لم تعد الصحة النفسية مفهومًا يقتصر على غياب الاضطرابات، بل أصبحت ركيزة أساسية للصحة العامة وجودة الحياة، لما لها من تأثير مباشر في قدرة الإنسان على مواجهة الضغوط، وبناء العلاقات، والعمل، والتفاعل مع المجتمع. ومع تزايد الاهتمام العالمي بهذا الملف، تتجدد الدعوات إلى مواجهة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتعزيز الوعي بأهمية الوقاية والعلاج وتوفير الدعم المناسب.
ويحيي العالم في العاشر من أكتوبر من كل عام اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي أطلقه الاتحاد العالمي للصحة النفسية عام 1992، بهدف رفع مستوى الوعي بقضايا الصحة النفسية وتعزيز الجهود الرامية إلى حمايتها.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية بأنها حالة من العافية النفسية تمكّن الإنسان من التعامل مع ضغوط الحياة، وإدراك قدراته، والتعلّم والعمل والإسهام في مجتمعه. ولا تعني هذه العافية غياب الحزن أو القلق، بل القدرة على التعامل مع المشاعر والتحديات، واستعادة التوازن، وطلب المساعدة عند الحاجة.
أكثر من مليار شخص يواجهون اضطرابات نفسية
كشف تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر عام 2025 أن أكثر من مليار شخص حول العالم يعيشون مع اضطرابات نفسية، استنادًا إلى تقديرات عام 2021، مع تصدّر اضطرابات القلق والاكتئاب قائمة الاضطرابات الأكثر شيوعًا.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحدي الذي تواجهه أنظمة الرعاية الصحية، خصوصًا في ظل تفاوت فرص الحصول على العلاج، ونقص الخدمات المتخصصة في بعض المناطق، واستمرار الوصمة الاجتماعية التي تدفع بعض الأشخاص إلى إخفاء معاناتهم خشية الأحكام المسبقة.
وتؤكد الأبحاث العلمية أن المعاناة النفسية ليست دليلًا على ضعف الشخصية أو نقص الإرادة. فقد أظهرت دراسات في علم الأعصاب تداخلًا جزئيًا بين بعض العمليات الدماغية المرتبطة بالألم الاجتماعي، مثل الرفض والاستبعاد، وتلك المشاركة في معالجة الألم الجسدي. ولا يعني ذلك تطابق النوعين، لكنه يدعم فهم الألم النفسي بوصفه تجربة حقيقية تستحق الرعاية والاهتمام.
العلاقات الإنسانية.. ركيزة للتوازن النفسي
تؤدي العلاقات الاجتماعية الداعمة دورًا مهمًا في تعزيز الصحة النفسية، وهو ما تشير إليه نتائج دراسة هارفارد لتطور البالغين، التي بدأت عام 1938 وتُعد من أطول الدراسات الطولية في العالم. فقد أظهرت نتائجها أهمية العلاقات الإنسانية الجيدة في دعم الرفاه النفسي والصحة مع التقدم في العمر.
لكن العلاقات ليست جميعها مصدرًا للراحة؛ فبعضها قد يتحول إلى مصدر للضغط عندما يتكرر فيه الإيذاء أو التلاعب أو انتهاك الحدود الشخصية. ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين العلاقات التي توفر الدعم والأمان وتلك التي تستنزف الطاقة النفسية.
ولا يعني الحفاظ على السلام الداخلي الانسحاب من كل علاقة صعبة، بل القدرة على الحوار ووضع حدود صحية، والابتعاد عندما يصبح استمرار العلاقة مؤذيًا.
كذلك، قد يتحول الخوف من أحكام الآخرين إلى عبء نفسي، خصوصًا عندما تصبح عبارة «الناس هتقول إيه؟» معيارًا يحكم القرارات الشخصية. ويشير مفهوم «تأثير بقعة الضوء» في علم النفس الاجتماعي إلى ميل الإنسان إلى المبالغة في تقدير مدى ملاحظة الآخرين لتصرفاته وأخطائه.
ويكمن التوازن في احترام الآخرين ومراعاة مشاعرهم، دون التضحية المستمرة بالاحتياجات الشخصية في سبيل إرضاء الجميع.
العافية الروحية والعناية بالذات
تمثل الممارسات الروحية، مثل الصلاة والدعاء والذكر، مصدرًا للسكينة والمعنى لدى كثير من الأشخاص. وقد بحثت دراسات علمية العلاقة بين الممارسات الدينية والروحية وبعض مؤشرات الصحة النفسية، وأشارت نتائج عدد منها إلى فوائد محتملة، تختلف باختلاف الأفراد والظروف.
لكن هذه النتائج لا تعني أن الممارسات الروحية بديل عن العلاج النفسي أو الطبي، بل يمكن أن تكون مصدرًا للدعم يتكامل مع الرعاية المتخصصة عند الحاجة.
وإلى جانب ذلك، تدعم الأدلة العلمية أهمية مجموعة من العادات اليومية، أبرزها النوم الكافي، والنشاط البدني المنتظم، والتواصل الاجتماعي، وممارسة الأنشطة الممتعة.
وتوصي منظمة الصحة العالمية البالغين بممارسة ما بين 150 و300 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني الهوائي متوسط الشدة، أو ما يعادل ذلك من النشاط مرتفع الشدة، لما للنشاط البدني من فوائد صحية، تشمل دعم الصحة النفسية وتخفيف بعض أعراض القلق والاكتئاب.
كما قد تسهم ممارسة الامتنان والتعبير عن المشاعر والتواصل مع أشخاص موثوقين في تعزيز الشعور بالدعم والتوازن، مع اختلاف أثر هذه الممارسات من شخص إلى آخر.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع العناية الذاتية باعتبارها علاجًا كافيًا لجميع الحالات؛ فالاضطرابات النفسية قد تتطلب تدخلًا متخصصًا وفقًا لطبيعة الأعراض وشدتها وتأثيرها في الحياة اليومية.
طلب المساعدة.. وعي لا ضعف
إذا استمر الحزن أو القلق، أو فقد الإنسان اهتمامه بالأنشطة المعتادة، أو تأثر نومه وعمله وعلاقاته بصورة واضحة، فقد يكون من الضروري استشارة طبيب نفسي أو اختصاصي مؤهل في الصحة النفسية.
فطلب المساعدة ليس دليلًا على الضعف، بل خطوة مسؤولة نحو فهم المشكلة والحصول على الرعاية المناسبة، التي قد تشمل العلاج النفسي أو الأدوية أو غيرهما من التدخلات التي يحددها المتخصص وفقًا للحالة.
ولا تقل أهمية الدعم الإنساني عن ذلك؛ فالاستماع دون أحكام، وتجنب التقليل من معاناة الآخرين، وتشجيعهم على طلب المساعدة، خطوات قد تساعدهم على مواجهة الصعوبات والشعور بأنهم ليسوا وحدهم.
وعلى المستوى المجتمعي، تتطلب مواجهة تحديات الصحة النفسية توسيع خدمات الرعاية، وتعزيز الوعي، ومكافحة التمييز، وتوفير بيئات آمنة وداعمة في الأسرة والمدرسة والعمل.
الصحة النفسية مسؤولية مشتركة
في اليوم العالمي للصحة النفسية، تتجدد الدعوة إلى التعامل مع العافية النفسية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الصحة العامة، لا رفاهية يمكن تأجيلها أو مسؤولية يتحملها الفرد وحده.
فالعناية بالنفس، وبناء العلاقات الصحية، والحفاظ على التوازن الروحي، وطلب المساعدة عند الحاجة، خطوات مهمة، لكنها تحتاج أيضًا إلى مجتمع متفهم وخدمات صحية متاحة تحترم كرامة الإنسان.
فالصحة النفسية لا تعني أن نعيش بلا ألم، بل أن نمتلك الوعي والدعم والقدرة على مواجهة تحديات الحياة، وأن نجد من يصغي إلينا حين تثقلنا الأعباء، ومن يساعدنا حين نعجز عن تجاوزها بمفردنا.