الأربعاء 22 مارس 2023

البصمة الكربونية وحياة أكثر اخضرارًا

مقالات8-7-2022 | 00:19

الأنشطة البشرية والصناعية والزراعية والاقتصادية ينتج عنها انبعاثات الغازات الدفيئة، وأكثر الغازات الدفيئة شيوعًا هي ثاني أكسيد الكربون (84%)، والميثان (9%)، وثاني أكسيد النيتروجين (5%)، والعديد من الغازات المفلورة (2%).

الأنشطة التي تتسبب في انبعاثات الغازات الدفيئة كثيرة، على سبيل المثال، وسائل النقل والانتقال، وإنتاج الكهرباء، وحرق الوقود الأحفوري من أجل الطاقة، وإدارة النفايات التجارية والسكنية، وإنتاج الغذاء - كلها تنبعث منها غازات دفيئة.

تخلق الغازات الدفيئة تأثير «الاحتباس الحراري»، وتنبعث منها الأشعة تحت الحمراء الحرارية التي تحبس الحرارة في الغلاف الجوى، مما يساهم في الاحتباس الحراري، وتجعل كوكب الأرض أكثر دفئًا، مما يؤدي في النهاية إلى أحداث مناخية قاسية مثل الجفاف وموجات الحر والأعاصير والعواصف الثلجية والعواصف المطيرة.

الأنشطة البشرية والصناعية والزراعية والاقتصادية هي المسؤولة عن جميع الزيادة في غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي تقريبًا على مدار الـ 150 عامًا الماضية، نظرًا لاعتماد البشر الشديد على الوقود الأحفوري، واستخدام الطاقة، وإزالة الغابات باستمرار، فإن كمية غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي تتزايد، مما يجعل الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أمرًا صعب المنال.


التأثير الأكثر تدميراً لانبعاثات الكربون على البيئة، هو تغير المناخ، لكن الغازات الدفيئة الأخرى مهمة أيضًا بالنسبة لتأثيرها على تغير المناخ. الميثان، على سبيل المثال، الذي ينبعث بشكل أساسي من الزراعة ومواقع دفن النفايات، أقوى في تأثيره على المناخ 25 مرة لكل كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون.

يعتبر ثاني أكسيد النيتروجين أكثر فاعلية، ولكنه ينبعث بكميات أقل، وهو أقوى بحوالي 300 مرة من ثاني أكسيد الكربون، ويتم إطلاقه بشكل أساسي من العمليات الصناعية والزراعة. والغازات المفلورة، هي أكثر قوة بعدة آلاف من المرات من ثاني أكسيد الكربون.

منذ الثورة الصناعية، أصبح تلوث الهواء أحد أكبر التحديات، ويزداد سوءًا عامًا بعد عام. فإن ما يقرب من 100٪ من الاحترار الحديث المسجل منذ عام 1950 كان ناتجًا عن الأنشطة البشرية وانبعاثات الغازات، للصناعات تأثير بيئي كبير من خلال حرق الوقود الأحفوري وإطلاق الملوثات الجوية السامة مثل المعادن الثقيلة ذات الآثار الخطرة على صحة الإنسان.

تساهم انبعاثات الكربون في تلوث الهواء، والضباب الدخاني هو أحد الظواهر التي تمت ملاحظتها في كثير من الأحيان أكثر من أي وقت مضى، بعض الأمثلة الأكثر وضوحًا هي نوبات الضباب الدخاني الكارثية، المصنفة على أنها من مخاطر الأرصاد الجوية في الصين، فى عامى 2013 و 2016، مما أدى إلى إغلاق مدن وصناعات بأكملها، حيث سببت مشاكل فى الجهاز التنفسى للأفراد.

المطر الحمضى هو تأثير بيئى آخر شديد الخطورة، وهو ناتج عن زيادة انبعاثات ثانى أكسيد الكربون وثانى أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين فى الغلاف الجوى، وتفاعل ثانى أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين مع جزيئات الكبريتات والنترات فى الغلاف الجوى.

ذوبان الأنهار الجليدية هى مشكلة كبيرة أخرى نواجهها اليوم بسبب انبعاثات الغازات المتزايدة. حيث تلعب الأنهار الجليدية دورا هائلا فى دورة المياه العالمية وتهدئة سطح الأرض. حيث تعكس أشعة الشمس وتحافظ على برودة السطح. ومع ذلك، فإن الأنهار الجليدية فى كل مكان تذوب بسرعة تنذر بالخطر. على سبيل المثال، انخفضت الأنهار الجليدية فى القطب الشمالى بنسبة 10٪ فى الثلاثين عاما الماضية.

بالنظر إلى أن نشاطا واحدا يمكن أن يتسبب فى انبعاث عدة غازات دفيئة مختلفة، ولكل منها كميات مختلفة، فإن البصمة الكربونية إذا تمت كتابتها بالكامل يمكن أن تكون مربكة للغاية. لتجنب ذلك، يتم التعبير عن البصمة الكربونية من حيث مكافئ ثانى أكسيد الكربون، هذا يعنى التأثير الكلى على تغير المناخ لجميع الغازات الدفيئة الناتجة عن نشاط، يتم تجميعه فى عنصر واحد "ثانى أكسيد الكربون"، ويتم التعبير عنه من حيث كمية ثانى أكسيد الكربون التى سيكون لها نفس التأثير.

البصمة الكربونية، أعتقد إن كثيرا من الناس سمعت عن هذا المصطلح، ولكنها غير ملمة بمعناه. البصمة هنا تأتى بمعنى "التأثير"، والكربون هو اختصار لجميع الغازات الدفيئة التى تساهم فى الاحتباس الحرارى. وتصبح "البصمة الكربونية" عبارة عن مفهوم يستخدم لقياس تأثير شخص أو نشاط أو شركة أو بلد أو حتى العالم بأسره على تغير المناخ.

تعد البصمة الكربونية جزءا من البصمة البيئية. لكن البصمات الكربونية تعتبر أكثر تركيزا من البصمات البيئية لأنها تقيس فقط انبعاثات الغازات التى تسبب تغير المناخ فى الغلاف الجوى. 
البصمة البيئية، تقاس بوحدات المساحة (الهكتار أو الفدان أو المتر المربع). البصمة البيئية، هى مساحة الأرض المطلوبة لتزويد السكان بالمواد، والموارد بشكل عام، بناء على معدلات الاستهلاك المتباينة جغرافياً، وكذلك مساحة الأرض المطلوبة لامتصاص نفاياتهم. إذا البصمة البيئية، هى مؤشر لقياس تأثير مجتمع معين على كوكب الأرض ونظمه الطبيعية، أى مدى تأثيرهم وضررهم على كوكب الأرض.

فى حين يتم الإبلاغ عن بصمات الكربون عادة بأطنان من الانبعاثات (مكافئ ثانى أكسيد الكربون) سنويا، عادة ما يتم الإبلاغ عن البصمات البيئية بما يمكن لكوكب الأرض تجديده.

إن بصمتنا الكربونية لها تأثير سلبى على البيئة بطرق متعددة: فهى السبب الرئيسى لتغير المناخ، وتساهم فى تلوث الهواء، وتؤدى إلى هطول أمطار حمضية سامة، وتزيد من حموضة الأنهار وسواحل البحار والمحيطات، وتؤدى إلى تفاقم ذوبان الأنهار الجليدية والجليد القطبى.

يمكن قياس البصمة الكربونية للفرد أو الدولة أو المنظمة من خلال إجراء تقييم لانبعاثات الغازات الدفيئة أو تقييم دورة الحياة أو عن طريق حزم البرامج الحسابية المتخصصة. 

بمجرد معرفة حجم البصمة الكربونية، يمكن وضع استراتيجية لتقليلها، على سبيل المثال، من خلال تطوير التكنولوجيا، وتحسين كفاءة الطاقة، والتقاط الكربون، وتحسين إدارة عمليات الإنتاج، والمشتريات الخضراء العامة أو الخاصة، وترشيد الاستهلاك، وتقليل النفايات، واستخدام منتجات يمكن إعادة استخدامها ويمكن تدويرها.

كل منا يترك أثرا على كوكب الأرض، وهى تأثيرك الشخصى. من الناحية الفنية، فإن بصمتك الكربونية هى كمية الغازات الدفيئة التى تنتجها من مكافئ ثانى أكسيد الكربون. يتم تحديد هذه البصمة حسب نمط حياتك وأنشطتك اليومية، مثل السفر بالسيارة أو الطائرة أو القطار وما إلى ذلك، واستخدامك للطاقة الكهربائية، واستهلاك المنتجات والخدمات، والأطعمة التى تتناولها، وما إلى ذلك. تختلف انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى بين الأفراد اعتمادا على موقع الشخص وعاداته وخياراته الشخصية.

البصمة الكربونية "المثالية" للشخص (أو البصمة "المنخفضة") من مكافئ ثانى أكسيد الكربون فى السنة، تتراوح من 2400 إلى 6000 كيلوجرام، ومن 6400-8800 كيلوجرام تعتبر متوسطة، وأقل من 2400 كيلوجرام تعتبر منخفضة جدا. يبلغ متوسط البصمة الكربونية لأى شخص فى الولايات المتحدة 16 طنا، وهى واحدة من أعلى المعدلات فى العالم. على الصعيد العالمى، يقترب متوسط البصمة الكربونية من 4 أطنان.

هناك دراسة بحثية بيئية تتحدث عن أهم الطرق التى تمكن الأفراد من أن يخففوا بها من انبعاثات الكربون الخاصة بهم، وهى، (1) إنجاب طفل واحد أقل، يؤدى إلى انخفاض متوسط انبعاثات ثانى أكسيد الكربون فى البلدان المتقدمة بمقدار 58.6 طن سنويا، (2) العيش بدون سيارات، يؤدى إلى انخفاض متوسط انبعاثات ثانى أكسيد الكربون بمقدار 2.4 طن من مكافئ ثانى أكسيد الكربون سنويا، (3) التخلى عن السفر الجوى يؤدى إلى انخفاض متوسط انبعاثات ثانى أكسيد الكربون بمقدار 1.6 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل رحلة عبر المحيط الأطلسى، (4) اعتماد نظام غذائى نباتى يؤدى إلى انخفاض متوسط انبعاثات ثانى أكسيد الكربون بمقدار 0.8 طن من مكافئ ثانى أكسيد الكربون سنويا.

هناك ارشادات كثيرة لتقليل البصمة الكربونية للأشخاص، منها، المطلوب من العامة أن يقللوا من استخدام السيارات، والاعتماد على المشى وركوب الدرجات، واستخدام وسائل النقل الجماعى، والرحلات الجماعية، ومشاركة مجموعات من الموظفين فى استخدام السيارات الخاصة للذهاب لمكان عملهم. والمطلوب أيضا استخدام الأوانى القابلة لإعادة الاستخدام وإعادة التدوير، مثل الترمس للقهوة اليومية أو المصنوعة من الزجاج للمياه والمشروبات الباردة الأخرى بدلا من تلك التى تستخدم لمرة واحدة.  

تركز حركة البصمة الكربونية الشخصية لتعويض الكربون، على استخدام المزيد من وسائل النقل العام أو زراعة الأشجار فى المناطق التى أزيلت منها الغابات، لتقليل البصمة الكربونية للفرد.
فى الصناعة يحسبون فوائد تقليل البصمة الكربونية تراكميا حتى عام 2050، وليس سنويا، لأن الإجراءات الصناعية لها فترات زمنية طويلة. على سبيل المثال، نجد أن إنتاج الطاقة الكهربائية مسؤولة عن أكثر من 35% من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون، مما يجعلها هدفا محتملا لتخفيضات البصمة الكربونية. ربما تكون أرخص طريقة للقيام بذلك هى من خلال تحسين كفاءة الطاقة، من خلال أنظمة استعادة الحرارة المهدرة، وعزل المبانى الكبيرة وغرف الاحتراق، وتطوير التكنولوجيا، مثل مصادر الإضاءة المختلفة، والآلات ذات الاستهلاك المنخفض.

يمكن تقليل البصمة الكربونية الناتجة عن استهلاك الطاقة من خلال تطوير الطاقة النووية، فهى مصدر طاقة خالٍ من الانبعاثات الكربونية، ومشاريع الطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهى موارد متجددة.

البشرية تتحمل المسؤولية عن التحولات الكبيرة فى النظام البيئى للمناخ العالمى، والبشر هم الوحيدون الذين يمكنهم عكس الضرر لضمان مستقبل مزدهر ومعيشة أكثر أخضرارا لنا وللأجيال القادمة.