الأربعاء 14 اكتوبر 2026

تحقيقات

جولة الرئيس السيسي الآسيوية.. شراكات استراتيجية جديدة وآفاق أوسع للتعاون الاقتصادي

  • 11-10-2026 | 14:44

جانب من جولة الرئيس

طباعة
  • محمود غانم

عكست جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الآسيوية، التي شملت جمهورية كوريا وماليزيا وإندونيسيا، توجه مصر نحو توسيع شبكة شراكاتها الدولية، وتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في القارة الآسيوية، عبر الانتقال بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب من التعاون، وترجمة التفاهمات السياسية إلى مشروعات وبرامج عملية تدعم المصالح المشتركة.

ففي العاصمة سول، اتفقت مصر وجمهورية كوريا على الارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية، والعمل على تعميق وتوسيع آفاق التعاون المستقبلي في عدد من المجالات، من بينها المجالات السياسية والاقتصادية.

وفي كوالالمبور، شهدت الزيارة تبادل عدد من مذكرات التفاهم الرامية إلى تطوير العلاقات بين البلدين في مجالات مختلفة، مع الاتفاق على موافاة اللجنة المشتركة المصرية الماليزية بنتائج التفاهمات التي جرى التوصل إليها، تمهيدًا لعقد اجتماعها خلال الربع الأول من عام 2027، بما يدعم دفع العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك.

أما في جاكرتا، فقد برزت الإرادة المشتركة بين مصر وإندونيسيا للانتقال بالعلاقات إلى مرحلة تنفيذية تقوم على برامج ومشروعات ملموسة، بالتوازي مع استهداف رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2030.

انفتاح على آسيا

وفي هذا الإطار، يؤكد السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي شملت ثلاث محطات هي كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، تكتسب أهمية كبيرة، إذ تسهم في سد الفجوة الآسيوية في العلاقات الخارجية المصرية، التي عانت منها مصر خلال فترة ليست ببعيدة.

وقال بيومي، في تصريح لـ«دار الهلال»، إن الزيارات الثلاث تمثل انفتاحًا على دول تربطها بمصر علاقات صداقة، لكنها لم تحظَ بالمستوى المأمول من التعاون خلال الفترة الماضية، نتيجة الأزمات العالمية والإقليمية، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، وآخرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وأضاف أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار، وهو ما يجعل الجولة تعكس حيوية النشاط الدبلوماسي للرئيس عبد الفتاح السيسي وحرصه على الانفتاح على العالم، مشيرًا إلى أن مصر تتبنى سياسة قائمة على الانفتاح على مختلف الأطراف، وهو نهج واضح وثابت في سياستها الخارجية خلال السنوات الأخيرة.

وتابع: «كل ذلك يعكس حيوية السياسة الخارجية المصرية»، موضحًا أن هذا التوجه برز منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم عام 2014، إذ حرص، رغم خلفيته العسكرية، على تكثيف تحركاته الخارجية، والقيام بجولات شملت مختلف أنحاء العالم شرقًا وغربًا.

وأوضح بيومي أن حرص مصر على توسيع نطاق الشراكات وتعميقها في آسيا ليس وليد الجولة الحالية، بل يأتي في إطار توجه تعمل عليه الدولة منذ فترة، ويتجلى في انضمام مصر إلى مجموعة «بريكس»، التي تضم عددًا من الاقتصادات الآسيوية الكبرى، فضلًا عن استقبال الرئيس الصيني مؤخرًا، مؤكدًا أن هذه التحركات تعكس حرص القاهرة على تعزيز حضورها في القارة الآسيوية.

وأكد عمق العلاقات المصرية الماليزية، وكذلك العلاقات المصرية الإندونيسية، لافتًا إلى أن العلاقات بين مصر وجمهورية كوريا الجنوبية شهدت طفرة ملحوظة خلال الفترة الأخيرة.

واختتم بيومي تصريحاته بالتأكيد أن الجولة الآسيوية، وما شهدته من توقيع اتفاقيات وما أسفرت عنه من تفاهمات، من شأنها أن تنعكس إيجابيًا على الاقتصاد المصري، فضلًا عن دورها في تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع آفاق التنسيق السياسي بين مصر والدول الثلاث.

توجه مصر نحو بناء شراكات استراتيجية

من جانبه، يؤكد الدكتور محمد عبد الحميد الزهار، الخبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، أن الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، تمثل تحركًا استراتيجيًا مهمًا في مسار السياسة الخارجية المصرية، وتعكس توجهًا نحو توسيع دوائر التعاون الدولي وتنويع الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، بما يدعم المصالح الوطنية المصرية ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات العالمية.

وأوضح الزهار، في تصريح لـ«دار الهلال»، أن أهمية الجولة لا تقتصر على اللقاءات السياسية أو توقيع الاتفاقيات، وإنما ترتبط بطبيعة الدول التي شملتها وما تمتلكه من تجارب متقدمة في التصنيع والتكنولوجيا والاستثمار والتجارة الدولية، مؤكدًا أن آسيا أصبحت أحد المراكز الرئيسية للاقتصاد العالمي، وأن تعزيز العلاقات مع دولها يمثل ضرورة استراتيجية لمصر في المرحلة الحالية.

وأضاف أن الجولة تعكس حرص الدولة المصرية على تنويع علاقاتها الدولية وبناء شبكة واسعة من المصالح المشتركة، بما يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع التحولات الدولية، ويعزز قدرتها على جذب الاستثمارات وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.

وأشار الزهار إلى أن الجولة تحمل دلالات سياسية مهمة، في مقدمتها تأكيد استقلالية القرار المصري وتوسيع خيارات الحركة الخارجية، في ظل عالم يشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى على التكنولوجيا والأسواق وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة.

وأكد أن السياسة الخارجية المصرية تقوم على تنويع الشراكات وإقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، بما يخدم المصالح الوطنية ويحافظ على استقلال القرار السياسي، مشيرًا إلى أن بناء علاقات قوية مع الاقتصادات الآسيوية الصاعدة يضيف أبعادًا جديدة للحضور المصري على الساحة الدولية.

وشدد على أن قوة الدول في النظام الدولي المعاصر لم تعد تُقاس فقط بقدراتها السياسية والعسكرية، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء شراكات اقتصادية منتجة، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز مكانتها في سلاسل الإنتاج والتجارة العالمية.

وحول زيارة جمهورية كوريا، أوضح الزهار أن الارتقاء بالعلاقات المصرية الكورية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية يمثل أحد أبرز نتائج الجولة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والتكنولوجي.

وأشار إلى أن البيان المشترك بين البلدين تضمن مجالات متعددة للتعاون، من بينها التصنيع وبناء السفن والسيارات الكهربائية والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، إلى جانب تعزيز الاستثمارات وتوطين الصناعة.

وأضاف أن إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة يمثل خطوة مهمة نحو توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية، وتهيئة إطار أكثر شمولًا للتعاون الاقتصادي بين البلدين.

ولفت إلى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يمكن أن تمثل نقطة جذب مهمة للشركات الكورية الراغبة في التوسع بالأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، بما يتيح لمصر الاستفادة من موقعها الجغرافي وتحويله إلى ميزة إنتاجية وتصديرية حقيقية.

وأكد الزهار أن الاختبار الحقيقي لهذه الشراكة سيكون في قدرتها على جذب استثمارات نوعية، ونقل التكنولوجيا، وتوسيع التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات المصرية، وتوفير فرص عمل جديدة.

وفيما يتعلق بماليزيا، أكد الزهار أن الزيارة تفتح آفاقًا مهمة للاستفادة من تجربة اقتصادية استطاعت تحقيق تقدم ملحوظ في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والتجارة.

وأوضح أن المباحثات المصرية الماليزية شهدت تبادل عدد من مذكرات التفاهم والتأكيد على أهمية تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري، كما تم استعراض أنشطة شركات ماليزية في قطاعي السيارات والدراجات النارية، بما يفتح المجال أمام دراسة فرص التعاون الصناعي.

وأشار إلى أن البيانات المنشورة عن العلاقات التجارية بين البلدين أظهرت وصول حجم التبادل التجاري إلى نحو 870 مليون دولار خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، وهو ما يعكس وجود مساحة مهمة لتطوير العلاقات الاقتصادية والبناء على الزخم السياسي الذي شهدته الزيارة.

وشدد على أهمية توجيه التعاون نحو مشروعات إنتاجية في مجالات الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية والإلكترونيات والصناعات الغذائية والتدريب الفني، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري.

وأضاف أن الإعلان عن متابعة التعاون من خلال اللجنة المشتركة خلال الربع الأول من عام 2027 يمثل خطوة مهمة لضمان استمرار التنسيق وتحويل التفاهمات إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ.

وبخصوص إندونيسيا، أكد الزهار أن المحطة الإندونيسية تكتسب أهمية خاصة، بالنظر إلى الثقل السكاني والاقتصادي لإندونيسيا ومكانتها في جنوب شرق آسيا، فضلًا عن فرص التعاون المتاحة بين البلدين في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والطاقة والتعليم والصناعات الدوائية والغذائية.

وأوضح أن تعزيز العلاقات مع إندونيسيا يمكن أن يسهم في توسيع الأسواق المتاحة أمام المنتجات المصرية وفتح مجالات جديدة للتعاون بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين.

وأضاف أن العلاقات المصرية الإندونيسية تتجاوز الجوانب الاقتصادية لتشمل التنسيق السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ودعم الاستقرار الإقليمي واحترام القانون الدولي.

وشدد على ضرورة تقييم نتائج هذه المحطة استنادًا إلى البيانات الرسمية الصادرة عن المباحثات وما يتم الإعلان عنه من اتفاقيات وتفاهمات محددة، بما يضمن الدقة في عرض النتائج والتمييز بين الفرص المطروحة والاتفاقات التي تم إقرارها بالفعل.

وحول تقييم نتائج الجولة، أكد الزهار أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم تمثل خطوة مهمة، موضحًا أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع آليات واضحة لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات، وتحديد الجهات المسؤولة والجداول الزمنية ومؤشرات قياس النتائج، بما يضمن الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

وأضاف أن الأولوية يجب أن تكون للمشروعات التي تسهم في زيادة الصادرات وتوطين التكنولوجيا وتعزيز التصنيع المحلي وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على استيراد المنتجات التي يمكن تصنيعها محليًا.

وأكد أن مصر تمتلك مقومات مهمة لجذب الاستثمارات، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس واتساع الأسواق التي يمكن الوصول إليها من خلالها، إلا أن الاستفادة من هذه المقومات تتطلب تحسين بيئة الأعمال وتطوير المهارات الفنية وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة المصرية.

وأشار إلى أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مجرد جذب الاستثمارات إلى استقطاب استثمارات نوعية ترتبط بالأولويات الاقتصادية للدولة، وتسهم في بناء قاعدة إنتاجية أكثر قوة وقدرة على المنافسة.

الجولة الآسيوية ورهان المصالح المصرية

وقال خبير العلاقات الدولية إن الجولة الرئاسية تمثل فرصة مهمة لتعزيز الحضور المصري في آسيا وبناء شراكات طويلة الأمد تقوم على المصالح المتبادلة وتدعم مسار التنمية الاقتصادية.

واختتم بأن الدبلوماسية الناجحة هي التي تستطيع تحويل المكانة السياسية للدولة إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، وأن التحدي الأساسي أمام مصر يتمثل في ترجمة الزخم الذي حققته الجولة إلى استثمارات وصادرات وفرص عمل ونقل للخبرات والتكنولوجيا، بما يعزز الاقتصاد الوطني ويدعم مكانة مصر الإقليمية والدولية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة