الأربعاء 14 اكتوبر 2026

مقالات

لماذا‭ ‬سيناء‭ ‬أرض‭ ‬يحبها‭ ‬المصريون‭؟‬

  • 10-10-2026 | 14:47
طباعة

يبدو‭ ‬السؤال‭ ‬عنوان‭ ‬المقال‭ ‬بسيطًا‭, ‬وقد‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أنه‭ ‬نتيجة‭ ‬حب‭ ‬المصريين‭ ‬لتلك‭ ‬الأرض‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬البشر‭, ‬وهذا‭ ‬حقيقة‭; ‬فمع‭ ‬المشتركات‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬سيناء‭ ‬تلك‭ ‬المكانة‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬العالمين‭, ‬نجد‭ ‬جزءًا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬خاصًّا‭ ‬بمصر‭ ‬وبالمصريين‭ ‬يُضاف‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬القلوب‭.‬

ولنبدأ‭ ‬بخصوصية‭ ‬كلام‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتجلَّ‭ ‬ولم‭ ‬يكلم‭ ‬أحدًا‭ ‬إلا‭ ‬سيدنا‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬جبل‭ ‬الطور‭ ‬بالوادي‭ ‬المقدس‭ ‬طوى،‭ ‬والذي‭ ‬أمر‭ ‬فيه‭ ‬المولى‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬بخلع‭ ‬نعليه،‭ ‬ولتأكيد‭ ‬الحديث‭ ‬نجد‭ ‬ختام‭ ‬الآية‭ ‬164‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬النساء‭: "‬وَكَلَّمَ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬مُوسَى‭ ‬تَكْلِيمًا‭"‬،‭ ‬وفي‭ ‬لقاء‭ ‬سيدنا‭ ‬موسى‭ ‬مع‭ ‬العبد‭ ‬الصالح‭ "‬سيدنا‭ ‬الخضر‭" ‬عند‭ ‬مجمع‭ ‬البحرين،‭ ‬وقد‭ ‬اجتهد‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬موضع‭ ‬مجمع‭ ‬البحرين،‭ ‬فربطوه‭ ‬بمنطقة‭ ‬جنوب‭ ‬سيناء،‭ ‬وإن‭ ‬ظل‭ ‬تحديد‭ ‬الموقع‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬القطع‭ ‬محل‭ ‬خلاف،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬يشار‭ ‬إليها‭ ‬غالبًا‭ ‬بالتقاء‭ ‬خليجي‭ ‬السويس‭ ‬والعقبة،‭ ‬أي‭ ‬المنطقة‭ ‬المعروفة‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬برأس‭ ‬محمد،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬الأخرى‭ ‬الأقل‭ ‬وجاهة‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬بحر‭ ‬طنجة‭ ‬بالمغرب‭.‬

ولذلك‭ ‬تعمل‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬حاليًا‭ ‬على‭ ‬استكمال‭ ‬مشروع‭ ‬التجلي‭ ‬الأعظم،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬تطويري‭ ‬بحت،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إحياء‭ ‬المكانة‭ ‬الروحانية‭ ‬والدينية‭ ‬لمدينة‭ ‬سانت‭ ‬كاترين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬تخطيط‭ ‬المدينة‭ ‬بالكامل‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬كمحمية‭ ‬طبيعية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬جبلي‭ ‬موسى‭ ‬وسانت‭ ‬كاترين‭.‬

ثم‭ ‬نأتي‭ ‬إلى‭ ‬الآية‭ ‬26‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬المائدة‭: "‬قَالَ‭ ‬فَإِنَّهَا‭ ‬مُحَرَّمَةٌ‭ ‬عَلَيْهِمْ‭ ‬ۛ‭ ‬أَرْبَعِينَ‭ ‬سَنَةً‭ ‬ۛ‭ ‬يَتِيهُونَ‭ ‬فِي‭ ‬الْأَرْضِ‭ ‬ۚ فَلَا‭ ‬تَأْسَ‭ ‬عَلَى‭ ‬الْقَوْمِ‭ ‬الْفَاسِقِينَ‭"‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬يسيروا‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬سيناء‭ ‬مدة‭ ‬40‭ ‬سنة،‭ ‬تائهين‭ ‬في‭ ‬شعابها‭ ‬ووديانها‭ ‬وتلالها‭ ‬وكثبانها،‭ ‬محتارين‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يسيرون،‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬سينتهي‭ ‬سيرهم‭. ‬وفي‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬يموت‭ ‬كل‭ ‬الكبار،‭ ‬حتى‭ ‬سيدنا‭ ‬موسى‭ ‬ومن‭ ‬قبله‭ ‬أخوه‭ ‬هارون،‭ ‬ثم‭ ‬يستكمل‭ ‬المسيرة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ "‬يوشع‭ ‬بن‭ ‬نون‭" ‬عليه‭ ‬السلام‭.‬

رحلة‭ ‬العائلة‭ ‬المقدسة‭ ‬مرت‭ ‬من‭ ‬سيناء،‭ ‬البداية‭ ‬من‭ ‬رفح‭ ‬إلى‭ ‬العريش‭ ‬إلى‭ ‬الفرما‭ ‬–‭ ‬حدود‭ ‬بورسعيد‭ ‬–‭ ‬ثم‭ ‬تل‭ ‬بسطا‭ ‬بالزقازيق،‭ ‬وتتوالى‭ ‬المدن‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬دير‭ ‬درنكة‭ ‬بأسيوط،‭ ‬تلك‭ ‬الرحلة‭ ‬الممتلئة‭ ‬بالمعجزات‭ ‬المتعددة‭ ‬التي‭ ‬تزخر‭ ‬بها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنابر‭ ‬التي‭ ‬تروي‭ ‬القصة،‭ ‬وهذا‭ ‬الشرف‭ ‬العظيم‭ ‬عملت‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬على‭ ‬تخليده‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشروع‭ ‬إحياء‭ ‬مسار‭ ‬رحلة‭ ‬العائلة‭ ‬المقدسة،‭ ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬قومي،‭ ‬سياحي،‭ ‬وتراثي‭ ‬ضخم،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬وتجهيز‭ ‬المزارات‭ ‬والمواقع‭ ‬التاريخية‭ ‬والأثرية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬العائلة‭ ‬المقدسة‭ ‬أثناء‭ ‬رحلة‭ ‬لجوئهم‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭.‬

الجانب‭ ‬الديني‭ ‬المقدس‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬روحانية‭ ‬وأهمية‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المصريين‭ ‬بسيناء،‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬أرضها‭ ‬تتلمس‭ ‬خطوات‭ ‬سيدنا‭ ‬موسى‭ ‬وسيدنا‭ ‬هارون‭ ‬ومريم‭ ‬العذراء‭ ‬والسيد‭ ‬المسيح‭ ‬ويوسف‭ ‬النجار،‭ ‬وعندما‭ ‬يتذكر‭ ‬المصريون‭ ‬تلك‭ ‬الشخصيات‭ ‬الطاهرة‭ ‬المقدسة‭ ‬التي‭ ‬قاست‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬والدعوة‭ ‬إليه،‭ ‬يكفي‭ ‬نظرة‭ ‬سريعة‭ ‬إلى‭ ‬الصحراء‭ ‬الممتدة‭ ‬وإلى‭ ‬الجبال‭ ‬التي‭ ‬يزيد‭ ‬ارتفاعها‭ ‬عن‭ ‬2‭ ‬كيلومتر،‭ ‬وأعلاها‭ ‬قمة‭ ‬جبل‭ ‬سانت‭ ‬كاترين‭ ‬بارتفاع‭ ‬2629‭ ‬مترًا،‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬أعلى‭ ‬قمة‭ ‬جبل‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬تكفي‭ ‬النظرة‭ ‬السريعة‭ ‬لنعرف‭ ‬حجم‭ ‬الاختبار‭ ‬الإلهي‭ ‬وحجم‭ ‬الجلد‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬الإيمان‭ ‬والاستجابة‭ ‬لأوامر‭ ‬الرب‭.‬

قصة‭ ‬القديسة‭ ‬كاترين‭ ‬والدير‭ ‬المقام‭ ‬على‭ ‬اسمها،‭ ‬وكذا‭ ‬أيضًا‭ ‬قبر‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬هارون،‭ ‬وهو‭ ‬قبر‭ ‬رمزي‭ ‬غير‭ ‬حقيقي،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬أين‭ ‬دُفن‭ ‬سيدنا‭ ‬موسى‭ ‬أو‭ ‬أخوه‭ ‬هارون،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الإشارات‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬ضريحه‭ ‬بالبتراء‭ ‬بالأردن‭. ‬يوجد‭ ‬بسيناء‭ ‬أيضًا‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأضرحة‭ ‬الموجودة‭ ‬بالجبال‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬أولياء‭ ‬الله‭ ‬الصالحين،‭ ‬منتشرة‭ ‬بنفس‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬بجبل‭ ‬المقطم‭ ‬وسفحه‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬ومن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأولياء،‭ ‬الشيخ‭ ‬زويد،‭ ‬والشيخ‭ ‬كيلاني،‭ ‬والشيخ‭ ‬حميد‭ ‬أبو‭ ‬جرير،‭ ‬والشيخ‭ ‬سليم‭ ‬أبو‭ ‬جرير،‭ ‬والشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬أبو‭ ‬خضرة‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬نجد‭ ‬لسيناء‭ ‬أهمية‭ ‬أخرى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي،‭ ‬فمنذ‭ ‬فجر‭ ‬التاريخ‭ ‬وهي‭ ‬البوابة‭ ‬الشرقية،‭ ‬حيث‭ ‬تُشير‭ ‬التقديرات‭ ‬والدراسات‭ ‬التاريخية‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬85بالمائة‭ ‬إلى‭ ‬90بالمائة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الهجمات‭ ‬والغزوات‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬مصر‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬الطويل‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬الشرق،‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬تنوعت‭ ‬أغراضها‭ ‬بين‭ ‬التوسع‭ ‬الطبيعي‭ ‬للإمبراطوريات‭ ‬المختلفة،‭ ‬أو‭ ‬طمعًا‭ ‬في‭ ‬قطع‭ ‬سبل‭ ‬الاتصال‭ ‬أمام‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬أزلي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي،‭ ‬أو‭ ‬طمعًا‭ ‬في‭ ‬ثرواتها‭ ‬الطبيعية‭ ‬والإمكانيات‭ ‬البشرية‭ ‬وإنتاجها‭ ‬الزراعي‭ ‬وخلافه،‭ ‬ولذلك‭ ‬نجد‭ ‬أننا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نرصد‭ ‬26‭ ‬احتلالًا‭ ‬وتواجدًا،‭ ‬أولهم‭ ‬الهكسوس،‭ ‬وهي‭ ‬قبائل‭ ‬رعوية‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬الشام‭ ‬–‭ ‬سوريا‭ ‬وفلسطين‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬عام‭ ‬1650‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬وقد‭ ‬سبقهم‭ ‬الكنعانيون‭ ‬في‭ ‬القدوم‭ ‬إلى‭ ‬مصر،‭ ‬لذلك‭ ‬فنجد‭ ‬أن‭ ‬21‭ ‬احتلالًا‭ ‬وتواجدًا‭ ‬منهم‭ ‬جاءوا‭ ‬من‭ ‬الشرق،‭ ‬فيما‭ ‬أتى‭ ‬ثلاثة‭ ‬احتلالات‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ (‬فاطمي‭/‬فرنسي‭/‬إنجليزي‭)‬،‭ ‬واحتلال‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ (‬ليبيا‭)‬،‭ ‬واحتلال‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الجنوب،‭ ‬أما‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬الهكسوس‭ ‬فتوالى‭ ‬الأمر‭ ‬تباعًا،‭ ‬حيث‭ ‬أتى‭ ‬الليبيون‭ ‬ثم‭ ‬الإثيوبيون‭ ‬ثم‭ ‬الآشوريون‭ ‬ثم‭ ‬الفارسيون‭ ‬ثم‭ ‬اليونانيون‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬30‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬ثم‭ ‬عاود‭ ‬الرومان‭ ‬احتلال‭ ‬البلاد‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬640‭ ‬ميلادية،‭ ‬تخللها‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬احتلها‭ ‬الفرس،‭ ‬ثم‭ ‬الفتح‭ ‬العربي‭ ‬بفتراته‭ ‬المختلفة‭ ‬من‭ ‬الخلفاء‭ ‬الراشدين‭ ‬ثم‭ ‬الأمويين‭ ‬ثم‭ ‬العباسيين‭ ‬ثم‭ ‬الدولة‭ ‬الطولونية‭ ‬ثم‭ ‬حكم‭ ‬عباسي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬ثم‭ ‬الدولة‭ ‬الإخشيدية‭ ‬ثم‭ ‬الفاطمية‭ ‬ثم‭ ‬الأيوبية‭ ‬ثم‭ ‬المماليك‭ ‬ثم‭ ‬العثمانيون‭ ‬ثم‭ ‬المماليك‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬ثم‭ ‬الفرنسيون‭ ‬ثم‭ ‬العثمانيون‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬قصيرة‭ ‬لمدة‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الأسرة‭ ‬العلوية‭ ‬التي‭ ‬تداخلت‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإنجليزي‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬الاستقلال‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬والانتهاء‭ ‬باتفاقية‭ ‬الجلاء‭ ‬عام‭ ‬1954،‭ ‬أما‭ ‬عن‭ ‬الاحتلال‭ ‬الجزئي‭ ‬فلعل‭ ‬أشهره‭ ‬الاحتلال‭ ‬الكامل‭ ‬لشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬لمدة‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ ‬حتى‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬1973‭ ‬المجيدة‭.‬

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬سيناء‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬ممرًّا‭ ‬مقدسًا‭ ‬أو‭ ‬معبرًا‭ ‬للهجرات‭ ‬أو‭ ‬الهجمات‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬لها‭ ‬قيمة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بدايةً‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬6بالمائة‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬مصر‭ ‬بطول‭ ‬سواحل‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬700‭ ‬كيلومتر،‭ ‬يمثل‭ ‬29‭.‬1بالمائة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬طول‭ ‬الشواطئ‭ ‬المصرية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬المتوافرة‭ ‬بها،‭ ‬وهنا‭ ‬نجد‭ ‬كتابًا‭ ‬رائعًا‭ ‬للدكتور‭ ‬المؤرخ‭ ‬جمال‭ ‬حمدان‭ ‬عنوانه‭ "‬سيناء‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والسياسة‭ ‬والجغرافية‭"‬،‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭ ‬ويؤكد‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يتوهم‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬سيناء‭ ‬صندوق‭ ‬من‭ ‬الرمال،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬صندوق‭ ‬من‭ ‬الذهب،‭ ‬من‭ ‬يتحكم‭ ‬فيها‭ ‬سيتحكم‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬كله‭.‬

يبدأ‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬الأول‭ ‬الخاص‭ ‬بالاستراتيجية،‭ ‬فيقول‭ ‬إن‭ ‬المعبر‭ ‬والجسر‭ ‬والبوابة‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬خلالها‭ ‬الجيوش‭ ‬مئات‭ ‬أو‭ ‬آلاف‭ ‬المرات‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬التاريخ،‭ ‬ويستشهد‭ ‬بتحتمس‭ ‬الثالث‭ ‬وحده،‭ ‬الذي‭ ‬عبرها‭ ‬جيئةً‭ ‬وإيابًا‭ ‬حوالي‭ ‬17‭ ‬مرة،‭ ‬ولأن‭ ‬مصر‭ ‬هي‭ ‬صاحبة‭ ‬أكبر‭ ‬سجل‭ ‬تاريخي‭ -‬بحسب‭ ‬تعبيره،‭ ‬فإن‭ ‬سيناء‭ ‬تحوي‭ ‬أطول‭ ‬سجل‭ ‬عسكري‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬كله‭. ‬يولِي‭ ‬أهمية‭ ‬كبرى‭ ‬لشرم‭ ‬الشيخ،‭ ‬والتي‭ ‬يصفها‭ ‬بأنها‭ ‬المفتاح‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لكل‭ ‬مثلث‭ ‬الجنوب،‭ ‬ولا‭ ‬عجب‭ ‬أن‭ ‬تسمى‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بمدينة‭ ‬السلام،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬السلام‭ ‬ونبذ‭ ‬الحروب،‭ ‬ويختتم‭ ‬هذه‭ ‬الجزئية‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬المعادلات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬يهدد‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬سيناء‭ ‬الأول،‭ ‬ومن‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬سيناء‭ ‬الأوسط‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬سيناء،‭ ‬ومن‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬سيناء‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬مصر‭ ‬الأخير،‭ ‬ومن‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬مصر‭ ‬الأخير‭ ‬يهدد‭ ‬الوادي‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬الجغرافية،‭ ‬فيستعرض‭ ‬الدكتور‭ ‬جمال‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأرقام‭ ‬والإحصاءات‭ ‬والمناظير‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬وباقي‭ ‬الصحارى‭ ‬المصرية،‭ ‬فيصفها‭ ‬بأنها‭ ‬أقل‭ ‬الصحارى‭ ‬عزلة،‭ ‬وأقل‭ ‬الأراضي‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬السواحل‭ ‬إلى‭ ‬اليابسة‭ -‬كم‭ ‬واحد‭ ‬لكل‭ ‬87‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬اليابسة،‭ ‬مقابل‭ ‬نسبة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬417‭ ‬كيلومترًا‭ ‬من‭ ‬اليابسة‭ ‬لكل‭ ‬كيلومتر‭ ‬من‭ ‬السواحل‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭-‬،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الكتاب،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬صغر‭ ‬حجمه،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يزخر‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬ومن‭ ‬التقسيمات‭ ‬والإيضاحات،‭ ‬وكذا‭ ‬أيضًا‭ ‬الفرص‭ ‬المستقبلية‭ ‬للتعمير‭ ‬والاستفادة‭ ‬القصوى‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬الموارد‭.‬

العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والوثائقيات‭ ‬الأخرى‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬التراث‭ ‬السيناوي‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬والأزياء‭ ‬والصناعات‭ ‬التراثية‭ ‬والفنون‭ ‬السيناوية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تنتشر‭ ‬بعد‭ ‬عودة‭ ‬سيناء‭ ‬إلى‭ ‬أحضان‭ ‬الوطن‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬73،‭ ‬وما‭ ‬تلاها‭ ‬من‭ ‬جهود‭ ‬دبلوماسية‭ ‬كللت‭ ‬بالنجاح‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬1982،‭ ‬وبالتمام‭ ‬بعد‭ ‬عودة‭ ‬طابا‭ ‬إلى‭ ‬السيادة‭ ‬المصرية‭ ‬بعد‭ ‬التحكيم‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1989‭.‬

ولا‭ ‬ينسى‭ ‬المصريون‭ ‬كلمات‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬منصور‭ ‬ولحن‭ ‬بليغ‭ ‬حمدي‭ ‬وغناء‭ ‬المجموعة‭ ‬لأغنية‭ "‬بسم‭ ‬الله‭ ‬الله‭ ‬أكبر‭" ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬أثناء‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬المجيدة،‭ ‬ويتزايد‭ ‬الشوق‭ ‬إلى‭ ‬سيناء‭ ‬والفخر‭ ‬بالنصر‭ ‬عندما‭ ‬تشدو‭ ‬المجموعة‭ ‬قائلة‭:‬

سينا‭ ‬يا‭ ‬سينا‭ .. ‬بسم‭ ‬الله‭ ‬بسم‭ ‬الله

أدينا‭ ‬عدينا‭ .. ‬بسم‭ ‬الله‭ ‬بسم‭ ‬الله

ما‭ ‬قدروا‭ ‬علينا‭ .. ‬بسم‭ ‬الله‭ ‬بسم‭ ‬الله

جنود‭ ‬أعادينا‭ .. ‬بسم‭ ‬الله‭ ‬بسم‭ ‬الله

اللهُ‭ ‬أكبر‭ ‬أذِّن‭ ‬وكبَّر

وقول‭ ‬يا‭ ‬رب‭ ‬النصرة‭ ‬تكبر‭".‬.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة