الأربعاء 14 اكتوبر 2026

ثقافة

«البرانسة» لعاطف سنارة.. حين يصبح المكان ذاكرة تقاوم النسيان

  • 14-10-2026 | 21:15

البرانسة

طباعة
  • بيمن خليل

.في رواية «البرانسة» للروائي عاطف سنارة، لا يبدو المكان مجرد مساحة تتحرك فوقها الشخصيات، ولا خلفية جغرافية للأحداث، بل يتحول إلى كائن حيّ تتداخل ملامحه مع مصائر البشر، ويحمل في تضاريسه وحكاياته وأسمائه ذاكرة زمن كامل. هنا، لا يمكن فصل الإنسان عن الأرض التي نشأ عليها، ولا فهم تحولاته بعيدًا عن البحر والرمل والبحيرة والحقول، فهذه العناصر ليست تفاصيل عابرة، وإنما قوى خفية تشارك في تشكيل الوعي وتوجيه الحياة.

 

يستعيد سنارة عالمًا تشكلت ملامحه في ثمانينيات القرن الماضي، مستندًا إلى تفاصيل الحياة اليومية في محيط البرلس وبلطيم، حيث تتشابك العلاقات الإنسانية مع قسوة الطبيعة وتقلباتها. ومن خلال حكاية عائلة تتقاطع مصائر أفرادها، يفتح الكاتب أبواب الماضي، لا بوصفه زمنًا انتهى، بل باعتباره قوة تواصل تأثيرها في الحاضر، وتعيد ترتيب علاقة الشخصيات بأنفسها وبالعالم المحيط بها.

 

يبدأ السرد بحريق يصيب «يسري»، لكن الحريق لا يظل واقعة منفصلة أو حادثًا عابرًا، وإنما يتحول إلى مدخل لاستعادة ذاكرة العائلة، واستحضار ما تراكم فيها من حكايات وأوجاع وتفاصيل. ومع حضور «سراج»، حامل ذاكرة العائلة، تتكشف طبقات من الماضي، وتصبح الحكاية محاولة لفهم ما جرى، والبحث عن الروابط التي تجمع الأشخاص رغم اختلاف مصائرهم وتباعد مساراتهم.

 

ولا يستمد المكان حضوره من وصفه وحده، بل من علاقته المعقدة بالشخصيات. فالبحر والبحيرة والرمل والحقول عناصر تتجاوز وظيفتها الطبيعية، لتصبح امتدادًا للحالة النفسية والوجودية لأصحاب الحكاية. إنهم لا يعيشون في المكان بقدر ما يتشكلون من خلاله، حتى يبدو اقتلاعه من حياتهم نوعًا من اقتلاع جزء من ذواتهم. وحين يضطر بعضهم إلى الرحيل بحثًا عن الرزق، أو تتغير علاقته بالأرض التي عرفها، لا يكون الأمر مجرد انتقال من موضع إلى آخر، بل مواجهة مع سؤال الانتماء، وما يبقى من الإنسان حين يبتعد عن جذوره.

 

وتتجلى هذه العلاقة أيضًا في حضور الرمل، الذي يحمل دلالات تتجاوز طبيعته المادية. فهو مساحة تحفظ الآثار مؤقتًا، لكنها تظل مهددة بالمحو مع كل تغير، مثل الذاكرة التي تقاوم النسيان، لكنها لا تستطيع دائمًا الاحتفاظ بكل ما مر بها. ومن هذه المفارقة تستمد الرواية جانبًا من حساسيتها؛ فالأشياء التي تبدو ثابتة قابلة للتبدل، وما نظنه راسخًا قد يتوارى، بينما تبقى بعض التفاصيل الصغيرة عالقة في الوجدان، عصية على الاختفاء الكامل.

 

ومن اللافت أن عالم الرواية لا ينفصل عن منطقة ملتبسة تتجاور فيها الحقيقة والخيال، والواقع والكوابيس. وتبدو عبارة «الكوابيس أخت الأحلام» مفتاحًا لقراءة هذا التداخل؛ فالحلم ليس دائمًا وعدًا بالخلاص، كما أن الكابوس لا يقتصر على الخوف، بل قد يكشف ما تعجز الشخصيات عن مواجهته في يقظتها. وبين الاثنين تتشكل مساحة تعكس اضطراب الإنسان، وتكشف أن ما يسكن داخله قد يكون أكثر تعقيدًا مما يظهر في حياته اليومية.

 

وفي هذا العالم، تكتسب الشخصيات، ومنها أمنة وعبد العليم والحاج عبد المجيد، دلالتها من تشابكها مع المكان والذاكرة والعلاقات الاجتماعية. لا تتحرك الشخصيات في فراغ، بل تحمل معها آثار البيئة التي صنعتها، وما تفرضه من قيود وتوقعات، وما تتيحه من فرص محدودة للمقاومة أو التغيير. ومن ثم، فإن مصائرها لا تُقرأ باعتبارها حكايات فردية فحسب، وإنما بوصفها وجوهًا متعددة لعلاقة الإنسان بمجتمعه وبالزمن الذي يعيش فيه.

 

وتبرز أهمية اللغة في «البرانسة» باعتبارها وسيلة لاستعادة عالم مهدد بالاندثار. فالأسماء القديمة، ومفردات الحياة اليومية، وطرائق الحكي، ليست مجرد زينة تراثية، بل أدوات لحفظ هوية المكان وتفاصيله من التلاشي. وحين يستعيد الكاتب هذه اللغة، فإنه لا يوثق الماضي فحسب، بل يعيد إليه قدرته على الكلام، ويمنح أصواتًا وتجارب ربما لم تجد طريقها إلى الكتابة من قبل فرصة للبقاء.

 

هكذا تتجاوز «البرانسة» حدود الحكاية العائلية لتصبح تأملًا في الذاكرة ومصير الأمكنة، وفي قدرة الكتابة على مواجهة الزمن. فالأمكنة تتغير، والناس يرحلون، والتفاصيل التي صنعت حياة كاملة قد تختفي تحت وطأة التحولات، لكن السرد يستطيع أن يستعيد بعض ما ضاع، وأن يمنح الغائب حضورًا جديدًا.

 

إنها رواية عن أولئك الذين يحملون أماكنهم معهم حتى حين يبتعدون عنها، وعن الذاكرة التي تظل مشدودة إلى جذورها مهما حاول الزمن قطعها. وربما تكمن إحدى رسائلها الأعمق في أن مغادرة المكان لا تعني التحرر منه، كما أن البقاء فيه لا يضمن الاحتفاظ به؛ فالمكان الحقيقي هو ما يتركه في الإنسان، وما يواصل العيش داخله بعد أن تتغير ملامح العالم من حوله. ومن هنا تصبح الكتابة فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة البشر والأرض معًا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة