الخميس 8 يونيو 2023

على غيرِ موعد

مقالات10-1-2022 | 13:28

لا يتأخّر دقيقةً عن المَوعدِ الذي يضربه لنفسهِ مُتَنفس كُلّ صباح، فما إن تَنثر الشّمس خيطها تمشي مشيتها الوئيدة في أخَاديدِ الأرض، حتّى ينَساب صَوتهُ يَسيلُ في الدّروبِ كما يسيلُ رضاب النَّدى من فوقِ أطرافِ الأشجار: "الكرات العريض النعناع البلدي"، "عبدالشافي" هذا اسمه وكفى، أمّا بلده فلا يهمك أن تعرفَ، طالما كفاكَ صاحبنا مؤونة السُّؤال: "بلدنا بحري لا تصلها إلّا الرَّكائب"، ألِفنا نبرَته يُخَالطها هُزال السّنين، يُغَلَفها قهر الغلابة أمثالنا، ما إن تَلمحهُ النِّساء؛ حتّى ينفضوا إليهِ مع تلألأ ضحكة يجلجل جرسها، يُمرِّر يدهُ في استسلامٍ يخطف القلوب، تنهب الأيدي بضاعته، يطبعُ مع كُلِّ قرشٍ وشم الرِّضا برزقِ الله وقسمتهِ، قُبلة حارة ثم يدسهُ في جيبهِ خَافقَ القلب، لم احظّ بإجابةٍ مقنعةٍ، اُردّد مستغربا: " ما الذي وضعَ القبولَ في بضاعتهِ دونَ سواه"، تقولُ "فكيهة ": “أرزاق ربنا تجعل من المشِّ شربات"، دائما اقلِّب المشهد في رأسي، استمرئ الأحاديث السَّاذجة في ارتياحٍ، لَكم خَطرَ ببالي: “متى قَدِمَ عبدالشافي قريتنا؟!"، يضحك" محروس " الحُصري، يحبس البلغم الرّطب أنفاسه، يزيح غابة "الجوزة" عن فمهِ في اهتياجٍ، يُفرِغ فمهُ المَلئ بالنّخامةِ على أقربِ جِدارٍ، يُمرّر طرف ملفحتهِ الكَالِحةَ فوقَ عينيهِ المُشبَعة بالدُّخانِ: “عبدالشافي دا يا سيدي بعد صلاتك ع النبي جا هنا بعد ما اطخّ المرحوم نعمان بسبوع "، كُلّ ما فيهِ يُنبئك عن شَخصٍ غامض؛ سُمرته الزَّائدة عن الحَدِّ، أسنانه المنضّدة بلمعتها الثَّلجية، عوده الرّقيق في صَلابةِ جُذورِ النّخيل، شعره الأبيض في وَهجٍ مُريح كلوزاتِ القطن يبرزُ من تحِت الطّاقية ، يُبالغ النّسوةُ في إِلحَاحٍ، يَسألون العَجوز عن سِرِّ نَضارة خُضرته، يقول " فوزي العتال" زاعما: “الرّجل يَسقيها من بئرٍ جوفية، ويغرقها بزبلِ الحمام "، لم نعهد في عينيهِ حَيرة الغريب، تُضئ نفسه مردّدا من فوقِ حمارهِ وقد بَلغَ بهِ التّأثر: “بالهنا والشفا اللي معاه واللي معهوش ياكل "، استقرَّ في خاطري بأنّ خلفه خبيئةٍ ما، لم يكن من صِنفِ أولئكَ الذين عرفناهم، لا يهبط قريتنا كُلّ اثنين، يسوق حماره بينَ تلافيف الأفقِ المُشَعّشع بنورِ الصُّبح يذهب للسوقِ في قريةٍ مجاورة، يرمينا بابتسامةٍ شاحبة، يؤشِّر بيده: "صباح الخير"، لا يفوّت المرور علينا في طريقِ العودة، نعتقد بأنّ حماره يَعرف أحوال قريتنا، تُبطن نظراته الودّ، يدبّ حوافره بحنوٍ، يعجب " مرزوق " الحمّار ضخامة جُرمه، يلتفت نحو " عبدالشافي " طلق المُحيّا، في ابتسامةٍ نُزعت عنه وسامته: “دا جحش مش عادي دا أبوه بغل "، من خلفِ شباك بيتنا اختلس النظرات، يستقبل صاحبنا حرارة النّهار الوليد، يتماوج فوقَ سحنتهِ بصيصٌ من الرزانةِ، يُخرج من جيبهِ مفكرة صغيرة يُدوِّن شيء ما، لا اعرف إلى الآن ماذا دوّن، ذاتَ ظهيرةٍ اخرجَ من الخُرجِ كيسه، شَرعَ في توَزيعِ الحلوى على المارة، قَالَ في انشراحٍ: “حلاوة النجاح عبالكم "، سَارَ مع الأيامِ تُلقي عليهِ من إشراقها، لكنّ فعلها المشؤوم تغلّب عليهِ، طغى التّأثر على نبراتِ صوته، كاشف يوما " فتحي المهداوي " عن أوجاعِ علةٍ قديمة، جعلت تزوره آونتهِ الأخيرة، ذَاتَ صبيحةٍ بدأ نفسه يتصاعدُ في صعوبةٍ، وكأنّه خيط دخان، نضا عنهُ جلبابه، ترنّح كالسّكران ثم انكفأ تحت الجدارِ، وفي غمرةِ يأسٍ توقّفَ قلبه، كانت شمس الظّهيرة تجثم على صدرِ البيوت حين أُذيع فاجعة وفاته، وعلى حينِ بغتةٍ شَقّ الفضاء بوق سيارة، افسحَ شيخ الخفر الطريقَ أمامها وهي تتخذ طريقها في مهابةٍ، لحظات وكان " عبدالشافي " محمولا بداخلها ليغادِر المكان، لكن هذه المرة بلا عودة، مرّر شيخ البلد يدهُ فوق كرشهِ، وقال: “لقد جاءَ أولاده، أفندية ملء العين، كيف لبائع كراث أن تكونَ لهُ مثل هذه العزوة ؟!"هَبَطَ قريتنا كثيرون بعدهِ، تلاحقت عبارات: “الكرات العريض "، لكنّهم لم تكونوا مثل "عبدالشافي".