة الصلبة ما زال لها تأثير قوي وفعال على الساحة الدولية، ويحدد هذا الأمر مجموعة من الشروط الإضافية التي يجب توافرها لتحقيق القوة الذكية، على اعتبار أن الهدف من ممارسة القوة لا يمكن أن تكون ذكية دون أن يعرف ممارسوها الهدف من استخدامها والشعوب والمناطق المستهدفة من هذه القوة.
التوظيف المباشر
في الإطار السابق من استخدامات الحرب الذكية، والاعتماد على مقاربة تضليل الجانب الإسرائيلي، أعلنت مصر استيراد مخزون استراتيجي من القمح، عن طريق قيام أجهزة المعلومات بتسريب أنباء بأن أمطار الشتاء قد غمرت صوامع القمح وأفسدت ما بها، وتحوّل الأمر لفضيحة إعلامية، استوردت مصر على أثرها الكميات المطلوبة، وإخلاء المستشفيات تحسبًا لحالات الطوارئ، عن طريق تسريح ضابط طبيب من الخدمة وتعيينه بمستشفى الدمرداش، ليعلن عن اكتشافه تلوث المستشفى بميكروب، ووجوب إخلائها من المرضى لإجراء عمليات التطهير، وفي اليوم التالي نشرت الأهرام الخبر معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوث قد وصل إلى مستشفيات أخرى، فصدر قرار بإجراء تفتيش على باقي المستشفيات، وأُخليت باقي المستشفيات.
واستيراد مصادر بديلة للإضاءة أثناء تقييد الإضاءة خلال الغارات، عن طريق تنسيق أحد المندوبين مع مهرب قطع غيار سيارات لتهريب صفقة كبيرة من المصابيح مختلفة الأحجام، وبمجرد وصول الشحنة كان رجال حرس الحدود في الانتظار، واستولوا عليها كاملة، وتم عرضها بالمجمعات الاستهلاكية. ومن أجل تقليل الانتباه العام، دعا الفريق أول أحمد إسماعيل جميع وزراء الحكومة يوم 27 سبتمبر 1973 لزيارة هيئة الأركان العامة لإطلاعهم على الجديد من الأجهزة المكتبية والحاسبات الآلية.
التكتيك الاستراتيجي
تم نقل المعدات الثقيلة كالدبابات إلى الجبهة، عن طريق نقل ورش التصليح إلى الخطوط الأمامية، ودفع الدبابات إلى هناك في طوابير بحجة إصابتها بأعطال. نقل معدات العبور والقوارب المطاطية عن طريق تسريب المخابرات تقريرًا يطلب فيه الخبراء استيراد كمية مضاعفة من معدات العبور، مما أثار سخرية إسرائيل، وعندما وصلت الشحنة ميناء الإسكندرية، ظلت ملقاة بإهمال على الرصيف حتى المساء، وفي ظل إجراءات أمنية توحي بالاستهتار واللامبالاة، وأتت سيارات الجيش فنقلت نصف الكمية إلى منطقة صحراوية بضاحية (حلوان)، وتم تكديسها وتغطيتها على مرمى البصر فوق مصاطب لتبدو ضعف حجمها الأصلي، فيما قامت سيارات مقاولات مدنية بنقل الكمية الباقية للجبهة مباشرة.
وأيضًا توفير أجهزة المعلومات لمعلومات حيوية سمحت ببناء نماذج لقطاعات خط بارليف في الصحراء الغربية لتدريب الجنود عليها، وخداع الأقمار الصناعية لملء المعسكر بعدد من الخيام البالية والأكشاك الخشبية المتهالكة، ولافتات قديمة لشركات مدنية. في يوليو 1972 صدر قرار بتسريح 30 ألفًا من المجندين منذ عام 1967، وكان معظمهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية، وفي مواقع خلفية، والتمويه برفع درجة الاستعداد القصوى للجيش وإعلان حالة التأهب في المطارات والقواعد الجوية من 22 إلى 25 سبتمبر، مما يضطر إسرائيل لرفع درجة استعداد قواتها تحسبًا لأي هجوم، ثم يعلن بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتيني، حتى جاء يوم 6 أكتوبر فظنت المخابرات الإسرائيلية أنه مجرد تدريب آخر. وبدأ القتال تحت ستار المناورة العسكرية المشتركة (تحرير 23)، ثم استبدلت خرائط التدريب بخرائط العملية بدر، وكانت البرقيات والرسائل المصرية التي تعترضها المخابرات الإسرائيلية تؤكد أنباء تلك المناورة، مما أدى إلى استبعاد إسرائيل لفكرة الحرب. وفي أكتوبر 1973 تم الإعلان عن فتح باب رحلات العمرة لضباط القوات المسلحة والجنود، وكذا تنظيم دورات رياضية عسكرية، مما يتنافى وفكرة الاستعداد للحرب، وشوهد الجنود المصريون على الضفة الغربية للقناة صبيحة يوم الحرب وهم في حالة استرخاء وخمول، ويتظاهر بعضهم بمص القصب وأكل البرتقال. ولإخفاء نية القوات البحرية في إغلاق مضيق باب المندب، نشر خبر صغير في شهر سبتمبر عام 1973 عن توجه ثلاث قطع بحرية مصرية إلى أحد الموانئ الباكستانية لإجراء العمرات وأعمال الصيانة الدورية لها، وبالفعل تحركت القطع الثلاث إلى ميناء عدن، وهناك أمضت أسبوعًا، ثم صدر لها الأمر بالتوجه إلى أحد الموانئ الصومالية في زيارة رسمية استغرقت أسبوعًا آخر لزيارة بعض الموانئ الصومالية، ثم عادت القطع الثلاث من جديد إلى عدن، وهناك جاءتها الإشارة الكودية في مساء الخامس من أكتوبر 1973 بالتوجه إلى مواقع محددة لها عند مضيق باب المندب في سرية تامة، عند نقاط تسمح لها بمتابعة حركة جميع السفن العابرة في البحر الأحمر راداريًا وتفتيشها، ومنع السفن الإسرائيلية من عبور مضيق باب المندب طوال الحصار.
توجهات منضبطة
تم اختيار موعد هجوم تحتفل فيه إسرائيل بعيد الغفران اليهودي، وتغلق خلاله المصالح الحكومية، بما فيها الإذاعة والتليفزيون، كما اختير على أساس الظروف المناخية والسياسية المواتية، كما كان المجتمع الإسرائيلي منشغلًا بالمعارك الانتخابية التشريعية. الإعلان عن زيارة قائد القوات الجوية اللواء حسني مبارك إلى ليبيا يوم 5 أكتوبر، ثم تقرر تأجيلها لعصر اليوم التالي 6 أكتوبر 1973، كما وجه المشير أحمد إسماعيل الدعوة إلى وزير الدفاع الروماني لزيارة مصر يوم 8 أكتوبر، وأعلن رسميًا أنه سيكون في استقباله شخصيًا لدى وصوله إلى مطار القاهرة. كما تم كشف شبكات التجسس، بما في ذلك شبكة هبة سليم وشبكة طناش راندوبولو، وتحييد دور الملحقين العسكريين وضباط المخابرات بالسفارات بوضعهم تحت رقابة صارمة لمنع وصولهم إلى معلومات تمس سرية الاستعداد للحرب، كما استخدمت اللهجة النوبية لتشفير الرسائل المهمة بين القوات أثناء المعركة لتضليل معترضي تلك الرسائل، وأنشأت الحكومة المصرية محطة إذاعية تذيع باللغة العبرية وتعمل على مدى 12 ساعة يوميًا، وكانت هذه المحطة موجهة إلى إسرائيل، وتذيع موسيقى غربية خفيفة تتخللها نشرات إخبارية وتعليقات تدعو للسلام.
وكانت خطة الهجوم تتضمن عملية خداع موسعة للعدو، حتى لا يكتشف مبكرًا اتجاه الهجوم الرئيسي، فقد تم الهجوم على طول الجبهة وفي أعماق سيناء وعبر بحيرة التمساح، وذلك بهدف إرباك العدو وخداعه، بالإضافة إلى استمرار الأعمال اليومية الاعتيادية على طول الجبهة، وتفادي الإقدام على إجراء يمكن أن يدل على تغيير سير الحياة الطبيعية، وصدرت أوامر لمجموعة من الجنود، في أيديهم أعواد القصب ويأكلون البرتقال، وهم في مواجهة العدو في حالة تراخٍ وخمول، بهدف التمويه، كما صدرت الأوامر بعدم نفخ قوارب المطاط المعدة للعبور قبل بدء الضربة الجوية، لأن التجارب أثبتت أن صوت الجنود وهم ينفخون الهواء بالفم في هذه القوارب يمكن أن يُسمع على مسافة 800 متر.
كما أنشأ الجيش المصري على الضفة الغربية للقناة ساترًا ترابيًا في مواجهة مناطق تمركز قوات العدو لإخفاء التحركات العسكرية، وكذلك أنشأ عددًا من السواتر في العمق بزوايا ميل مختلفة للغرض نفسه، وقد حققت هذه السواتر أهدافها، إذ جعلت العدو يقتنع بأن الجيش المصري قد لجأ إلى استراتيجية دفاعية في حماية هذه السواتر، كما ساعدت على إخفاء تحركات القوات المدرعة المصرية نحو شاطئ القناة لتأخذ أوضاع الهجوم عندما بدأت الحرب.
وقام فرع التخطيط بهيئة العمليات بالقوات المصرية بدراسة كل خطط الخداع التي تمت في معارك سابقة، وتم تكليف مجموعة من الضباط بالتخطيط لعملية الخداع التي تضمنت عدة محاور، كان من أهمها الخداع الاقتصادي بإظهار ضعف مصر اقتصاديًا وعدم قدرتها على الهجوم، وإظهار حرصها على أن حل الأزمة يجب أن يكون سلميًا، والخداع السياسي، وتم بإظهار قبول حالة اللاسلم واللاحرب والإعلان عن عدم الحسم أكثر من مرة، ثم الخداع الاستراتيجي والتعبوي الإعلامي.
مقاربة المستقبل
كل هذه الشواهد السابقة من استخدامات الحرب الذكية، وفي الوقت الراهن فإن مصر تعمدت نشر خطة تطوير الجيش المصري في الذكرى الـ50 لحرب أكتوبر على الملأ، بهدف نقل رسالة ردع للجانب الإسرائيلي، ولتأكيد ما تقوم به مصر، كما قامت القوات المسلحة بإعداد الاصطفاف الذي أشار إليه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في مجمل مداخلاته للتأكيد على الردع، وقد تم ذلك الأمر من خلال نشر الفرقة السادسة والفرقة الرابعة في أطر محددة، كما قامت مصر يوم افتتاح القيادة الاستراتيجية بالتأكيد على قدراتها العسكرية وبصورة معلنة، الأمر الذي نقل رسالة إلى الأطراف الإقليمية والدولية بقدرة مصر على الردع والتعامل الاستباقي والمباشر مع كل هذه التهديدات والمخاطر التي تحدق بالإقليم ومصر في القلب منها، كما قام رئيس الأركان الفريق أحمد خليفة بزيارة إلى ممر صلاح الدين أثناء حرب غزة لتأكيد قدرة مصر على ردع إسرائيل في إطار من الرسائل الكبرى التي حددتها مصر وعبرت عنها تصريحات كبار القادة في القوات المسلحة وخارجها، ما يؤكد على أن مصر تدير مواجهتها من خلال أدوات ذكية ومباشرة وقوية ومحددة، ما قد يردع الجانب الآخر.
وفي ذكرى حرب أكتوبر 2026، فإن مصر تتقدم لتفعيل استخداماتها في إطار الحرب الذكية، والعمل على توظيف ما لديها من قدرات مهمة ومتراكمة في هذا المستوى من التحديات والمخاطر التي تواجه الإقليم بأكمله، وتواجهه مصر بكثير من الخطوات المهمة، سواء بالاستمرار في تحديث القدرات المصرية العسكرية أو بالمزيد من الإجراءات والتدابير الاستراتيجية التي تعمل عليها الدولة المصرية، خاصة وأن أدوات المواجهة تتغير في إطار ما يجري من تغير في المسار العام لما يجري، ولعل ذكرى حرب أكتوبر ملهمة لكثير من الدروس المستفادة التي تعامل معها الأطراف المعنية، والتي تشير بقوة إلى ما يمكن للدولة المصرية تحقيقه بما تملكه من حسابات القوة الشاملة، والتي تعمل دائمًا لصالح مصر، بصرف النظر عن سلوك وتوجه الأطراف المناوئة التي تعمل على توسيع نطاق المواجهة، بل والمساس بأمن المنطقة، ومن خلال الإفراط في استخدام القوة العسكرية في مواجهة ما يجري من تحولات في بيئة النظام الإقليمي وتأثيره على سلوك الأطراف المعنية في الشرق الأوسط بأكمله.
من حرب 1973 إلى اليوم 2026، تطور مصر كل أدواتها السياسية والعسكرية للتأكيد على مواجهتها العسكرية وتنمية قدراتها بما يحقق مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة ومعادية، وفي ظل مصالح متداخلة مع الأطراف الأخرى في الإقليم، ولتبقى ذكرى حرب أكتوبر ملهمة لكثير من القطاعات في الجمهورية المصرية الجديدة بكل محدداتها ومرتكزاتها...