نحتفل في 10 أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للصحة النفسية، بهدف زيادة الوعي بأهمية الصحة النفسية وتأثيرها على جودة الحياة والعلاقات الإنسانية، وتعد الخلافات الزوجية المتكررة، خاصة عندما لا تدار بطريقة صحية، من العوامل التي قد تؤثر على الاستقرار النفسي للمرأة، وتنعكس على نومها وثقتها بنفسها وقدرتها على الاستمتاع بالأنشطة اليومية.
ومن منطلق تلك المناسبة، نستعرض في السطور التالية أبرز التأثيرات النفسية والجسدية للخلافات الزوجية المتراكمة، والعلامات التي ينبغي الانتباه إليها، إلى جانب أهمية التعامل مع المشكلات وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
ومن جهتها، قالت الدكتورة نورا رؤوف، أخصائية الصحة النفسية والإرشاد الأسري، في تصريح خاص لبوابة «دار الهلال»، إن الخلافات الزوجية التي لا تدار بطريقة صحية، أو لا تصل إلى حلول واضحة، قد تجعل المرأة في حالة مستمرة من التوتر والترقب، وكأنها تستعد دائما لخلاف جديد، وهو ما يؤثر على شعورها بالأمان والطمأنينة داخل العلاقة الزوجية، استمرار هذه الحالة قد يجعل الجسم في حالة استنفار دائمة، حيث تظل الزوجة منشغلة بالتفكير فيما قد يحدث، وكيف سيتصرف الطرف الآخر، وما إذا كان الخلاف سيتكرر، الأمر الذي يزيد مستويات القلق والتوتر ويؤثر على قدرتها على الشعور بالاستقرار.

وأضافت أن اضطرابات النوم من أبرز التأثيرات التي قد تنتج عن هذه الحالة، فقد تجد المرأة صعوبة في النوم، أو تستيقظ عدة مرات خلال الليل، أو تعاني من عدم انتظام مواعيد نومها، نتيجة التفكير المتكرر في الخلافات والمواقف السابقة، واسترجاع الكلمات والتصرفات التي حدثت، والانشغال بما كان ينبغي أن تقوله أو تفعله، وعدم الحصول على قسط كاف من النوم، بالتزامن مع استمرار التوتر، قد يجعلها أكثر عصبية وانفعالا، ويزيد حساسيتها تجاه المواقف اليومية، فتصبح أكثر غضبا أو انزعاجا من أمور قد لا تستدعي هذه الدرجة من الانفعال في الظروف الطبيعية.
ولفتت أخصائية الصحة النفسية، إلى أن استمرار القلق والتوتر قد يرتبط أيضا بظهور أعراض جسدية، إذ يبدأ الجسم في التعبير عن الضغوط التي يتعرض لها، وقد تشمل هذه الأعراض الصداع، وتسارع ضربات القلب، وتشنجات العضلات وآلام الرقبة والظهر، إلى جانب اضطرابات القولون، كما قد تتأثر بعض المؤشرات الصحية، مثل ضغط الدم، وفقا للحالة الصحية لكل شخص، ومدى استمرار الضغوط والعوامل المصاحبة لها.
وأكدت أن تأثير الخلافات الزوجية لا يقتصر على الحالة النفسية والجسدية، بل قد يمتد إلى نظرة المرأة لنفسها وتقديرها لذاتها، خاصة عندما تتكرر الخلافات دون الوصول إلى حلول، أو تتحول المناقشات إلى تبادل للاتهامات والتقليل من المشاعر والقدرات، والمرأة قد تبدأ في التشكيك في أحكامها وتصرفاتها، وتتساءل باستمرار عما إذا كانت مخطئة أو تبالغ في ردود أفعالها، وقد تتأثر ثقتها بنفسها نتيجة سماع عبارات تقلل من مشاعرها، مثل اتهامها بالمبالغة أو النكد، أو تبرير التصرفات المؤذية باعتبارها مجرد مزاح.
وأضافت أن العلاقة الزوجية الصحية يفترض أن توفر الدعم والتشجيع، وأن تساعد الطرفين على الشعور بالتقدير والاحترام، بينما قد تؤدي الخلافات المتكررة التي لا تدار بصورة سليمة إلى إضعاف ثقة المرأة بنفسها والتأثير سلبا على صورتها الذاتية.
وأشارت إلى أن استمرار الضغوط النفسية قد يجعل المرأة تفقد تدريجيا قدرتها على الاستمتاع بالأشياء التي كانت تمنحها السعادة، فقد تخرج مع صديقاتها دون أن تشعر بالراحة المعتادة، أو تفقد اهتمامها بمشاهدة فيلم تحبه أو ممارسة أنشطة كانت تستمتع بها في السابق، كما أن تراكم المشاعر السلبية والانشغال المستمر بالمشكلات قد يطغيان على التجارب الإيجابية، فتجد صعوبة في الاستمتاع بوقتها أو استعادة شعورها بالراحة، حتى في المواقف التي كانت تمنحها السعادة من قبل.
كما أن وصول الخلافات إلى مرحلة الصمت المستمر أو الانسحاب من الحوار قد يكون مؤشرا يستحق الانتباه، خاصة عندما تتوقف المرأة عن التعبير عن مشاعرها أو مناقشة المشكلات، نتيجة شعورها بالإرهاق أو عدم جدوى الحديث، وتراكم المشادات دون معالجتها قد يدفع أحد الطرفين إلى تجنب النقاش تماما، بدلا من محاولة الوصول إلى حلول، وهو ما يجعل المشكلات قائمة دون معالجة، ويزيد المسافة النفسية بين الزوجين.
وشددت الدكتورة نورا رؤوف على أهمية التعامل مع الخلافات الزوجية بصورة صحية، وعدم ترك المشكلات تتراكم دون مناقشة، مع محاولة تحديد أسباب الخلاف والاستماع إلى وجهة نظر كل طرف، والتعبير عن المشاعر والاحتياجات بطريقة واضحة تحافظ على الاحترام المتبادل، عندما يعجز الزوجان عن حل خلافاتهما بمفردهما، أو تصبح المشكلات متكررة وتؤثر على حياتهما اليومية واستقرارهما النفسي، فمن المهم الاستعانة بمتخصص في الصحة النفسية أو الإرشاد الأسري للمساعدة على فهم أسباب الخلافات وتعلم أساليب أكثر فاعلية لإدارتها، حيث أن طلب المساعدة المتخصصة يمكن أن يساعد الزوجين على مناقشة المشكلات بصورة منظمة، وفهم تأثيرها على كل طرف، والعمل على إيجاد حلول مناسبة، بشرط وجود رغبة حقيقية في التعامل مع الخلافات وتحسين العلاقة.