يبدو السؤال عنوان المقال بسيطًا, وقد يبدو للوهلة الأولى أنه نتيجة حب المصريين لتلك الأرض أكثر من غيرهم من البشر, وهذا حقيقة; فمع المشتركات الكثيرة التي تعطي سيناء تلك المكانة في قلوب العالمين, نجد جزءًا إضافيًّا خاصًّا بمصر وبالمصريين يُضاف إليها في القلوب.
ولنبدأ بخصوصية كلام الله عز وجل الذي لم يتجلَّ ولم يكلم أحدًا إلا سيدنا موسى عليه السلام من فوق جبل الطور بالوادي المقدس طوى، والذي أمر فيه المولى عز وجل بخلع نعليه، ولتأكيد الحديث نجد ختام الآية 164 من سورة النساء: "وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا"، وفي لقاء سيدنا موسى مع العبد الصالح "سيدنا الخضر" عند مجمع البحرين، وقد اجتهد بعض الباحثين في تحديد موضع مجمع البحرين، فربطوه بمنطقة جنوب سيناء، وإن ظل تحديد الموقع على وجه القطع محل خلاف، وهي التي يشار إليها غالبًا بالتقاء خليجي السويس والعقبة، أي المنطقة المعروفة هذه الأيام برأس محمد، بالرغم من بعض التقديرات الأخرى الأقل وجاهة التي تشير إلى أنه بحر طنجة بالمغرب.
ولذلك تعمل الدولة المصرية حاليًا على استكمال مشروع التجلي الأعظم، وهو عبارة عن مشروع تطويري بحت، يهدف إلى إحياء المكانة الروحانية والدينية لمدينة سانت كاترين من خلال إعادة تخطيط المدينة بالكامل والحفاظ عليها كمحمية طبيعية، وذلك في المحيط القائم بين جبلي موسى وسانت كاترين.
ثم نأتي إلى الآية 26 من سورة المائدة: "قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ"، أي أن يسيروا في أرض سيناء مدة 40 سنة، تائهين في شعابها ووديانها وتلالها وكثبانها، محتارين لا يعرفون إلى أين يسيرون، وإلى أين سينتهي سيرهم. وفي خلال تلك الفترة يموت كل الكبار، حتى سيدنا موسى ومن قبله أخوه هارون، ثم يستكمل المسيرة بعد ذلك "يوشع بن نون" عليه السلام.
رحلة العائلة المقدسة مرت من سيناء، البداية من رفح إلى العريش إلى الفرما – حدود بورسعيد – ثم تل بسطا بالزقازيق، وتتوالى المدن وصولًا إلى دير درنكة بأسيوط، تلك الرحلة الممتلئة بالمعجزات المتعددة التي تزخر بها العديد من المنابر التي تروي القصة، وهذا الشرف العظيم عملت الدولة المصرية على تخليده من خلال مشروع إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة، وهو مشروع قومي، سياحي، وتراثي ضخم، يهدف إلى تطوير وتجهيز المزارات والمواقع التاريخية والأثرية التي مرت بها العائلة المقدسة أثناء رحلة لجوئهم إلى مصر.
الجانب الديني المقدس هو الأكثر روحانية وأهمية في علاقة المصريين بسيناء، يكفي أن تسير في أرضها تتلمس خطوات سيدنا موسى وسيدنا هارون ومريم العذراء والسيد المسيح ويوسف النجار، وعندما يتذكر المصريون تلك الشخصيات الطاهرة المقدسة التي قاست في سبيل الله والدعوة إليه، يكفي نظرة سريعة إلى الصحراء الممتدة وإلى الجبال التي يزيد ارتفاعها عن 2 كيلومتر، وأعلاها قمة جبل سانت كاترين بارتفاع 2629 مترًا، والتي تعتبر أعلى قمة جبل في مصر، تكفي النظرة السريعة لنعرف حجم الاختبار الإلهي وحجم الجلد والإصرار على الإيمان والاستجابة لأوامر الرب.
قصة القديسة كاترين والدير المقام على اسمها، وكذا أيضًا قبر نبي الله هارون، وهو قبر رمزي غير حقيقي، فلا أحد يعرف أين دُفن سيدنا موسى أو أخوه هارون، بالرغم من بعض الإشارات إلى أنه ضريحه بالبتراء بالأردن. يوجد بسيناء أيضًا العديد من الأضرحة الموجودة بالجبال لعدد من أولياء الله الصالحين، منتشرة بنفس الأسلوب الذي نراه بجبل المقطم وسفحه في القاهرة، ومن هؤلاء الأولياء، الشيخ زويد، والشيخ كيلاني، والشيخ حميد أبو جرير، والشيخ سليم أبو جرير، والشيخ سليمان أبو خضرة.
ومع كل هذا نجد لسيناء أهمية أخرى مرتبطة بالأمن القومي، فمنذ فجر التاريخ وهي البوابة الشرقية، حيث تُشير التقديرات والدراسات التاريخية العسكرية إلى أن ما يقرب من 85بالمائة إلى 90بالمائة من إجمالي الهجمات والغزوات الخارجية التي تعرضت لها مصر عبر تاريخها الطويل جاءت من الشرق، هذه الهجمات تنوعت أغراضها بين التوسع الطبيعي للإمبراطوريات المختلفة، أو طمعًا في قطع سبل الاتصال أمام إمبراطوريات أخرى في صراع أزلي لا ينتهي، أو طمعًا في ثرواتها الطبيعية والإمكانيات البشرية وإنتاجها الزراعي وخلافه، ولذلك نجد أننا يمكن أن نرصد 26 احتلالًا وتواجدًا، أولهم الهكسوس، وهي قبائل رعوية من مناطق الشام – سوريا وفلسطين – في حدود عام 1650 قبل الميلاد، وقد سبقهم الكنعانيون في القدوم إلى مصر، لذلك فنجد أن 21 احتلالًا وتواجدًا منهم جاءوا من الشرق، فيما أتى ثلاثة احتلالات فقط من الشمال (فاطمي/فرنسي/إنجليزي)، واحتلال واحد من الغرب (ليبيا)، واحتلال واحد من الجنوب، أما بعد فترة الهكسوس فتوالى الأمر تباعًا، حيث أتى الليبيون ثم الإثيوبيون ثم الآشوريون ثم الفارسيون ثم اليونانيون حتى عام 30 قبل الميلاد، ثم عاود الرومان احتلال البلاد حتى عام 640 ميلادية، تخللها عشر سنوات احتلها الفرس، ثم الفتح العربي بفتراته المختلفة من الخلفاء الراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين ثم الدولة الطولونية ثم حكم عباسي مرة أخرى، ثم الدولة الإخشيدية ثم الفاطمية ثم الأيوبية ثم المماليك ثم العثمانيون ثم المماليك مرة أخرى، ثم الفرنسيون ثم العثمانيون مرة أخرى قصيرة لمدة خمس سنوات، ثم جاءت الأسرة العلوية التي تداخلت مع الاحتلال الإنجليزي وصولًا إلى الاستقلال مرة أخرى عام 1952، والانتهاء باتفاقية الجلاء عام 1954، أما عن الاحتلال الجزئي فلعل أشهره الاحتلال الكامل لشبه جزيرة سيناء في عام 1967 لمدة ست سنوات حتى الانتصار في حرب 1973 المجيدة.
والحقيقة أن سيناء ليست فقط ممرًّا مقدسًا أو معبرًا للهجرات أو الهجمات فقط، وإنما لها قيمة أخرى في حد ذاتها، بدايةً نجد أنها تمثل 6بالمائة من مساحة مصر بطول سواحل يصل إلى 700 كيلومتر، يمثل 29.1بالمائة من إجمالي طول الشواطئ المصرية، بالإضافة إلى الموارد الطبيعية المتوافرة بها، وهنا نجد كتابًا رائعًا للدكتور المؤرخ جمال حمدان عنوانه "سيناء في الاستراتيجية والسياسة والجغرافية"، يقول فيه ويؤكد أنه قد يتوهم البعض أن سيناء صندوق من الرمال، ولكن في الحقيقة هي صندوق من الذهب، من يتحكم فيها سيتحكم في الشرق الأوسط كله.
يبدأ في القسم الأول الخاص بالاستراتيجية، فيقول إن المعبر والجسر والبوابة التي عبرت خلالها الجيوش مئات أو آلاف المرات منذ فجر التاريخ، ويستشهد بتحتمس الثالث وحده، الذي عبرها جيئةً وإيابًا حوالي 17 مرة، ولأن مصر هي صاحبة أكبر سجل تاريخي -بحسب تعبيره، فإن سيناء تحوي أطول سجل عسكري معروف في التاريخ كله. يولِي أهمية كبرى لشرم الشيخ، والتي يصفها بأنها المفتاح الاستراتيجي لكل مثلث الجنوب، ولا عجب أن تسمى فيما بعد بمدينة السلام، في إشارة إلى الرغبة في السلام ونبذ الحروب، ويختتم هذه الجزئية بسلسلة من المعادلات الاستراتيجية، حيث يقول إن من يسيطر على فلسطين يهدد خط دفاع سيناء الأول، ومن يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم في سيناء، ومن يسيطر على سيناء يتحكم في خط دفاع مصر الأخير، ومن يسيطر على خط دفاع مصر الأخير يهدد الوادي.
أما عن الجغرافية، فيستعرض الدكتور جمال في كتابه العديد من الأرقام والإحصاءات والمناظير المقارنة بين شبه جزيرة سيناء وباقي الصحارى المصرية، فيصفها بأنها أقل الصحارى عزلة، وأقل الأراضي المصرية في نسبة السواحل إلى اليابسة -كم واحد لكل 87 كم من اليابسة، مقابل نسبة تصل إلى 417 كيلومترًا من اليابسة لكل كيلومتر من السواحل في باقي أنحاء البلاد-، والحقيقة أن الكتاب، بالرغم من صغر حجمه، إلا أنه يزخر بالكثير من التفاصيل ومن التقسيمات والإيضاحات، وكذا أيضًا الفرص المستقبلية للتعمير والاستفادة القصوى من كافة الموارد.
العديد من الدراسات والوثائقيات الأخرى تتحدث عن التراث السيناوي والعادات والتقاليد والأزياء والصناعات التراثية والفنون السيناوية التي بدأت تنتشر بعد عودة سيناء إلى أحضان الوطن بعد حرب 73، وما تلاها من جهود دبلوماسية كللت بالنجاح في أبريل 1982، وبالتمام بعد عودة طابا إلى السيادة المصرية بعد التحكيم الدولي في عام 1989.
ولا ينسى المصريون كلمات عبد الرحيم منصور ولحن بليغ حمدي وغناء المجموعة لأغنية "بسم الله الله أكبر" التي انطلقت أثناء حرب أكتوبر المجيدة، ويتزايد الشوق إلى سيناء والفخر بالنصر عندما تشدو المجموعة قائلة:
سينا يا سينا .. بسم الله بسم الله
أدينا عدينا .. بسم الله بسم الله
ما قدروا علينا .. بسم الله بسم الله
جنود أعادينا .. بسم الله بسم الله
اللهُ أكبر أذِّن وكبَّر
وقول يا رب النصرة تكبر"..