الإثنين 5 ديسمبر 2022

محمد فيض خالد

عدو النِّعمة

'عدو النِّعمة'

'لم يكن على الهَيئةِ التي ترَكتهُ عليها آخرَ مرةٍ، تبدّى سمينا ليّنَ العود بعدَ جَفَافٍ، اعرف عنه البُخل والتَّقتير، وحُبّه القرش لدرجةِ العبادة، قالوا لقد انتفشت حاله بعد إذ تَحنّنَ عليِه المعلم عَزب ، فجعله ضمن حاشيته، والمعلم عَزب لمن يجَهله، مُتَعهِّد حفلات كبير لا يُشقّ له غبار'

'رحيل'

'أوقَفهُ والده على التَّعليمِ ، فَلم يَشأ أن يَشغله بشيٍء يُعيق نُبُوغه المُبكِّر كحالِ أقرانه من أبناء الريف، فصالح ابنه الوحيد رزقه بعدما فَني سبعة من الإخوة ِ الذُّكور قَبله، تتَخطَّفهم يد الحمى، بَعد إذ شَبّو واخذوا يدرجون طريقهم بين جُدراِن البيت، كانت مبروكة ترى فيهِ العِوض، نذرت لله نذرا، أن تُطِعم مساكين مقام سيدي الدماريسي كُلَّ جُمعةٍ طوال حملها، وما إن اطلّ للدُّنيا برأسهِ، فبشَّرتها نفيسة الداَّية: ذكرا كفلقةِ قمرٍ يملأه الحسن، حَتَّى اضمرت المرأة أن تُكمل ما نَذرت فتراه أفنديا. '

'أوهام الجنوبي '

'اطالِعُ بعينٍ تتَحاشى أن تَصطدِم بجهامةٍ غَلَّفت تقَاسيم وجهه الأسمر الفاحِم ، يَشرخُ في عُنفوانٍ مُفتَعل '

'أحزان حبيبة'

'في وقتٍ لم أكُن فيهِ غَيرَ قِطعةٍ من اللَّحمِ، لُفت في أقماطِها، تتقاذفها الأيدي في تأففٍ، وتتبعها العيون في اشمئزازٍ، قالت كريمة الدَّاية، مع أولى صرخاتي: تتربّى في عِز أبوها ، قذفتني مُكرَهة لجدتي، التي غَامت الدُّنيا في وجهها، لتَضعتني فِي غَصّةٍ بجِوارِ أمي التي كانت في سكرةِ، تَندِبَ حظها بوجهِ مأزوم: بت تاني، هو أنا ناقصة بنات يا ربي؟ ، سَادَ الغُرفة صمتٌ قاتل، تنادت الوجوه المُكفَهِرة في تأنيبٍ، شهقت جدتي في تضرعٍ، تتمنى لي الموت على أن أبقى يومًا، عَادَ أبي من الحقلِ؛ يتَوارى من سوءِ ما بُشِّرَ بهِ، مشت الأيام لم يتغيّر طبعه فضَاقَ بالبيتِ، كَرِه بكائي، حتّى أمي ضنّت عليّ بثدييها، ولولا بقية خشية؛ لتركتني أعاني حتّى يأت أمر الله. '

'«جلال»'

'ما أقسى تَصاريف الأيّام، ها أنا ذا انصرِف عن طريقي الذي سَلكتهُ خمسة أعوامٍ، تَتردّد في صدري مشاعرَ الكُره، اجدني بمفازةٍ من العذابِ في وجهةٍ اطويها، اُطالِع مطلع كُلّ صباحٍ طريقي'

'العَوَض'

'مرّت الأيّام يقطر في إثرها عمره ، يتألق في عينيهِ بريق الأمل ، يُطالِع شبحهُ حينَ يتراءى فوقَ ماءِ التّرعة ، يغرفُ غرفة بيدهِ '

'يا جريد النخل العالي'

'لا يَزالُ لوقعِ رَحيلهِ لوعَة يأسف عليها أهل القرية جميعا ، تتجدّد شُجونها غمّا، كلّما تناثرت كيزان طلع ذكور النّخيل ، يملأ غبارها الغيطان ، في مثل هذه الأثناء، وبينما الوجودُ يُراقِبُ'

'العقد الفريد'

'بَاتَ أخشى ما أخشاه؛ وطأة أصَابعها القَاسية، تَغرزها في جِلدي، تُمرِّرها بغلظةٍ حَول رقبتي المُلتهبة، أشعر بانسحابِ روحي لحظتئذ، تَهرس اللَّوزتين هَرسا مُؤلِما تَحتَ شَلالِ الزّيت الغامق'

'أضغاث أحلام'

'هَا هي تُبدي الشِّكاية والتَّأفف، تُبَرطِم بنبرةٍ مُستفزة، تضرب الحَائط بكفها اليابس، ترمق زوجها المُتَربعُ فوقَ حشيةِ اللَّيف، غائبًا وسط سُحبِ الدُّخان، يفرج عن غَابةِ الجوز الغائبة بين شفتيهِ، يطلق دفقات الدخان'

'عنبر 12'

'حَتّى إِذا ما توقّدت الشّمس والتَهبت خيوطها المُتَدفقة من بطنِ السّماء ، تُزيح عن وجهِ الرَّصيف بقايا نسيم الصُّبح البارد، يَتَهاطل الزُّوارُ من كُلِّ حَدَبٍ، يرمون بعيونهم المُرتَعِشة مبنى مستشفى الصَّدر ، افترشَت حسنية مكانا صَوب البوابةِ؛ تُطالِع حركتها، تلتمع حدقتاها في وجهٍ نُحاسيّ كئيب ، تمدّ يدها في وهنٍ تُخرِج كِسرةَ خبزٍ لدِنة ، وقطعة جبن قديم من بطنِ منديلٍ محلاوي باهت، تمسح فوقَ ظهرِ صغيرها سيد الذي تلهّى يلتهم حلواه، ترميه بابتسامةٍ طافت على شفتيها ، لتعودَ سريعا تمسح مدخل المستشفى الذي بدأ يستقبل زواره. '

'جَواز سفر'

'يتَوجّب عليّ تَجديد جواز سفري ، اعترف مُرغما بأنّ علاقتي بمكاتبِ إنهاء المعاملات الحكومية ليست على ما يُرَام، رُبّما لتَغيّبي عن الوطنِ في غُربةٍ بلا نهاية ، ما إن وقعت عينيّ على تاريخِ الانتهاء ، حتى عاجلت ذاكرتي مَخاوفَ لا حَصر لها'

'على غيرِ موعد'

'لا يتأخّر دقيقةً عن المَوعدِ الذي يضربه لنفسهِ مُتَنفس كُلّ صباح، فما إن تَنثر الشّمس خيطها تمشي مشيتها الوئيدة في أخَاديدِ الأرض، حتّى ينَساب صَوتهُ يَسيلُ في الدّروبِ كما يسيلُ رضاب النَّدى من فوقِ أطرافِ الأشجار'

'حبر على ورق'

'قالوا إن فأسه لا يحملها إلا ذُو بأسٍ شديد، منْ ارتَوى مِن حَليبِ أُمهِ، هكذا أذاعَ النّاس مُذّ تفتّحَ شباب إبراهيم وبَزَعَ نجمه، يَتنَاقل عن فتوتهِ قصصا تُلهِب المشاعرَ، وتُثير حَمية كُلّ غِطريفٍ عظيم، لا يفتأ والده يُذيع على الملأِ، وبين رواقِ السّامر حكاية فأسه العجيبة، التي اقتطعها من قضيبِ السِّكة الحديد، يَسرِدُ مَأخوذًا ونشوة السَّكرى تَطفحُ من عينيهِ ، كيفَ ادّخَرها لأجلِ إبراهيم ، ساعة كَانَ جنينا يَسبحُ في بطنِ أمهِ، في غمرةِ عاطفته البريئة يحملهُ في لفائفهِ، يُمرِّر يدهُ فوقَ هراوتها، ثم يَصيخُ بأذنيهِ كأنّما يتَسمّع صَخب مستقبله الحَافِل. '