الثلاثاء 27 فبراير 2024

ماذا يريد الرئيس؟!

مقالات27-4-2022 | 16:03

قرارات فى غاية الاستثنائية، ورسائل مثيرة للنقاش، مترامية الملفات..هذا بعض خلاصة ما انتهى إليه حفل إفطار الأسرة المصرية، الذى جاء متناغما مع أجواءه الاحتفالية المتشابكة بين الأعياد الوطنية والدينية المتعددة، ومتوائما مع الأحداث الداخلية والخارجية الصعبة التى نواجه تحدياتها الدقيقة، ومتفاعلا مع حالة الجدل التى أثارها مسلسل "الاختيار٣"، داخليا وإقليميا بل ودوليا.

 

وبعد سماع كلمة الرئيس، ومتابعة القرارات العديدة المتنوعة، التى أصدرها خلال جلسته غير التقليدية فى لفتاتها قبل قراراتها، روادنى سؤالا قويا، ماذا يريد الرئيس السيسى من كل ذلك؟!، ولماذا الآن بالذات؟!، وما هو رد الفعل المتوقع داخليا وخارجيا، وتأثير هذا اقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا؟!

 

وفى محاولة للإجابة على هذه الأسئلة الصعبة، كانت هذه المساحة، التى نتشارك فيها حالة النقاش التى أثارها الرئيس إيجابيا بقراراته ورسائله.. فهناك طريقة تعامل جديدة على العقيدة المصرية، تعتمد على الربط بين توثيق دراما تلفزيون الواقع، المتمثل فى "الاختيار٣"، والواقع السياسى الحالى، من خلال لم شمل المعسكر اليوينوى من جديد، بعدما تعرض لبعض التحديات خلال السنوات الأخيرة، وكانت لفتات الرئيس مع قيادات المعارضة من أمثال حمدين صباحى وخالد داود، تأكيدا على ذلك، تماشيا مع الدعوة لحوار وطنى جامع، يقوده الشباب، وهو أمر فى غاية الأهمية كانت تحتاجه الساحة السياسة المصرية، ولم يكن يقدر أحد على إطلاق مبادرات من هذا النوع، سوى الرئيس.

 

مدلولات عديدة ومتسارعة، من الممكن أن تغير فى الخريطة السياسية والإعلامية والصحفية..أراها رسالة للداخل قبل الخارج، كما يتصورها البعض، خاصة أن القاهرة لا تتعرض لضغوط فى هذا الإطار، على الأقل فى الفترة الأخيرة، وعلى الأقل أيضا علنية، ولو تعرضت ترد بقوة.

 

وبالتالى فالأمر جاء طواعية، فى وقت تحتاج الدولة المصرية بكل مؤسساتها للم الشمل، فى مواجهة تحديات غير تقليدية، تتطلب قرارات فى غاية الخطورة، لا يستطيع أحد مواجهتها وحده، ومنها ملف الانفجار السكانى، الذى يؤتى على الأخضر واليابس، وكثيرا ما يشتكى الرئيس من هذا الكارثة، التى تقوض كل الإنجازات، وتزيد المعاناة، خاصة مع الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، داخليا وعالميا.

 

وإن كان الأمر يحتاج بعض النفس الطويل، وبعض التجاوب من القوى السياسية المختلفة، والتى منها ما وصفت بالمعارضة، رغم عدم تواجدها أساسا فى أى تمثيل برلمانى، فهل هذا يؤهل لتواجد متلون فى الانتخابات المحلية، خاصة إنها الانتخابات الأقرب، أم أن هذا إعداد غير تقليدى للانتخابات الرئاسية المقبلة، خاصة إنها من الممكن أن تتزامن مع الدخول فى نظام عالمى متجدد.

 

الأفكار كثيرة، ونطاق النقاش والتصورات واسع، باتساع أفاق قرارات السيسى، وبتنوع رسائل الرئيس، التى تعرضت لعدة ملفات حيوية، حتى بما فيها ما كان معروفا من قبل، ومنها طرح شركات تابعة للجيش والدولة فى البورصة، وتداخل القطاع الخاص فى أصول الدولة بأشكال نترقبها كلنا، فبالتأكيد لا يدور الحديث عن خصخصة من نوع جديد، أو بعنوان مختلف، خاصة إنه معلوما للجميع الخلفية المثيرة لهذه السياسة، وما فعلته فى الاقتصاد والمجتمع المصرى خلال السنوات الأخيرة.

 

أتصور، أن هذه واحدة من أهم محاور النقاش، التى ستنال قسطا كبيرا من الجدال، بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية، لتحديد مصير أصول الدولة، وفهم تصور الرئيس بشكل صحيح، وبالتالى فعلى الحكومة وفق تكليفات الرئيس المتعددة أن تقدم لنا تصورا كاملا عن هذا التكليف الرئاسي، وبالطبع سيكون للبرلمان بغرفتيه دورا كبيرا فى هذا الملف الجيزة جدا.

 

وبالحديث عن دور الحكومة فى هذه الرسائل الرئاسية، فكبير جدا ومعقد للغاية، ونترقبه عن كثب، وأدعو رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولى، لتشكيل لجنة وزارية برئاسته لمتابعة هذه التكليفات الرئاسية وتنفيذها على وتيرة سريعة ومستوى احترافي، خاصة أن المجتمع الدولى قبل الداخلى يرقبها بشكل كبير، وهذا واضح من ردود الفعل الأولية من هذه الرسائل السيساوية غير التقليدية فى الإجمال، وبالتبعية فالأمر يتطلب حكومة قوية، وعلى هذا الأساس، من الأفضل أن تتم بعض التطويرات على كراسيها، ومنها على سبيل المثال ملفى الصحة والإعلام المعلقين.

 

لكن الدور ليس على الحكومة فقط، بل على الرئيس أيضا، لأنه وحده القادر على دفع هذه المتغيرات والتطويرات حتى النهاية، وهو ما وعد به الرئيس بالفعل، فيما للمواطن المصرى دور أيضا، وشكره الرئيس على دوره وتحمله المعاناة، لكنه أيضا حمله مسئولية الانفجار السكانى، رغم إنه لا يتحمله وحده، فكل مؤسسات الدولة المصرية تتحمل هذا الخطأ الكارثى التاريخي، والأمر يتطلب تحرك شامل من كل مؤسسات الدولة، ولا أستبعده قريبا.

 

فيما هناك أيضا دور كبير للقوى المجتمعية والسياسية، وكان هذا ايضا واضحا فى تعليقات المجلس القومى لحقوق الإنسان، لكن كان غريبا تأخر ردود الفعل من القوى السياسية ومنها المعارضة، فلم تتفاعل بشكل سريع مع دعوات ورسائل الرئيس، ومن الممكن أن يكون هذا منطقيا، فى محاولة لقراءة المشهد، لكن على ذلك آلا يطول، حتى لا تضيع الفرصة، استغلالا لإجترار حالة لم الشمل التى كانت بين مختلف القوى السياسية والشبابية ضد أعداء وأزمات الوطن، ولا يمكن أن ننسى فى هذا السياق، أزمة السد الإثيوبي.

 

المشهد المصري، سيكون مغايرا بشكل مهم خلال الفترة القليلة المقبلة، بفضل هذه التكليفات والرسائل الرئاسية، ويلاحظ أن هذا يأتى فى وقت صعب، يجابه فيه المجتمع والدولة تحديات اقتصادية غاية فى الصعوبة، وعلى الإعلام والصحافة أن يتفهموا ذلك، ويقدموا فكرا مغايرا لما هو متواجد الآن، يتماشى مع رؤية الرئيس وتطلع المجتمع.

.. والنقاش مستمر..