أكد البابا ليو الرابع عشر بابا الفاتيكان أهمية المتاحف في صون التراث الإنساني ونقل المعرفة التاريخية والثقافية بين الأجيال، مشيرا إلى أن الأعمال الفنية المحفوظة داخلها لا تقتصر قيمتها على الجانب الجمالي، بل تمثل شواهد على تاريخ الشعوب وتجاربها، وتسهم في تعزيز الإبداع والتواصل الإنساني.
جاءت تصريحات البابا خلال استقباله، قبل أيام بالفاتيكان، مجموعة من مديري المتاحف والمؤسسات الفنية الكبرى حول العالم، أعضاء مجموعة بيزو (Bizot Group)، المعروفة باسم المجموعة الدولية لمنظمي المعارض الكبرى (International Group of Organisers of Major Exhibitions)، وهي مجموعة تأسست عام 1992 وتضم مسؤولين عن مؤسسات متحفية بارزة، وتتيح لهم تبادل الخبرات ومناقشة القضايا المتعلقة بإدارة المتاحف وسياساتها.
وذكرت صحيفة الفن The Art Newspaper، أن بابا الفاتيكان شدد خلال اللقاء على أن كل متحف يمثل فضاء للذاكرة والجمال والتاريخ، ويساعد على إقامة صلات بين الأجيال، فضلا عن دوره في دعم الثقافة والإبداع البشري.
وأشار البابا، في كلمته التي نشرها الموقع الرسمي للفاتيكان، إلى أن القطع والأعمال التي تحتفظ بها المتاحف تقدم للحاضر خلاصة من حكمة الماضي، وتتيح للأجيال المتعاقبة التعرف على تاريخها وتجاربه المختلفة. كما هنأ مديري المتاحف على جهودهم في إدارة المؤسسات التي يشرفون عليها وحماية التراث الذي وصفه بأنه ملك للإنسانية جمعاء.
وتناول البابا - الذي أعلن الأحد عن نيته إجراء عملية جراحية لإزالة ورم رئوي - العلاقة بين الفن والمادة، وهو الموضوع الذي تمحورت حوله اجتماعات مجموعة بيزو، موضحا أن الفنان يستخدم قدراته وخبراته لتحويل المواد المتاحة إلى أعمال تحمل معاني وأفكارا ومشاعر يمكن مشاركتها مع الآخرين. ورأى أن هذه العملية الإبداعية تمنح الأشياء المادية أبعادا تتجاوز استخدامها المباشر، وتتيح لها التعبير عن رؤى إنسانية وروحية.
وأضاف أن المادة ليست مجرد عنصر يستخدمه الفنان في إنتاج عمله، بل يمكن أن تتحول من خلال التشكيل الفني إلى وسيلة للتعبير عن الأحلام والانفعالات والأفكار، بما يمنح العمل الفني قدرة على التواصل مع المتلقي وإثارة التأمل.
ومن المنظور الديني الذي طرحه البابا، يرتبط الإبداع الفني بقدرة الإنسان على إعادة تشكيل المادة وإضفاء معنى عليها، في عملية اعتبرها انعكاسا لقدرة البشر على الابتكار. كما أكد أن الكنيسة الكاثوليكية احتفظت عبر القرون بعلاقة وثيقة بالفنون بمختلف أشكالها، ورأت فيها وسيلة للتعبير عن القيم الروحية ونقل الرسائل الدينية من خلال الجمال.
وحضر اللقاء مسؤولون عن مؤسسات فنية دولية بارزة، من بينهم تريسترام هانت، مدير متحف فيكتوريا وألبرت (Victoria and Albert Museum) في لندن، وماكس هولين، مدير متحف المتروبوليتان للفنون (The Metropolitan Museum of Art) في نيويورك.
ورحب هانت برسالة البابا، مشيرا إلى تأكيده أهمية التعامل مع الفن باعتباره وسيلة للتعبير عن الرسائل الإنسانية والروحية من خلال الجمال، بينما أشاد هولين بأهمية التصريحات المتعلقة بالفن والمتاحف والذاكرة. وتعكس هذه المواقف اهتمام المؤسسات المتحفية بالنقاش الدائر حول دور الفن في المجتمعات المعاصرة، وسبل الحفاظ على مكانته الثقافية والتعليمية.
وتأتي تصريحات بابا الفاتيكان في وقت يتزايد فيه النقاش بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاج الفني، وحدود التشابه بين الأعمال التي ينتجها البشر وتلك التي تولدها الأنظمة الرقمية. وكان البابا قد التقى في 2 أكتوبر الجاري مجموعة من الفنانين والقائمين على المعارض، محذرا من ضرورة التمييز بين الإبداع الإنساني وما تنتجه الآلات اعتمادا على المعالجة الإحصائية لكميات ضخمة من الصور والأعمال السابقة.
وأكد في ذلك اللقاء أن الإبداع البشري يتضمن عنصرا إنسانيا لا يمكن اختزاله في الحسابات التقنية، معتبرا أن الثقافة والفن الأصيلين يحتفظان بقدرة على التعبير عن التجربة الإنسانية ومعانيها. ونظم اللقاء مجمع الثقافة والتعليم بالفاتيكان، في إطار اهتمام المؤسسة الدينية بتطورات المشهد الفني والتحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة.
وتتقاطع هذه الرسائل مع جهود الفاتيكان لتعزيز حضوره في مجال الفن المعاصر، إذ افتتح جناح الكرسي الرسولي في بينالي البندقية (Venice Biennale) في مايو الماضي معرضا بعنوان "الأذن هي عين الروح" (The Ear is the Eye of the Soul)، بمشاركة فنانين وشعراء وموسيقيين، من بينهم برايان إينو وإف كيه إيه تويغز وبريشس أوكومويون.
ويستند المعرض إلى حياة الراهبة البندكتية هيلدغارد من بينغن، التي عاشت بين عامي 1098 و1179، واشتهرت بأعمالها في الشعر والموسيقى والكتابة، إلى جانب اهتمامها بالطبيعة والشفاء. ويعكس المشروع اتجاها نحو توسيع مساحة الحوار بين التراث الديني والفنون المعاصرة، من خلال تقديم تجارب فنية تستكشف العلاقة بين الصوت والذاكرة والروحانية.
وتبرز تصريحات البابا، في هذا السياق، أهمية المتاحف بوصفها مؤسسات لا تقتصر مهمتها على حفظ المقتنيات وعرضها، وإنما تشمل أيضا إتاحة المعرفة التاريخية للأجيال الجديدة، وتشجيع الحوار بين الثقافات، والحفاظ على الأعمال التي توثق التحولات الاجتماعية والفنية عبر الزمن.
وتعد مجموعة بيزو (Bizot Group) شبكة دولية لمديري المتاحف ومنظمي المعارض الكبرى، تأسست عام 1992 بهدف تبادل الخبرات ومناقشة القضايا المهنية التي تواجه المؤسسات المتحفية.
وتضم الشبكة مسؤولين عن متاحف ومؤسسات ثقافية بارزة، وتتناول اجتماعاتها موضوعات تتصل بإدارة المجموعات الفنية وتفسير الأعمال وتطوير دور المتاحف في المجتمع. ويأتي اهتمام البابا ليو الرابع عشر بهذه المؤسسات ضمن توجه أوسع للفاتيكان نحو إبراز أهمية الفنون في حفظ التراث وتعزيز الحوار الثقافي، بالتوازي مع النقاشات المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي في الإبداع البشري.
.