الأربعاء 14 اكتوبر 2026

ثقافة

أحمد زكريا الشلق.. مؤرخ نبش ذاكرة الوطن وقرأ تحولات مصر بين صفحات التاريخ

  • 14-10-2026 | 19:53

احمد زكريا الشلق

طباعة
  • فاطمة الزهراء حمدي

لم يكن التاريخ بالنسبة إلى المؤرخ الدكتور أحمد زكريا الشلق مجرد وقائع مضت وانتهت، أو أسماء ارتبطت بعصور بعينها، بل كان نافذة لفهم الحاضر، وقراءة التحولات التي صنعت ملامح الدولة والمجتمع، ومساحة للبحث في الأفكار التي غيّرت مسار مصر الحديثة. وعلى امتداد مسيرة علمية قاربت ستة عقود، انشغل الشلق بتتبع جذور النهضة المصرية، وتحولات الحياة السياسية والحزبية، وعلاقة الفكر بالسلطة، ليترك خلفه رصيدًا من المؤلفات والدراسات التي جعلت من التاريخ مجالًا لفهم الإنسان والوطن معًا.

 

وبرحيل أحمد زكريا الشلق، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مساء الأربعاء 14 أكتوبر 2026، عن عمر ناهز 78 عامًا، فقدت الساحة الثقافية والأكاديمية المصرية أحد الباحثين الذين كرّسوا حياتهم لدراسة تاريخ مصر الحديث، والبحث في شخصياته الفكرية والسياسية، وتوثيق التحولات التي رسمت ملامح المجتمع المصري.

 

من طنطا إلى رحاب الجامعة.. البدايات الأولى

 

وُلد أحمد زكريا محمد الشلق في 5 مارس 1948 بمحافظة الغربية، وبدأ رحلته الأكاديمية بدراسة التاريخ في كلية الآداب بجامعة عين شمس، حيث حصل على الليسانس عام 1972، قبل أن يستكمل دراساته العليا ويحصل على درجة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر عام 1977، ثم الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 1981.

 

ولم تتوقف رحلته العلمية عند حدود الدراسة الجامعية، إذ امتدت إلى جامعة لندن، حيث درس خلال الفترة من 1978 إلى 1979، في تجربة أضافت إلى تكوينه الأكاديمي واهتمامه بالتاريخ الحديث والمعاصر.

 

وبالتوازي مع رحلته البحثية، تدرج الشلق في العمل الأكاديمي بقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة عين شمس، من معيد عام 1972 إلى أستاذ مساعد عام 1987، ثم أستاذ للتاريخ الحديث والمعاصر عام 1993، ليصبح أحد الأسماء المرتبطة بتدريس هذا الفرع من فروع التاريخ والبحث فيه.

 

التاريخ السياسي.. قراءة في نشأة الأحزاب وتحولات الدولة

 

احتلت الحياة السياسية المصرية جانبًا مهمًا من اهتمامات أحمد زكريا الشلق البحثية، فلم يكتف بتناول الأحداث الكبرى، وإنما اتجه إلى دراسة التنظيمات الحزبية وتطورها، ودورها في تشكيل المجال العام، والعلاقة بين النخب السياسية ومشروع الدولة الحديثة.

 

وتكشف مؤلفاته، ومنها «حزب الأمة ودوره في السياسة المصرية» و«حزب الأحرار الدستوريين»، عن اهتمامه بتاريخ الحياة الحزبية المصرية، وما شهدته من تحولات في ظل التغيرات السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد.

 

ومن خلال هذه الدراسات، اتجه الشلق إلى تناول التاريخ السياسي باعتباره مسارًا متصلًا تتفاعل فيه الأفكار والمصالح والمؤسسات، بما يتيح فهمًا أعمق للظروف التي نشأت فيها التيارات السياسية، والأدوار التي أدتها في تشكيل تاريخ مصر الحديث.

 

طه حسين ومصطفى عبد الرازق.. الفكر في مواجهة أسئلة عصره

 

لم ينفصل اهتمام الشلق بالتاريخ السياسي عن اهتمامه بتاريخ الفكر والثقافة، إذ خصص جانبًا من أعماله لدراسة شخصيات فكرية أسهمت في تشكيل الوعي المصري والعربي، وفي مقدمتها طه حسين والشيخ مصطفى عبد الرازق.

 

وفي كتابه «طه حسين: جدل الفكر والسياسة»، تناول إحدى الشخصيات الأكثر حضورًا في تاريخ الثقافة المصرية الحديثة، بينما قدم في كتابه «الشيخ مصطفى عبد الرازق: عقل مستنير تحت العمامة» قراءة لشخصية جمعت بين التكوين الديني والانفتاح الفكري.

 

كما امتد اهتمامه إلى مسار النهضة الفكرية المصرية، وهو ما يظهر في كتابه «من النهضة إلى الاستنارة في تاريخ الفكر المصري الحديث»، الذي يندرج ضمن مشروع بحثي أوسع لفهم تطور الأفكار والتيارات الفكرية، وعلاقتها بالتغيرات التي شهدها المجتمع المصري.

 

من الحملة الفرنسية إلى إشكاليات النهضة

 

ومن بين القضايا التي شغلت الشلق دراسة العلاقة بين مصر والعالم، وتأثير التحولات الدولية في مسار تطور الدولة والمجتمع. ويتجلى ذلك في كتابه «الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر»، الذي يتناول واحدة من المحطات المهمة في تاريخ مصر الحديث، وما ارتبط بها من أسئلة حول الحداثة والتأثير الأوروبي ومشروع النهضة.

 

كما اهتم بتاريخ العلاقة بين العرب والدولة العثمانية، من خلال كتابه «العرب والدولة العثمانية من الخضوع إلى المواجهة»، إلى جانب دراساته المتعلقة بتاريخ مصر والخليج، بما وسّع نطاق اهتمامه من التاريخ المصري إلى السياقات العربية والإقليمية المحيطة به.

 

ولم تقتصر إسهاماته على التأليف، بل امتدت إلى تحقيق الوثائق والمراسلات التاريخية ونشرها، وتحرير المذكرات والمؤلفات، في عمل يرتبط بأحد الجوانب الأساسية للبحث التاريخي، وهو إتاحة المصادر أمام الباحثين والقراء.

 

حضور في المؤسسات العلمية والثقافية

 

إلى جانب عمله الأكاديمي، تولى أحمد زكريا الشلق عددًا من المناصب العلمية والبحثية، من بينها رئاسة قسم التاريخ بكلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في جامعة قطر بين عامي 1997 و1999، كما شارك في أنشطة مركز بحوث الشرق الأوسط ومركز تاريخ مصر المعاصر.

 

وكان عضوًا في الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، ولجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، والهيئة المصرية العامة للكتاب، فضلًا عن عضويته في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الذي انتُخب عضوًا به عام 2017، وتوليه مقررية لجنة التاريخ والآثار، إلى جانب عضويته العاملة بالمجمع العلمي المصري.

 

وارتبط اسمه كذلك بالعمل على سلاسل تاريخية وفكرية، من بينها «ذاكرة الكتابة» و«تاريخ المصريين»، في إطار الاهتمام بإتاحة المعرفة التاريخية وتقديم الدراسات المتخصصة للقارئ العربي.

 

جوائز وثّقت مسيرة من البحث والعطاء

 

حظيت مسيرة الشلق العلمية بتقدير عدد من المؤسسات، إذ حصل على جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية عام 2006، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2010، وجائزة جامعة عين شمس التقديرية عام 2011، كما نال جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب عن كتب التراث عام 2014.

 

وتعكس هذه الجوائز حضور أعماله في مجال الدراسات التاريخية والاجتماعية، وما حظيت به مسيرته من تقدير على المستويين الأكاديمي والثقافي.

 

رحيل الجسد وبقاء الأسئلة

 

كان رحيل أحمد زكريا الشلق مناسبة لاستعادة مسيرة عالم لم يتعامل مع التاريخ باعتباره ماضيًا مغلقًا، وإنما مجالًا مفتوحًا للبحث والمراجعة والفهم. وقد عبّر الكاتب إيهاب الملاح، الذي جمعته بالراحل علاقة تلمذة وصداقة امتدت سنوات طويلة، عن حزنه لفقدانه، مستعيدًا ما نهله من علمه ومعارفه، وما اتسمت به علاقتهما من مودة إنسانية.

 

كما نعت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ومجمع اللغة العربية بالقاهرة المؤرخ الراحل، مشيدين بإسهاماته العلمية ودوره في إثراء المكتبة العربية ودعم العمل البحثي والتاريخي.

 

وبين مؤلفاته التي تناولت الأحزاب السياسية، ودراساته عن رواد الفكر المصري، وأبحاثه في تاريخ مصر والخليج والدولة العثمانية، تبقى أعمال أحمد زكريا الشلق جزءًا من الذاكرة العلمية التي تتيح للأجيال الجديدة العودة إلى تاريخها، وفهم التحولات التي صنعت حاضرها؛ فالمؤرخ يرحل، لكن الأسئلة التي يطرحها، والمصادر التي يكشف عنها، والمعرفة التي يتركها، تظل قادرة على فتح نوافذ جديدة لقراءة الوطن وتاريخه.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة