الثلاثاء 27 فبراير 2024

عشق الغناء والموسيقى والملاكمة ومارسهم قبل التمثيل ذكرى محمود المليجى.. أطيب شرير على الشاشة

محمود المليجى

9-12-2023 | 14:50

نانيس جنيدى

تحل ذكرى ميلاد الفنان القدير، والشرير الطيب محمود المليجى فى يوم 22 ديسمبر، حيث وُلد فى هذا التاريخ من عام 1910، بحى المغربلين بمدينة القاهرة، وتعود أصول عائلته إلى قرية مليج فى محافظة المنوفية، ثم انتقل بعد ذلك مع الأسرة إلى حى الحلمية، والتحق بمدارسها، بعدها أكمل تعليمه الأساسى فى المدرسة الخديوية لاستكمال تعليمه الثانوى، قدم المليجى مشواراً فنياً كبيراً، قبل أن يرحل عن دنيانا فى 6 يونيو عام 1983، تاركاً رصيداً كبيراً من الأعمال المتنوعة.
ترصد «الكواكب» فى السطور التالية أبرز المحطات فى حياة الفنان الراحل محمود المليجى.

 

التحق المليجى بفريق التمثيل بالمدرسة، ثم تدرب على يد كبار الفنانين، أمثال جورج أبيض، فى بداية فترة الثلاثينيات انضم إلى فرقة الفنانة فاطمة رشدى، التى رشحته لأول بطولة فى فيلم «الزواج على الطريقة الحديثة»، وتوالت من بعده أعماله الفنية المتنوعة.
عشق المليجى الفن منذ صغره، وهو ما تسبب فى طرد والده له، وإقامته فى شقة صغيرة بمفرده، ورغم ضيق الحال وقتها إلا أنه كان مصراً على تحقيق حلمه، وظل يتنقل من دور صغير لدور أكبر، حتى لعب دور البطولة فى فيلم «الزواج على الطريقة الحديثة»، عام 1933، ومع فشل الفيلم فكر المليجى فى الاعتزال.
كانت بداية المليجى الفنية عند التحاقه بفرقة التمثيل بالمدرسة، وتدرب على يد كبار الفنانين وقتها أمثال جورج أبيض، وبدء العمل مع فرقة فاطمة رشدى.. وفى عام 1936 وقف أمام السيدة أم كلثوم فى فيلم «وداد»، ثم اختاره المخرج إبراهيم لاما لأداء دور «ورد» بفيلم «قيس وليلى» عام 1939.


كانت موهبة محمود المليجى يُحسب لها ألف حساب، فهو لم يقل أبداً عن النجوم العالميين، وعندما جاءته الفرصة الحقيقية كى يصل للعالمية رفض المشاركة حباً فى مصر.
والحكاية أن صناع الفيلم العالمى «وادى الملوك»، كانوا قد بدأوا بالفعل فى تسكين الأدوار، وكان الفيلم من بطولة روبرت تايلور وإخراج ويليام تيديرلى، ووقع اختيار المخرج على شرير السينما محمود المليجى، ليجسد دور مصرى يبيع آثار بلده، لكن ما أوقفه وجعله يرفض بشدة هو أن ضمن أحداث الفيلم سيتصدى له شخص أجنبى، فغار المليجى على مصريته ووطنه وسمعة أبناء وطنه ورفض الدور.
وما لا يعرفه الكثيرون عن المليجى، أنه كان يهوى الطرب منذ صغره، وتردد على مدرسة بجوار منزله كان يعمل بها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب معلماً للموسيقى فى تلك الفترة، والذى واجهه بحقيقة صادمة أنه لا يصلح للغناء، بسبب صوته الجاف الخشن ونشازه الواضح، وقال له عبدالوهاب وقتها: «أنت متنفعش تتكلم أصلاً علشان تغنى».
لم يفقد المليجى الأمل فى دخوله عالم الموسيقى، ليقرر تعلم العزف على الكمان، وبالفعل تقدم إلى الاختبارات وقتها أمام بديعة مصابنى، ليشعر بالتوتر ويتعامل مع الأوتار بخشونة ما أدى إلى تمزقها، ليهجر بعدها المليجى الموسيقى.


قرر المليجى بعد ذلك الاتجاه إلى الملاكمة، التى كان يهواها كذلك، حيث كشف فى تصريحات سابقة له عن شغفه بالملاكمة وحلمه بأن يصبح ملاكماً كبيراً، وبالفعل شارك فى بطولة الملاكمة، ولعب مباراة كبرى على مستوى القُطر المصرى، وواجه خصماً عنيفاً كان يزيد عنه فى الوزن بنحو 15 كيلوجراماً.. وروى المليجى أنه كان يعانى من شدة ضرباته الجبارة، قبل أن ينسحب مفضلاً الاحتفاظ برأسه فوق كتفه على حد قوله، وتنازل عن حلمه وقتها، وقرر ترك الملاكمة بعد هذه المباراة.
فى بداية مسيرة الفنان محمود المليجى الفنية كان يقدم أدواراً بسيطة ويعمل مع فرقة يوسف بك وهبى، وكانت تعمل معه فى الفرقة فتاة تدعى «علوية جميل»، وكانت معجبة به كثيراً ولم تصارحه بمشاعرها ولكن عندما جاءه خبر وفاة والدته حزن حزناً كبيراً، وكان وقتها يقدم عرضاً مسرحياً فى مدينة دمياط ولم يكن معه أموال لكى يقيم جنازة لوالدته، ذهبت علوية وباعت مصاغها وأعطته 20 جنيهاً، وهذا الموقف كان بداية العلاقة القوية بينهما.
نساء فى حياة المليجى
تزوج الثنائى المليجى وعلوية فى عام 1939وأحبها بصدق، وكان حريصاً على كسب ودها ورضاها بشكل دائم، وبمرور الأيام والسنوات تسرب الملل لحياته مع علوية جميل، فتعرف على الفنانة لولا صدقى، وفكر فى الزواج منها لكن علوية أجبرته على إنهاء هذا الارتباط سريعاً.
كما تزوج المليجى سراً من الفنانة درية أحمد ، التى كانت تعمل فى فرقة إسماعيل ياسين، وبعد شهر أجبرته زوجته علوية جميل على طلاقها أيضاً. 
فى السبعينيات، قرر المليجى التمرد على حصار علوية جميل، وتزوج سراً من الفنانة الراحلة سناء يونس، وعاش معها فترة طويلة، وبعد رحيله عام 1983 كشفت سناء يونس السر، وقالت إنها كانت شديدة الوفاء له.
استمر زواجه بالفنانة علوية إلى أن توفى المليجى.
جدير بالذكر أن الفنانة علوية جميل كانت متزوجة قبل المليجى ورزقت بثلاثة أبناء من زوجها الأول، بينما محمود المليجى لم تنجب منه أطفالاً.
اشترك الثنائى معاً فى عدة أعمال منها أفلام «سجين الليل»، «أولاد الفقرا»، «برلنتى»، «الملاك الأبيض».


ثنائيته مع الوحش
قدم المليجى مع وحش الشاشة فريد شوقى ثنائياً فنياً ناجحاً، ستمر لعقود فنية، ولكن نقطة تحوله كانت من خلال مشاركته مع المخرج يوسف شاهين عندما قدم دور (محمد أبو سويلم) بفيلم «الأرض» عام 1970. 
استطاع المليجى أن يترك بصمة قوية فى المسرح عندما التحق بفرقة «فاطمة رشدى»، ثم التحق بفرقة «إسماعيل يس»، ثم فرقة «المسرح الجديد»، ولم يتوقف محمود المليجى عند مجال التمثيل، ولكنه طرق مجال الإنتاج السينمائى أيضاً.
تنوعت أدواره وكانت علامات فنية لا يمكن لغيره أن يؤديها بنفس العبقرية، حتى أُطلق عليه لقب «أنتونى كوين العرب»، ورغم أنه كان أبرع من جسد الشر على الشاشة، إلا أنه يشهد له زملاؤه بأنه كان من أطيب الشخصيات وأكثرها خجلاً، كما كان الأب الروحى للأجيال التالية ونموذجاً وقدوة للكثيرين منهم.
قام بتسجيل صوت جارى كوبر فى دوبلاج فيلم «مستر ديدز يذهب إلى المدينة»، واشترك فى 21 فيلماً تم إختيارها فى قائمة أفضل 100 فيلم بذاكرة السينما المصرية حسب استفتاء النقاد فى عام 1996 وهى: «غرام وانتقام» (1944)، «النائب العام» (1946)، «غزل البنات» (1949)، «أمير الانتقام» (1950)، «لك يوم ياظالم» (1951)، «ابن النيل» 1951)، «المنزل رقم 13» (1953)، «الوحش» (1954)، «الفتوة» (1957)، «جميلة» (1958)، «إحنا التلامذة» (1959)، «بين السماء والأرض» (1959)، «وا إسلاماه» (1961)، «الناصر صلاح الدين» (1963)، «غروب وشروق» (1970)، «الأرض» (1970)، «الاختيار» (1971)، «العصفور» (1974)، «عودة الابن الضال» (1976)، «إسكندرية ليه؟» (1979)، «حدوتة مصرية» (1982).
فى يوم 6 يونيو 1983، وأثناء تصويره فيلم «أيوب»، توفى محمود المليجى، حيث كان يجلس قبل تصوير أحد المشاهد بصحبة المخرج هانى لاشين وعمر الشريف، إذا به يتحدث عن الحياة، ويقول: «الحياة دى غريبة جداً، الواحد ينام ويصحى، وينام ويصحى، وينام ويشخر». ويقول لاشين إنه بدء فى الشخير بالفعل، وقال له عمر «خلاص يا محمود»، واتضح أنه قد توفى بالفعل.
ويحكى السيناريست ممدوح الليثى أنه حمل جثة المليجى حتى منزله فى حى الزمالك، ووضعه على السرير، وقال لزوجته علوية جميل إنه لا يشعر بخير، لكنه كان قد مات بالفعل.
وعن هذا المشهد تحدث المخرج هانى لاشين لـ«الكواكب»، وقال فى تصريح خاص: «محمود المليجى وهب روحه للفن، حتى آخر كلماته وأنفاسه الأخيرة كانت داخل عمله الفنى، ولا أحب أن أسبق اسمه بلقب أستاذ، لأنها أقل من قيمة اسم محمود المليجى، فهو مثل بتهوفن لا يسبق اسمه بالموسيقار، ومحمود المليجى من أهم النجوم الذين ظهروا بالعالم بأكمله».


وعن تفاصيل اللحظات الأخيرة بحياته قال: «كنا نستعد لتصوير مشهد فى فيلم أيوب، يتطلب أن يظهر خلاله بأقل من عمره 30 عاماً، وفى هذه اللحظة قال: ورونى هتصغرونى إزاى؟، وكنت أنا وعمر الشريف نجلس معه فوجدناه يقول، غريبة الدنيا دى، الواحد بيتولد علشان ينام، ويصحى وينام، وينام ويصحى، ووجدناه يصدر صوتاً كأنه نائم، فضحكنا جميعاً، واعتقدنا أنه يمثل مشهد النوم، ولكنه أسند رأسه على كتفه وصمت».
وتابع: «اكتشفنا بعد برهة أن هذا الصوت كان حشرجة الموت، وقد صعدت روحه إلى بارئها، فأنهى حياته فى عمله الذى أعطاه عمره كله، فقد كانت لديه قدرة تقمص لم أرها فى حياتى، رحمه الله وتقبله فى عباده الصالحين».