السبت 13 ابريل 2024

فى إطار الحوار الوطنى لدعم الأسرة المصرية

مقالات12-5-2022 | 23:54

لقد أحسن سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى صنعاً عندما دعا إلى حوار وطنى شامل للوصول إلى السلم الاجتماعى الكامل فى المجتمع المصرى، وانطلاقاً من مسئوليتى الدعوية والفكرية والوطنية وتجاوباً مع دعوة سيادته، أكتب هذا المقال حول بعض النقاط التى تهم الأسرة المصرية وتعالج ثغرات فى هيكلها الأخلاقى والوطني.

 

والأسرة المصرية عبر التاريخ، عاشت حول ضفاف نهر النيل، بملامح وقيم متميزة أخلاقياً واجتماعياً، حتى قبل نزول الأديان السماوية، ووجود الأنبياء والرسل بين الشعب المصرى القديم. فقد نقل الدكتور عبدالعزيز صالح فى كتابه "الأسرة المصرية فى عصورها القديمة" - طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب - الكثير من ملامح الأسرة عند المصريين القدماء، لقد عرف المصرى القديم المسئولية الأسرية، والولاء العائلى، ورعاية الزوجة والأطفال منذ آلاف السنين.

 

ولا أدل على ذلك من تراث المصريين القدماء الموثق عبر جدران المعابد، وكذلك البرديات باللغة الهيروغليفية القديمة المثبت لعظمة المصرى فى الحفاظ على الهيكل الأسرى فى المجتمع باعتباره أحد أبرز أعمدة القوة فى الأمة المصرية، فالحكيم بتاح - حوتب، الذى يعود تاريخه إلى أكثر من أربعة آلاف عام، ترك نصائح مهمة فى جانب القيم الأسرية والتماسك العائلى، ومسئولية الزوج والزوجة فى الحفاظ على كيان الأسرة الشامل.

 

يقول بتاح - حوتب "إذا أصبحت كفئاً (أو رشيداً) أسس بيتك (أى كوّن أسرتك)، وأحب زوجتك، أو عاملها بما تستحق"

وهناك حكيم آخر يتحدث عن الزواج، ويوجه نصيحة إلى ابنه الذى يدعى خنسو، يقول: "تجد لك زوجة وأنت شاب أو رشيد، لتربى أطفالك، وتعاملهم بالحسنى"

وهناك أديب مصرى آخر يدعى غنخ - شاشنق، يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ينصح ولده ويقول: "اتخذ لك زوجة حين تبلغ العشرين، حتى يأتى لك الخلف. وأنت فى ريعة الشباب".

وقال أيضاً "احذر أن تتخذ فتاة سوقية الطبع زوجة، حتى لا تورث أبناءك تربية فاسدة".

 

فالأسرة المصرية القديمة كانت مستقرة تماماً، فى عصر يوصف بالهمجية ولا يعرف التحضر أو الإنسانية، ولقد دخل الدين كعنصر قوى فى كل أعمال المصريين القدماء الخاصة والعامة، وكل دارس لتلك الحضارة العظيمة سيجد الدين فى التقاليد والقوانين الأسرية وفى الإرشادات الصحية، وأوامر الجند، وفى الحرب والسلم، وفى الزراعة.. الخ

 

وكانت فلسفة المصريين قائمة على الفكر والعقل والعقيدة.

وهذه الجزئية ينبغى الوقوف عندها جيداً، فالدين فى حياة المصريين القدماء لم يكن حجر عثرة أمام تقدمهم وانتصاراتهم وبناء وعيهم الدنيوي، وكان ذلك من أبرز دعائم القوة المجتمعية على مستوى الأسرة فى مصر القديمة.

هذا وقد جاء فى القرآن الكريم أن من الأنبياء من تربى فى أسرة مصرية، ومنهم من احتمى بالأسر المصرية والمجتمع المصرى، فيوسف عليه السلام الذى باعه إخوته بدراهم معدودة وظل يتنقل كسلعة من تاجر إلى تاجر، حتى وصل إلى يد المصرى الذى قال كما سجل القرآن: وَقَالَ الَّذِى اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21).  سورة يوسف

 

بالطبع إشارة القرآن إلى جنسية هذا الرجل (من مصر) لها مدلول واضح فى إظهار شهامة المصرى الذى يمنح الخير بلا مقابل، فكانت الأسرة المصرية وعاء حماية وحصانة وتربية لنبى الله يوسف عليه السلام، وفى أحضانها وهبه الله تعالى العلم والحكمة..

قال تعالى: "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ" (22). يوسف.

والنبى الآخر الذى تربى داخل أسرة مصرية، هو موسى عليه السلام، فقد صنعت امرأة فرعون مع موسى ما صنعه عزيز مصر مع يوسف.

"وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) سورة القصص.

أما سيدنا المسيح عيسى عليه السلام مع عائلته المقدسة، فقد حماهم الله تعالى بمصر وأهلها من بطش الروم، وظلت العائلة المقدسة فى ضيافة مصر عدة سنوات..

قال تعالى: " وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) الأنبياء

 

وقد كتبت فى مقال سابق بعنوان "المكون الدينى للشخصية المصرية" بعض نقاط القوة فى الشخصية المصرية المعاصرة لتكون مدخلاً فى ترميم الأسرة المصرية وعودة منظومة القيم والأخلاق وخاصة على مستوى الأسرة، وقلت: لا يزال الدين هو الدافع الأساسى عند المصريين للتعامل فى كافة شئون الحياة، وتطبيقاً لنظرية اللاوعى الجمعى التى اكتشفها عالم النفس السويسرى (يونج) (1875-1961)

فإن المصريين فى العصر الحاضر ورثوا صفات عديدة من أجدادهم عبر مساحة اللاوعى الجمعى.

 

ونظرية التحليل النفسى فى علم النفس تقسم عقل الإنسان إلى قسمين:

  1. الشعور (العقل الواعى)
  2. اللاشعور (العقل الباطن)

وقد اكتشف يونج اللا شعور الجمعى وهو مساحة تختزن فيه خبرات الجنس البشرى المتراكمة عبر الأجيال مثل:

التدين وحب الأم والتضحية للوطن، الخ.

وبناء على ذلك فإننا نجد التوافق فى كثير من جوانب السلوك بين المصريين وأجدادهم

ومثال ذلك: ما يسميه المصريون بالشهامة

وهى سرعة الاستجابة لإغاثة ملهوف أو تضحية بلا تفكير أو حساب!

فسلوك المصرى اليوم يتشابه كثيراً مع سلوك جده القديم بشهادة التاريخ والقرآن والواقع.

إلا أنه فى مقابل ذلك أصيبت الأسرة المصرية المعاصرة بشروخ كبيرة فى البنية الاجتماعية والأخلاق والقيم!! لأسباب كثيرة يرصد كثيرها علماء الاجتماع!

 

ومن هذه المشكلات:

1- ضعف الولاء الأسرى عند البعض ويظهر ذلك فى زيادة معدلات الطلاق، وعدم تحمل بعض الرجال مسئوليته تجاه أسرته وأطفال!!، وكثرة الشقاق بين الزوجين، ومن ثم ظهرت مشكلات اجتماعية خطيرة عجز المجتمع عن حل كثيرها، مثل مشكلات رؤية الأطفال من قبل الطرف الغير حاضن للطفل وكذلك من له حق الحضانة، وزواج المراة عرفياً بعد طلاقها حتى تحافظ على حضانة الصغير وما ينتج عن ذلك من آثار سلبية وأزمات تزيد الأسرة أعباء فوق أعبائها، الخ

2- تربية الأطفال فى هذا الواقع المعقد وتوجيههم وفق مداخلهم المناسبة.

وقد سبق وقد كتبت عدة مقالات عن تربية الأطفال فى عصر الميتافيرس، وكيف يوجه الآباء أطفالهم فى المجال الفضاء الألكترونى؟

3- حماية الأسرة المصرية من التدين المسموم بأفكار الغلوو التطرف

ويمكن مواجهة ذلك بإنتاج خطاب دينى بصبغة وطنية، يعالج هذا التسميم فكراً بصورة ناعمة وجاذبة، خطاب يعترف بالعلم والثقافة والتاريخ والعلوم المختلفة، يبرز جوانب الإسلام فى التسامح والجمال والتصالح مع الذات والمجتمع والعالم كله.

خطاب يجمع بين الفكر والتصوف المعتدل لمليء الفراغ الروحى والخلقى ويعالج مشكلات الشباب الفكرية والعاطفية والروحية.

وصياغة هذا الخطاب ليس مستحيلاً ولا معجزة، بل هو أسهل ما يكون عند وجود الإرادة والعلماء المناسبين لهذه المهمة.

 

وقد كتبت خطة تنفيذية فى هذا الشأن تحت مسمى "مشروع توضيح" لصناعة خطاب دينى معالج لكل هذه المشكلات ومحصن للشباب من تجنيد الجماعات المتطرفة.

وقد سبق إطلاق بعض المبادرات فى هذا الشأن منها:

• مبادرة "بالعقل.. كدا"، وهى مبادرة تم إطلاقها يوليو 2014م، وكانت تهدف إلى مناقشة الفكر الإلحادى والفكر التكفيرى من خلال اللقاءات المباشرة للشباب فى كل أنحاء المحافظات بالتعاون مع وزارة الشباب.

 

• مبادرة "الخريطة الذهنية للشباب"، وهى مبادرة تهدف إلى التعرف على أفكار الشباب وما يدور بأذهانهم وما يشغل عقولهم وعلى مدار العديد من اللقاءات والفعاليات الخاصة بالشباب ولقد تم جمع أسئلة الشباب التى تشغل بالهم وتدور بأذهانهم والإجابة عليها إجابة بسيطة سهلة سمحة فى رسائل سريعة.

• لقاءات الحوار الفكرى لطلاب الجامعات المصرية فى معهد إعداد القادة بحلوان والذى تضمن ردوداً مقنعة لكل أسئلة الشباب فى صيف عامى 2018 و2019.

 

4- حماية الأسرة المصرية من الدجل والخرافة، حيث لا تزال  شريحة من المجتمع المصرى تتقبل الدجل والخرافة باسم الدين.

وقد كتبت مقالاً سابقاً يعالج هذه الظاهرة بعنوان "أنقذوا العقل المصرى من الدجل"

وبمتابعتى للخطاب الرسمى فى خطبة الجمعة، وجدته خطاباً وعظياً وشعائرياً غير مقنع وغير مؤثر بالدرجة التى نحتاجها لمواجهة مشكلات الأسرة المصرية.

وهناك ثغرات دينية وثقافية كبيرة فى الخطاب الدينى المعاصر بسبب تغييب عقل الوعاظ والخطباء وفقرهم ثقافياً ومعرفيا.

 

وبالتالى لابد من وضع خريطة موضوعات لهم وتلقينهم المضمون المناسب من قضايا الروح والنفس والعقل والقلب وموضوعات الحروب الحديثة وكيفية المواجهة! وحبائل الارهاب والتحذير منها.. الخ

وتدريبهم على صناعة خطاب يدعوا إلى العمل والإنتاج، والتسلح بحقائق العلم مع أصول الاسلام، فذلك خَير وسيلة للاقناع وسوق الناس إلى الخير.

 

 إن تكوين العلماء والوعاظ من أهم مشروعات الوعى الدينى ونحن نواجه حروباً فكرية ضارية، كما أؤكد أن الخطاب الدينى الإعلامى فى أزمة كبيرة كشأن الخطاب الدينى الوعظى الذى لم يعد مؤثراً أو مجابهاً فى معاركنا الفكرية والأخلاقية، وحان الآن للتدخل السريع من قبل الدولة المصرية.

 

5- مشكلات الشباب داخل الأسر المصرية فى الولاء الدينى والولاء الوطنى.

فالشباب فى عصر السوشيال ميديا يحتاج إلى ارتواء روحى ودينى وعلمى ووطنى حتى لا يكون لقمة سائغة لمن يستهدفونه.

وكثير من الآباء يشتكون دائماً من أبنائهم فى سن المراهقة عندما يجنحون نحو التمرد على القيم والأخلاق والولاء للوطن.

وفى هذه الجزء تحديداً أذكر ما كتبته فى مقالى مواجهة مشكلات الشباب فى الجمهورية الجديدة وذكرت فيه الاقتراحات التالية:

1- نشر محاضرات أساتذة أكاديمية ناصر العسكرية فى مفهوم الدولة والحروب الحديثة والأمن السيبرانى الخ.  فى وسائل الاعلام والسوشيال ميديا وفى كل المدارس والجامعات.

 

2- نشر محاضرات عن مصر ومكانتها فى القرآن والأديان والتاريخ فى كل المدارس والجامعات وفى منتديات الشباب وفى وسائل الإعلام والسوشيال ميديا.. نظراً لجهل الكثير من أبنائنا بدور مصر ومكانتها.

 

3- تدريس مادة عن الولاء والانتماء الوطنى على المستوى الاجتماعى والدينى لطلبة المدارس والجامعات.

 

4- تفعيل الحوار مع الشباب وتسجيل الملاحظات وتحليلها والعمل على حل المشكلات.

 

5- مراجعة ومتابعة كل الفئات التى تتعامل مع الشباب على المستوى الفكرى والعلمى، مثل المدرسين وأئمة المساجد وأساتذة الجامعات الخ ، والتأكد من توجههم الوطنى والفكرى وتدريبهم تدريباً جيداً للقيام برسالتهم على أكمل وجه لصالح الأمة المصرية وحتى يكونوا رجال مهام وليسو رجال كلام.

 

6- مراقبة وتسجيل كل ما يُذكر فى المساجد والزوايا من خطاب. سواء كان خطبة جمعة أو درس أو ندوة  وتحليله وتقييمه وإعادة النظر فيه بناء على المطلوب من الخطاب الدينى  (وهذا متبع فى كثير من الدول) والهدف من ذلك الوقوف على ماهية الخطاب الدينى وتقييمه وإصلاح أخطائه.       

وكذلك متابعة الخطاب الدينى فى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى رصداً وتحليلاً وتقييماً.             

 

اقتراحات لمواجهة ظاهرة الإلحاد:

  1. تجميع كل الشبهات الفكرية للملحدين وكذلك مداخلهم لإقناع الشباب بأفكارهم.
  2. عمل لجان من أطباء نفسيين وعلماء اجتماع وعلماء متخصصين أزهريين وعندهم خبرة كافية فى التعامل مع الشباب لرصد الظاهرة وفرز فئات الملحدين  (الملحد المتمرد نفسياً - الملحد المشوش - الملحد اللادينى - الملحد فكرياً) الخ
  3. عمل برامج تدريبية لمجموعة من شباب أئمة الأوقاف ووعاظ الأزهر فى كيفية الحوار والتأثير وكيفية تناول هذه الموضوعات.
  4. عمل خط ساخن للأسر التى تعانى من إلحاد إبنها الشاب ومساعدتها والحوار معه ومساعدته.
  5. عمل لقاءات توعوية بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة والتربية والتعليم تستهدف فئات الشباب لتوعيتهم برسائل شيقة ومؤثرة.
  6. عمل فيديوهات لا تتجاوز الدقيقتين لكل فيديو رداً على كل مسالة يستند اليها الملحد عقلاً وفكراً ونشرها على السوشيال ميديا وكذلك تحويل الإجابات إلى بوستات ونشرها.

 

هذه بعض النقاط التى أتمنى مناقشتها فى مؤتمر الحوار الوطنى بفاعلية من خلال أهل الخبرة والذكر لوضع استراتيجية شاملة ورؤية عامة لدعم الأسرة المصرية وترميم هيكلها الأخلاقى والقيمى.

 

والله الموفق والمستعان.

المدير العام السابق لتدريب الأئمة بوزارة الأوقاف

أمين أمانة الشئون الدينية بحزب حماة الوطن