أعاد البوستر الرسمي للدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي فتح النقاش حول العلاقة بين تراث السينما المصرية والتطورات التكنولوجية الحديثة، بعدما تصدرت الفنانة الراحلة شادية التصميم في شخصية «فؤادة» من فيلم «شيء من الخوف»، وسط تفاعل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب طريقة معالجة صورتها والحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي.
لكن بعيدًا عن الجدل المثار حول التصميم، يطرح اختيار شادية سؤالًا فنيًا مهمًا: لماذا استعاد المهرجان صورة نجمة من زمن السينما الكلاسيكية في مناسبة تستهدف أيضًا الاحتفاء بالإبداع السينمائي المعاصر؟
شادية.. لماذا وقع الاختيار عليها؟
جاء اختيار شادية، وفقًا لتصريحات الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، تقديرًا لمسيرتها الفنية وما قدمته من أعمال تركت بصمة في تاريخ السينما المصرية، موضحًا أن ظهورها على البوستر، بالتزامن مع الاحتفاء بالأفلام المصرية المرممة، يعكس اهتمام المهرجان بالحفاظ على ذاكرة السينما وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة.
ولم يكن اختيار شادية مجرد استدعاء لاسم فني بارز، بل ارتبط بشخصية «فؤادة» التي قدمتها في فيلم «شيء من الخوف» عام 1969، وهي شخصية تحمل دلالات تتجاوز إطار الحكاية السينمائية، وترتبط بالحرية ومقاومة الظلم والتمسك بالموقف.
وهنا تكتسب الصورة أهمية إضافية؛ فالمهرجان لا يستعيد وجه نجمة من الماضي فحسب، بل يعيد طرح شخصية سينمائية ما زالت قابلة للقراءة والتأويل من منظور الجمهور المعاصر.
كيف ربط البوستر بين الماضي والحاضر؟
يعتمد التصميم على استعادة صورة من تاريخ السينما المصرية ووضعها في إطار بصري معاصر، تحيط به مشاهد تستحضر مراحل مختلفة من تاريخ الفن السابع. ويأتي ذلك في سياق الاحتفاء بمرور 50 عامًا على انطلاق المهرجان، الذي بدأت دورته الأولى عام 1976، بينما تقام الدورة الـ47 خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026.
ويظهر الربط بين الماضي والحاضر في ثلاثة مستويات:
أولًا، الذاكرة السينمائية، من خلال استعادة شخصية راسخة في وجدان الجمهور، بما يمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على أعمال صنعت تاريخ السينما المصرية.
ثانيًا، التجدد البصري، عبر تقديم صورة كلاسيكية ضمن تصميم حديث، في محاولة لجعل التراث السينمائي حاضرًا في المشهد الثقافي الحالي، وليس مجرد ذكرى مرتبطة بزمن مضى.
ثالثًا، استمرار تأثير الفن، فالأفلام القديمة لا تفقد قيمتها بانتهاء زمن إنتاجها، بل يمكن أن تكتسب قراءات جديدة مع تغير الأجيال ووسائل المشاهدة والتقنيات المستخدمة في حفظ الصور وترميم الأفلام.
الذكاء الاصطناعي.. جسر إلى المستقبل أم نقطة خلاف؟
أثار البوستر نقاشًا حول استخدام الذكاء الاصطناعي في معالجة صورة شادية، إذ تساءل متابعون عن مدى ملاءمة هذه التقنية عند تقديم صورة فنانة تمثل جزءًا من التراث السينمائي المصري.
ويكشف هذا الجدل عن جانب آخر من العلاقة بين الماضي والحاضر؛ فالتكنولوجيا تتيح إمكانات جديدة لاستعادة الصور وتطوير طرق عرضها، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول الحفاظ على الملامح الأصلية للفنانين، وحدود المعالجة البصرية التي يمكن أن تغير تفاصيل الصورة التاريخية.
ومن ثم، فإن نجاح استخدام التقنيات الحديثة في الاحتفاء بالتراث لا يرتبط بحداثة الأدوات وحدها، بل بقدرتها على خدمة الفكرة الفنية مع احترام الصورة الأصلية وقيمتها التاريخية.
بين الوفاء للتراث ومواكبة العصر
في النهاية، يعكس اختيار شادية لبوستر الدورة الـ47 محاولة للجمع بين رمزية السينما المصرية الكلاسيكية ومتطلبات تقديمها بصريًا إلى جمهور معاصر. فاستعادة شخصية «فؤادة» تمنح التصميم امتدادًا إلى تاريخ فني مهم، بينما يفتح الجدل حول الذكاء الاصطناعي بابًا للنقاش عن كيفية التعامل مع هذا التاريخ في عصر التكنولوجيا.
وبين صورة صنعتها السينما قبل عقود، وتقنيات تعيد تشكيل الصورة اليوم، تبقى المسألة الأهم هي كيفية الحفاظ على روح العمل الفني وهويته، مع إتاحة الفرصة للأجيال الجديدة لاكتشافه والتفاعل معه.