الأربعاء 14 اكتوبر 2026

عرب وعالم

نبيل فهمي يطرح من الكويت رؤية لبناء منظومة ردع عربية شاملة

  • 14-10-2026 | 10:10

نبيل فهمي

طباعة
  • دار الهلال

أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي أن التحديات الأمنية والسياسية المتصاعدة التي تواجه دول الخليج، وفي مقدمتها الاعتداءات الإيرانية على سيادتها ومصالحها، تستدعي تطوير منظومة الأمن القومي العربي، وتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك القائمة، وبناء منظومة ردع عربية شاملة تجمع بين القدرات العسكرية والتحرك السياسي والدبلوماسي والتعاون الاقتصادي، بما يعزز قدرة الدول العربية على حماية أمنها وسيادتها واستقلال قرارها السياسي.

وجاء طرح هذه الرؤية خلال زيارة فهمي إلى الكويت، التي استغرقت ثلاثة أيام واختتمت أمس الثلاثاء، وشملت مباحثات مع ولي العهد الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ورئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، ووزير الخارجية الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، تركزت على أمن الخليج والتحديات الإقليمية، وتعزيز التضامن العربي وتنسيق المواقف، ومستقبل العمل العربي المشترك، إلى جانب تطوير دور الجامعة في مواجهة الأزمات.

وشكل أمن الخليج المحور الرئيسي للزيارة، في ظل ما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية للأمن القومي العربي، وارتباط استقرارها بأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، الأمر الذي يجعل التهديدات التي تواجه دولها ذات انعكاسات مباشرة على المنطقة بأكملها، ويعزز الحاجة إلى تطوير آليات عربية جماعية لحماية السيادة الوطنية ومواجهة التحديات الأمنية والسياسية، خاصة مع تزايد المخاطر التي تتجاوز حدود الدول منفردة.

وتستند رؤية فهمي لبناء منظومة ردع عربية شاملة إلى اتفاقيات الدفاع العربي المشترك القائمة، وفي مقدمتها اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950، التي توفر أساسا قانونيا للتعاون الدفاعي، فيما يمثل بناء منظومة الردع المقترحة خطوة تتجاوز الإطار القانوني إلى تطوير أدوات سياسية ودبلوماسية وعسكرية واقتصادية متكاملة، وتحديد آليات تنفيذ تتناسب مع طبيعة التهديدات الحديثة ومتطلبات حماية المصالح العربية المشتركة.

ويعكس هذا التوجه الحاجة إلى تعزيز القدرات العربية الذاتية، دون الاقتصار على الترتيبات الأمنية الدولية أو التحالفات الخارجية، خاصة أن بناء منظومة فاعلة للردع يستلزم توافقا سياسيا بشأن مصادر التهديد وأولويات الأمن الجماعي وآليات اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات، بما يحول التضامن العربي من مواقف معلنة إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، ويمنح الدول العربية قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات الإقليمية.

وتبرز أهمية الكويت في هذا السياق بالنظر إلى دورها التاريخي في دعم التضامن العربي، وخبرتها الدبلوماسية في الوساطة وتقريب وجهات النظر، إلى جانب موقعها الاستراتيجي في الخليج، وهو ما يمنح المشاورات التي أجراها الأمين العام بعدا سياسيا يتصل بإمكانات بناء توافقات عربية أوسع حول قضايا الأمن والاستقرار، والاستفادة من الدور الكويتي في تقريب المواقف بشأن أولويات العمل العربي المشترك.

وامتدت دلالات الزيارة إلى مستقبل جامعة الدول العربية، حيث أكد فهمي أهمية تطوير آليات العمل المشترك، والانتقال من الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى المبادرة والمشاركة في صياغة الحلول، من خلال تعزيز التنسيق السياسي وتفعيل القرارات والاتفاقيات القائمة، ووضع برامج تنفيذية تتيح متابعة الالتزامات وتحقيق نتائج ملموسة، بما يعزز قدرة الجامعة على التعامل المبكر مع التحديات والتطورات الإقليمية.

وتواجه هذه الرؤية تحديات مؤسسية وسياسية تتعلق بالفجوة بين حجم الأزمات التي تشهدها المنطقة والقدرة العربية على التعامل معها، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتزايد استخدام الأدوات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية في إدارة الصراعات، الأمر الذي يفرض تطوير آليات اتخاذ القرار والمتابعة والتنفيذ، وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء، بما يمنح العمل الجماعي قدرة أكبر على التأثير في التطورات الإقليمية.

كما تبرز أهمية تعزيز التكامل بين جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، في ضوء الترابط بين أمن الخليج والأمن القومي العربي، وما تمتلكه دول المجلس من ثقل اقتصادي وسياسي، بما يتيح توسيع مجالات التنسيق المؤسسي وتطوير المبادرات المشتركة لمواجهة التحديات الأمنية والتنموية، والاستفادة من الإمكانات المتاحة لدى الجانبين في دعم الاستقرار وتعزيز المصالح العربية.

وشغلت القضية الفلسطينية حيزا من تصريحات الأمين العام خلال زيارته للكويت، حيث أكد مركزيتها في العمل العربي المشترك، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية والتطورات التي يشهدها قطاع غزة، مشددا على أهمية التمسك بحل الدولتين ومبادرة السلام العربية، وتعزيز الجهود الرامية إلى حماية الحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة، باعتبار ذلك أحد الاختبارات الرئيسية لفاعلية التحرك العربي الجماعي.

وفي سياق استعراضه للتحديات الإقليمية خلال محاضرته بمعهد سعود الناصر الصباح الدبلوماسي، شدد فهمي على ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية ووحدة مؤسساتها في السودان وليبيا وسوريا واليمن، ودعم الجهود الرامية إلى معالجة الأزمات التي تواجهها، إلى جانب الاهتمام بقضايا الأمن المائي والغذائي والتنمية المستدامة، باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز الاستقرار والأمن القومي العربي، ومكونات مترابطة في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وعاد فهمي إلى القاهرة حاملا رؤى ووجهات نظر كويتية بشأن مستقبل العمل العربي، بما يعكس أهمية استمرار التشاور مع الدول الأعضاء حول أولويات المرحلة المقبلة، وإمكانات تحويل التصورات المطروحة إلى مبادرات قابلة للتنفيذ، تستند إلى توافقات سياسية واضحة وآليات مؤسسية فاعلة، خاصة في ظل الحاجة إلى توسيع دائرة التفاهم العربي بشأن القضايا الاستراتيجية المشتركة.

وتضع حصيلة الزيارة الدول العربية أمام تساؤل رئيسي بشأن مدى قدرتها على الانتقال من التوافق على أهمية الأمن الجماعي إلى الاتفاق على آليات عملية لتحقيقه، إذ يظل بناء منظومة ردع عربية شاملة مرتبطا بالإرادة السياسية المشتركة، والقدرة على توظيف الاتفاقيات القائمة وتطوير أدوات تنفيذها، بما يحول الرؤية المطروحة إلى إطار فاعل لحماية أمن المنطقة واستقرارها وتعزيز استقلال القرار العربي.


.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة