الأحد 14 اغسطس 2022

التمرد بالعمل هو الأبقى والأثمن

مقالات2-7-2022 | 23:31

نشأت داخل أحضان أسرة مصرية صميمة، اتفق فيها الأب والأم على معايير التربية والأخلاقيات الأساسية التي لا جدال فيها، تلك القواعد والآداب في التعامل مع الآخر التي قاما بترسيخها والتي بها أعتبر نفسي من جيل المحظوظين، فقد كان لإبداء التحفظ أو الاعتراض طرقاً تختلف عن مجرد الطلب حتى لو كان حقاً من الحقوق المتعارف عليها، كالمصروف اليومي مثلاً الذي عودني أبي بشكل عملي أنه لا حق لي للمطالبة به بعد انقضاء اليوم، ولأنني كنت شديدة الحياء في طلب المصروف، ذهب حقي مراراً.

كانت تلك الأسس هي سبيلنا في شق الطريق، وتلمس الخطى، واستبيان الغث من السمين في الكلام والمواقف والسلوكيات، فسرت على نفس خطاهم في استقراء المواقف وتحليلها والتحلي بالحُلم والحكمة قدر الإمكان في علاقاتي وعملي وحتى مع نفسي، حتى ما إن استشعرت الخطر لأول مرة على مدار عمري الذي أحسبه طويلاً بمعيار ثقل المواقف، انتفضت واستدعيت كل القواعد في ذهني، إنها مصر في تلك المرة وهي الأغلى والأوحد ولا غيرها.

عام واحد مر كالجبل على الصدور، كانت تمر فيه الأيام ثقيلة وانتظرنا طويلاً ومارسنا كل عبادات الصبر على البلاء، حتى أن تبينت النوايا وثبتت ولم يكن بمقدرونا توقع المزيد المختلف عن المعتاد والمتوقع، ففحش الجماعة الإرهابية في ذلك العام لم يكن مجرد سلوكيات تنم عن عدم تمرس أو احتراف للممارسة السياسية، بل كان إثباتاً بشتى الطرق لخبث النوايا والسلوك، والذي لم يمكن أن يستتبعه سلوكاً شعبياً بغير هذا التمرد الذي مورس بكل شفافية ورغبة على الورق، ثم قالت الجماهير كلمتها في الشوارع على مدار أربعة أيام متتالية.

فنزلت أنا وأسرتي لأول مرة في تاريخ حياتنا المسالمة التي تميل كل الميل إلى السلام، وتجنح كل الجنوح إلى إعمال العقل وغلبة الحكمة في السلوك، نعم قررنا الخروج عن كل القواعد المعمول بها سابقاً، ونزلنا في مسيرة مليونية بدأتها مع جيراننا وأصدقائنا من ميدان الحجاز بمصر الجديدة سيراً على الأقدام إلى قصر الاتحادية وتبعني والداي بسيارتهم وهم مطمئنين تمام الاطمئنان أن الأجواء تميل لكونها احتفالية وحماسية تهتف بإسم مصر ولا نفيس غيرها، كنت أقوم في الأيام الثلاثة التي تلت الثلاثين من يونيو بالانتظام في عملي حتى ما إن انتهيت منه ذهبت لترك سيارتي بالقرب من الميرغني، والسير على الأقدام للالتحام مع باقي جماهير المتظاهرين المطالبين بعودة مصر.

ذلك التمرد الذي مارسناه وأعاد إلينا مصرنا كما أعاد إلينا مصريتنا التي استشعرت الخطر، هو نفسه التمرد الذي مورس من قبل القيادة السياسية منذ اليوم الأول لتولي المسؤولية، فاستشعارنا لخطر الجماعة الإرهابية على ما أظن كان نفس قدر استشعار القيادة لخطر ضياع الوطن والأمة بعد عدة سنين من الفوضى والخراب.

أكاد أجزم أنه لولا هذا التمرد الذي مارسه الرئيس على الوضع الذي لم يكن ليرتضيه لمصر بأية حال -كما أشار ومازال يشير في عدة مناسبات- فلم يكن لنا من قائمة ولو بعد حين، هذا التمرد هو الذي أخذ بمقدرات هذا الوطن من أسفل قاعدة الهرم إلى قمة رأسه في سنوات بسيطة بعمر الأوطان، خاصة تلك الغارقة في بحر الخراب والدمار، ولنا في دوائرنا المحيطة خير مثال ودليل من محاولات متعددة لإعادة الإعمار وشتى محاولات إعادة الأمور إلى نصابها.

إن الثورة على التخلف والتقهقر وفوضى الجهل وخراب الأوطان لهو قمة الشرعية الحقيقية والتمرد على حال رث كذلك الذي آل إيه الحال إبان تلك الفترة العصيبة من عمر الوطن، بالعمل ثم العمل ثم العمل، وعدم الالتفات لأي معوقات قد تعوق سير القافلة، لهو عين الحكمة وقلب الصواب.

سأحيا مفتخرة بتمردي الشريف، وعملي الذي لم أتخاذل في حقه يوماً حتى في أصعب الأوقات، وسأظل ممتنة لتلك القيادة التي أعادت بوصلة الوطن إلى موقعها الذي تستحقه على خريطة العالم، تماماً في القلب.

كل عام ومصرنا النفيسة بكل الخير