الأربعاء 19 يونيو 2024

حديث النفس.. بدون عنوان!

مقالات9-6-2022 | 22:08

أشياء محيرة أو حتى مخجلة لا تستجمع ولا تستحضر.. ليس لها عنوان.. الأجمل أن يضع كل منا لها عنوانًا.. فى عالم مختلفين فيه حد الاغتراب ومتشابهين حد الاختناق.. غرقنا وتبعثرنا وكنا كالفتات غير الصالح.. أهواء تحكمنا ومصالح تحركنا.. ورغم ذلك نُعقدها ونبحث عن هويتنا الضائعة.. عن شيء يذكرنا بأنفسناـ كما نحب أن نبدو.. فعشنا حياة بين البقاء والانسحاب.. اليأس والأمل.. العمل والكسل.. فى حروب ليس لها بداية ولا نهاية.. مهمشين يحركنا الخوف فى متاهة وسط الزحام!

يختلف كل منا فى علاقته ونظرته لكل ما حوله من أشياء وشخوص وحتى الأماكن ويحتفظ بشفرة خاصة لها بالرغم من التشابه الظاهرى لها، فتتحول أمورنا وأحوالنا وأشياؤنا لكيانات مبهمة.. يحمل كل منا عنوانا لها رغم أنها تبدو واضحة، فقد علم الله سيدنا آدم الأسماء كلها ومع ذلك تختلف ماهيتها من شخص لآخر، فما يبدو بسيطا لأحد قد يبدو معقدًا لغيره فمعيار الماهية نسبى وخاص.. أنت نفسك معيار أهميتك يكون بقدر الاحتياج إليك أو حسب مكانتك وسط المجموع.. واذا ما اشتد قدر تعلقنا بالأشياء والأشخاص زاد تخوفنا من فقدانهم، ودائما نؤكد لأنفسنا أن ما فقدناه لا يعوض.. والجرح الغائر لا يلتئم.. وما يتبعثر يشعله الشتات.. فيحركنا الخوف فى التعلق والفقد.. فمهما كان المفقود كبيرا أو صغيرا ما يجود الزمن بغيره لا يماثله.. رغم أننا نحاول أن نملأ به فراغه.. وليس معنى ذلك أننا نفقد دون أن نأخذ لكننا نسعى لشبيه ما فقدناه لنداوى جرح أرواحنا.. فنكره الخسارات ونخشى آلامها ونهرب منها بعدما أصبحت أمورا مخبأة استعمرت نفوسنا ولا ينفع معها تجاهل أو نسيان، فتتحول معها نفوسنا لمسارات ومتاهات فارغة تمثل أجزاء من الحاضر والماضى والذكريات تتآمر علينا فى لحظات ضعفنا، وتتحين الفرصة لتعذيبنا ولا تنفع معها أى محاولات للهروب أو التخطى، فنحيا واقعا من حقائق ممزوجة بوهم.. واقع يخفى إرثا من الحزن.. ورغم قسوة الحياة لا تهدينا الموت لإراحتنا من شقائها وكبدها.. فتجعلنا فى حرب وصراع بطله الخوف، سواء كان ظاهرا أو مخفيا يحتفظ بأعراض تكشف وجوده، ونحاول أن نواجه عجزنا فى حسابات المكسب والخسارة.. فنبحث عن شيء يذكرنا بأنفسنا كما نحب.. نشعر معه أننا مازلنا على قيد الحياة، فنسعى باحثين عن هويتنا الضائعة ومفتاح الحياة فى سلسلة من حالات التعايش فى كر وفر بين اليأس والأمل.. والعمل والفتور.. والنهوض والانكسار.. نطارد أنفسنا وسط زحام داخلنا وخارجنا.. نشتاق لها فيدفعنا نجاحنا مع ذواتنا لاحتضانها.

ونحاول التواصل مع ذواتنا ومحاسبتها حتى نقضى على الخوف القابع فى نفوسنا وقد نهرب منها متأثرين بسطوة إشكالية الضمير التى أفرطنا فى البحث عن ماهيته وجدلية مسؤولية أنفسنا تجاه أفعالنا فى ظل مترابطات عديدة فى علاقتنا بالمجتمع ووهم الكمال والفجوة بين الواقع المعاش والمنشود المأمول، لنخلق لأنفسنا حالة من التيه مع ذواتنا يزكيها شعورنا بالنقص فى مقارنات عقيمة، فتتشكل حالة معقدة لإيجاد أنفسنا بصورة تجعلنا لا نستوعبها، فنتوه عن عنوانها ونفقد التواصل معها.. أو قد نكون من الفطنة ما يجعلنا نخلق فى أنفسنا حالة من الإصرار والتحدى والأمل فى خلق شعور بأننا قريبين من تحقيق أحلامنا، فنتمسك بأى علامة أو ملمح أو حتى شخص يشعرنا بأننا على الطريق الصحيح ونشعر معه بالرضا النسبي.. فنحن دائما نخلع أى ضعف أو إشكالية داخلنا على ما حولنا من أشياء وأشخاص، ونظن أن ارتباطنا بهم يجعلنا نحقق ما نصبو إليه.. فنخلق منهم وطنا وسكنا لأحلامنا، وفى الغالب نفقدهم ونعود مرات للمتاهة النفسية.. وهو ما يخلق داخلنا حالات الخوف والهلع لأن فقدانهم يعنى التشرد والتشرذم.. وهكذا فى كل أمور حياتنا نتحول فيها من الأمور غير المحسوسة إلى الملموسة التى نفقدها فى وسط الطريق.

فيملأ الخوف نفوسنا ويخلق أشباحا تطاردنا.. فنواجه الخوف الساكن داخلنا بأساليب مختلفة ونحيا فى تناقض معه فنتظاهر بأننا سعداء بالواقع الذى نعيشه.. فنرتدى أقنعة كثيرا لا تناسبنا تكون كاشفة لمن يرانا، لاستجماع قوانا وشجاعتنا.. لكننا ننسى ونغفل ونخاف، وبعدها قد نرجع لنفس النقطة أمام واقع يذكرنا بأننا حمقى متجملون يحمل الجهل خطانا.. نترنح بين نوم ويقظة.. ووهم وحقيقة.. وشك وريبة وخوف يقذف الرعب فى صدورنا من واقع نعانى قسوته تدفعنا الحيلة لترويضه كى نحيا سالمين.

ونخوض معارك الخائفين التى نتبارز فيها.. الكل يحاول أن يبعد عن نفسه شبح الهزيمة.. ومع سيطرة الخوف تعلو الأصوات والتمايل بحركات تصل حد التراقص.. ولسان حال الجميع أنا غير مسؤول عن نتائج الخسارة.. والتساؤل لماذا إذن هذا الرعب مادام الكل غير مدان؟!.. الأمر ببساطة نحن نبحث عن كبش فداء لأننا الضحية لأخطاء آخرين وفشلهم.. وعلى الجانب الآخر مشاهد لسان حاله ملعون الخوف كم يظهر ضعفنا الذى يجعلنا فى نفس الوقت نتمسك بالحياة حد الموت!!.. فيحاول الخائف أن يخفى رعبه واهتزازه الداخلى فيتصرف على غير عادته.. ليخفى قلقه وأنه غير عابئ.. فإذا كان بخيلا يظهر كرما غير معتاد.. أو انطوائيا يظهر عدائية.. وصامتا يصبح ثرثارا حد الضجيج والعكس.. فى محاولات للابتزاز والقضاء على غيره.. فيحركه الخوف لأى طوق نجاة فى مشهد الكل يحاول أن يصعد لسفينة النجاة غير مبال بهيئته أو شكله لأنه يعلم أن الناس تنسى سريعا، وأنه سيرتدى حلة وقناعا آخر بعدما ينجو وتهدأ وتستقر العاصفة أو الطوفان.. وينسون وهم يصارعون الموت ويزيح كل منهم الآخر أن هناك مشاهدين لصراعهم يسخرون منهم، لكن منذ متى وهم يهتمون بنظرة الآخرين لهم.. وفريق آخر رأى نفسه فى مكان أفضل بعيدا عن مرمى الصراع على الرغم أنه يحمل عناوين لصراعات أخرى، فلا أحد يخلو من الخوف المخبأ.. لكنه يتابع صراعهم وهو ساكن النفس ولديه رضا وراحة بال ومتسع لم يتح لغيره ممن سيطرت عليهم وطأة الصراع.. مشاهد بلغ من الإدراك والوعى ما يجعله يفطن لبؤس هذه الحالة.. على الرغم أنه غير زاهد فى متع الدنيا، لكنه محظوظ بمشاهدة هذا الصراع الذى جعله يفطن لسر الحياة الطيبة والنفس المطمئنة ولسان حاله لمن خاف مقام ربه جنتان.. فيتحرر من الخوف البشرى للخوف الإلهى.

ولسنا سواء فى بحر الحياة.. بعضنا هادئ وآخر فى فزع من تلاطم أمواجه.. البعض يستمتع بالسباحة ويعتبرها رياضة ومتعة واستجماما، وآخر فى سباق ولهاث ترفعه وتخفضه الأمواج.. ليتأرجح الجميع بين موجاته فى سعادة وحزن.. ولكن أعيننا دائما على تلك الجزيرة البعيدة لنتوج فيها بالإمارة، فيرتفع سقف أحلامنا المستحيلة.. قد ننخدع ونغرق وقد نبلغ من اليقظة ما يجعلنا نحذر الغرق.. رغم أنه لا أحد بعيدا عن الأخطاء الفردية سواء كان محترفا أو حتى هاويا.. لنصبح كلنا حيارى باحثين عن النجاة خائفين من شبح الهلاك طوال الوقت.

يخلق الخوف الساكن نفوسنا فوضى وعشوائية داخلنا.. يدفعنا دون أن نشعر لحركات بهلوانيه نحاول أن نتخفى وراءها.. نخفى حزننا فنتظاهر بالفرح المفضوح وبالقناعة وغنى النفس أو حتى بالزهد فيما امتلك غيرنا رغم أننا لسنا على ما يرام.. ونرتدى أثوابا تنكرية لنخيف بعضنا.. أو نذهب خارجنا لنكمل نواقصنا.. ساعين نحو لهو النجاح.. ونتساءل هل للنجاح لهو؟!.. نعم له بريق ولمعان حتى ولو كان زائفاً متمثلاً فى إزاحة غيرك وقنص مكانه.. فالكل فى صراع يحيا فى عنق زجاجة يود الخروج بأى ثمن.. يختنق وتزداد ضربات قلبه ويشعر بخروج روحه من جسده.. فيتمسك أكثر بالحياة.. الكل فى سباق وطلب النجدة وإزاحة كل من شكَّّل عليه خطرا.

هى حكايات الصراع الأبدى بين كل البشر.. فيها الخوف يشعرك بأنك تصارع الموت، فاذا ما أوشكنا على الانهيار يدفعنا التمسك بالحياة أن نصبح أقوياء.. وإذا كتبت لنا النجاة شعرنا بأننا ولدنا من جديد.. وبعدها ننسى خوفنا لبعض الوقت.. ثم ما نلبث أن نعود مرة أخرى لصراع الخوف.. وقد يدفعك الخوف لحالة جمود وإبقاء الحال على ما هو عليه خشية التغيير حتى ولو كان الأفضل.

 هى حكاية وقصة كل منا مع الخوف اختر عنوانها كما تحب وحسب موقعك منها فى بدايات ونهايات.. والسؤال الأخير لكل المتصارعين كرها وطوعا.. ألم يحسب أحد حساب أن تكون هذه المعارك لوهم وسراب يحمل  مصيراً مجهولاً.. الإجابة أراها على لسان الجميع خلق الخوف ليدفعنا لخوض معركة البقاء فتسلحنا بالإرادة لكسب السباق نحو فوز حتى ولو كان المكسب صفعة على وجه كل أحمق.