الإثنين 17 يونيو 2024

الأذواق الموسيقية وتشكيل المجتمع

مقالات24-11-2021 | 15:15

من المعروف أن الموسيقى قد مارست دورها في المراحل الحضارية المتعاقبة عبر علاقة مباشرة بين المؤدين والمتلقين، وأثبتت التجربة الموسيقية بأن هذا الشكل من العلاقة كان له تأثير فعال في إبراز رسالة الموسيقى الإنسانية.

ولأهمية هذا التوجه ظهر (علم إجتماع الموسيقى) الذي يلقى الضوء على العلاقة المتبادلة بين الحراك الاجتماعي والإبداع الموسيقي، خاصة من حيث التأثير المتبادل سلبًا أم إيجابًا، بين الطرفين، وهذا ما يهدف إليه الكاتب في دراسة أعدها وحلل فيها علم إجتماع الموسيقى وذلك من خلال منظور نقدي لعلاقة الموسيقى بالمجتمع.

تعد الأغنية أكثر الأشكال الفنية التي عبر بها الإنسان عن أحواله ومواقفه، وتأثر بها في جميع مناسبات الحياة المختلفة التي يمر بها طوال حياته، فالأغنية تشترك إلى جانب مؤثرات أخرى، وأشكال فنية متعددة في صياغة عواطف الناس.

وتلعب الأغنية دورًا إيجابيًّا في بناء الفرد والمجتمع، وفي تأكيد وتأصيل القيم الإيجابية الخلاقة، التي يقوم بها وعليها هذا المجتمع، ذلك لأن الأغنية تقوم بدور خطير في التعبير عن إرادة الإنسان المصري وفي تشكيل وجدانه وفي صياغة مصيره كما تعبر عن آلامه وآماله. وعن أحلامه وأشواقه. وتطلعاته نحو غد مشرق ومستقبل يزدهر بنغمات المحبة والحرية و العدل والسلام." 

إن الأغنية المصرية الآن وهنا في بلادي لا تؤدي دورها هذا في بناء الإنسان المصري ومن هنا تنبع واجبات وتبعات اللجان المسئولة عن اختيار النصوص الغنائية وعن إجازة الأصوات الجديدة في وسائل الأتصال الجماهيرية من إذاعة، وتليفزيون وغيرهما.. ولا يخفى على هذه اللجان المسئولة أن الأغنية تقوم شكلاً وموضوعًا على الكلمات والصور وعلى اللحن الذي يترجم هذه الكلمات.

لقد تعرضت الأغنية المصرية إلى أزمة طاحنة ظلت تتفاقم حتى وصلت بها إلى حالة يرثى لها، وكان من مظاهر تلك الأزمة: ذلك الركود الفني الذى أصابها وأدى إلى توقف كبار فنانيها، من شعراء وموسيقيين ومؤديين عن العطاء نتيجة لتوقف الإذاعة عن إنتاج أغانيها التي عرفت "بالمختارات" مما أعطى فرصة ذهبية لتجار الأغاني الذين أغرقوا الأسواق بسيل من الإنتاج الهزيل الذى استطاع – برغم ذلك – أن يجد طريقه إلى ميكروفون الإذاعة، وشاشة التليفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي.

إن الفن مسؤولية كبيرة ومجرد كون الفنان قد أخذ على عاتقة مهمة نشر فنه بين الناس، يعني أنه تحمل هذه المسؤولية، أي تحمل العواقب الناجمة عن انتشار فنه بين الناس، ومن هنا كان من الضروري أن نحاسبه على الأثار التيي تجلبها أعماله الفنية بالمجتمع الذى نعيش فيه."

إن مشكلة الفن الهادف، أن أصحابه يصورون دعوتهم كأنها تفرض على الفنان أهدافًا معينة تحتم عليه أن يجعل من فنه أداة للتعبير عنها، وهذا الخطأ هو أخطر ما يصيب قضيتهم. وهو الذى يستغله خصومهم ويستمدون منه قوتهم، فلا جدال في أن حرية الخلق وتلقائيته، شرط أساسي لكل إنتاج فني سليم فإذا ضاع هذا الشرط، بدا العمل الفني متكلفًا لا روح فيه ولا حياة."

آراء النقاد فى ظاهرة الأغنية المعاصرة:

قال الناقد الموسيقي الكبير الدكتور (زين نصار) أستاذ النقد الموسيقي بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون: إن ما يعرف بأغاني المهرجانات يظهر في حالات التدهور الاجتماعي والفني، ووصفها بأنها وصمة عار على الفن المصري.

وأضاف خلال لقائه في برنامج "أهل مصر"، مع الإعلامي سمير عمر، والمذاع عبر فضائية "سكاي نيوز عربية"، أن الفن هو دليل الجمال لكن عندما يغني السوقة يضيع الجمال، مشددا على ضرورة أن يراعي أي مبدع أمرين في غاية الأهمية، هما تقاليد وأعرف المجتمع بحيث لا يدعو إلى الفجور أو المخدرات وغيرهما، ومراعاة سياق التراث الفني المصرى ومدارسه."

وألقى الدكتور زين نصار، باللوم على الإذاعة والتلفزيون وحملهما سبب ظهور أغاني المهرجانات، بسبب توقفهما عن اكتشاف ودعم المواهب الحقيقية التي تقدم فنا راقيا، مشيرًا إلى أن انتشارا مثل هذه الأغاني في فترات الاحتلال، أو بعد الانفتاح كان محدودا بسبب قلة منافذ الانتشار، والتي لم تكن تزيد عن الإذاعة أو الأسطوانات، بينما الآن الانتشار يحدث في نفس اللحظة بسبب الإنترنت، مطالبا النيابة العامة بالتصدي لكل من يخرج عن السياق العام للمجتمع أو لتقاليد الفن."

وقد علق الموسيقار الكبير حلمي بكر، على انتشار أغاني المهرجانات الشعبية، قائلا: "سمع عشوائي وليس ذوقي، والحكاية بدأت بالكلام مثل "الحشيش مش بتاعي"، كما أن شرب الحشيش في الأفراح أصبح شيئا عاديا جدًّا"، موضحًا أن معظم الموزعين عملهم يأخذ الصورة يضع لها برواز فيصبح شريك فى العمل."

وأضاف الموسيقار حلمي بكر، خلال حواره، للإعلامي عمرو أديب، ببرنامج الحكاية المذاع عبر فضائية MBC مصر، أننا وصلنا حاليًّا لمرحلة أن 10 أشخاص ينتجون هذا العمل، مشيرا إلى أن الحديث عن المطرب الشعبي يرفع من أجره، كما أن هناك بعض المطربين يدفعون أموالاً من أجل الحصول على جوائز."

ومما هو جدير بالذكر أن الموسيقار حلمي بكر قد شن هجوما شرسا على أغاني المهرجانات رافضا فئة مطربيها. وأضاف "بكر" في حواره في برنامج "الجمعة في مصر" المذاع على قناة " إم بي سي مصر"، قائلا:" شعبية أي مطرب تتمثل في الرواج القائم من القاعدة للقمة، ولكن هذا الأمر لا ينطبق على مؤدي المهرجانات."

إن القضية، أكبر بكثير من اختزالها في السجال الدائر على السوشيال ميديا، وتتجاوز حملات المقاطعة المنتشرة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لفلان أو علان، لأنها تخص أحد أهم ركائز القوة الناعمة، وهو الفن، لذا فإن التعامل معها بالصورة السطحية التي جرت خلال الأيام الماضية، سيزيد من اتساع مساحة الفوضى، وبالتأكيد ستكون التداعيات كارثية على مستقبل هذا البلد، خاصة أن الدولة لم تدل بدلوها وتحسم الجدل، وتعلن أنها ستتصدى لهذه الظاهرة، لكنها تركت الأمر للمتنافسين على التريند بالهاشتاج، وكأنها في انتظار النتائج لتعلن موقفها الرسمى، كما أنها لم تعلن دعمها لقرار نقابة الموسيقيين، وهى مؤسسة رسمية، معنية بالحفاظ على الذوق العام."

إن تفكيك المجتمعات ليس بالتناحر المجتمعي أو الاقتتال الداخلي فقط، إنما بمحو ثقافة الشعوب وتضليل العقول والتأثير السلبي على الوعي بالشائعات، وتدمير الهوية، وبالتالي نلاحظ، أن كل هذه العناصر موجودة ومتوافرة.

لا يمكن أن ينفصل الفن عن الذوق والإحساس بالجمال لأنها عناصر مكمّلة بين بعضها البعض، تقع على مستوى الموهبة والتقنية وحرفية الممارسة الفعلية للفن. تلك الممارسة التي تتفرد في الأسلوب لتخلق تميزا يؤسس للذوق الذي ينبع من الذات والفكرة ورموزها والتعبير عنها ومعايشة طبيعة المجتمع بمختلف تجليات التواصل فيه، لأن ذلك التفاعل بينها يخلق الذوق العام الذي يتفرع مع خصوصية كل متلقي.

فالذوق يقترن بالجمال ورؤية ذلك الجمال تختلف حسب الفهم لأنها ليست قوالب جاهزة ترى بنفس العين وتقبل بنفس الحواس أومن نفس الزاوية لأن الذوق الجمالي يخضع لمستوى الفهم ولقدرة المتلقي على قبول ذلك دون أن يخدش إحساسه سواء كقيمة أو كمبدأ أو كأخلاق وخيال.