الأربعاء 7 ديسمبر 2022

تقرير استراتيجي يستشرف حالة الإقليم في 2022: استمرار تدخل إيران في صراعات المنطقة

ايران

عرب وعالم23-7-2022 | 23:45

محمد الحمامصي

تمر منطقة الشرق الأوسط منذ نحو عقد من الزمان، وتحديدا في عام 2011، منذ أحداث ما يسمى بـ "ثورات الربيع العربي" بحالة من عدم الاستقرار، أدت إلى انهيار بعض الدول ومعاناتها حروبا وصراعات داخلية ممتدة حتى الآن، وهو ما فتح الباب أمام تصاعد الاستقطاب الإقليمي، مع تدخلات الولايات المتحدة ودول إقليمية، خاصة إيران وتركيا، في بعض الدول العربية غير المستقرة، وذلك في محاولة منها للتأثير على مستقبلها، وبما يعزز مصالحها وأجندتها الخارجية.

انطلاق من هذه الرؤية تأتي التحليلات الاستشرافية لحالة إقليم الشرق الأوسط في عام 2022 على المستويين الإقليمي والدولي، التي تضمنها التقرير الاستراتيجي السنوي لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي "حالة الإقليم.. التفاعلات الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط 2022، والذي جاء في ثلاثة محاور: الأول الشرق الأوسط والتحولات الدولية الكبرى، والثاني التفاعلات السياسية والأمنية في الإقليم، والثالث الاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية، واندرجت تحتها ما يقارب 30 رؤية تحليلية استشرافية. وقد ترأس تحرير التقرير الباحثين د.شادي عبد الوهاب منصور وأحمد عاطف، وشارك في إعداده نخبة من الباحثين: حسام إبراهيم، على صالح، هالة الحفناوي، مصطفى ربيع، إبراهيم الغيطاني، يارا منصور، عبد اللطيف حجازي، آية يحيي، جيداء أبو الفتوح.

 

أمريكا والشرق الأوسط

وهنا نركز على بعض مما كشف عنه التقرير، حيث رأى أنه على الرغم من أن الاقتراب الأمريكي الجديد تجاه الشرق الأوسط، والذي يعني "انخراطا عسكريا محدودا"، والتركيز بشكل أكبر على الدبلوماسية، يفترض أن يحقق مصالح واشنطن ويحمي أمنها القومي من التهديد؛ فإنه قد ساهم في زيادة فجوة الثقة في أمريكا كحليف استراتيجي، وأدى أيضا مع عودة إدارة بايدن إلى تبني اتجاهات محددة في السياسة الأمريكية، تتعلق بالتركيز على القيم الليبرالية وقضايا حقوق الإنسان، إلى حدوث توتر في علاقاتها مع بعض دول الإقليم.

وبشكل عام، فإن هذا الإقتراب الجديد تجاه المنطقة، والذي يخلط بين السياسات الواقعية "انخراط عسكري محدود، والدبلوماسية المكثفة"، وبين السياسات الليبرالية "التركيز على قضايا الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات.. إلخ"، من المرجح أن يستمر خلال عام 2022، وبقية سنوات إدارة الرئيس بايدن في الحكم أي حتى عام 2024.
النووي الإيراني

وأوضح التقرير إن هذه الفجوة بين واشنطن ودول منطقة جراء الاقتراب الذي تبنته أمريكا، بدت واضحة في الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث إن الولايات المتحدة التي أصبحت تركز فقط على مصالحها في الإقليم، وتحدد حجم انخراطها وتفاعلها معه وفقا لهذه المصالح، عادت لتطالب دول المنطقة بدعم موقفها في هذه الحرب، وطلبت من دول الخليج بشكل خاص زيادة إنتاج النفط دون أن تتلقى استجابة تتوافق مع مصالحها.

وتلك الفجوة التي خلفتها سياسات إدارة بايدن في العلاقات مع الحلفاء في المنطقة قد تستمر في 2022، خاصة إذا توصلت واشنطن وطهران لاتفاق نووي جديد، والذي تشير التسريبات إلى أنه سيكون مثل نظيره الذي تم توقيعه في عام 2015، وإن لم يكن أضعف. فالتهديدات الأمريكية بخيارات تصعيدية أخرى للتعامل مع طهران لا تتسم بالمصداقية، خاصة أن إدارة الرئيس بايدن ركزت على المقاربة الدبلوماسية في التعامل مع إيران حتى الآن، وسعت لتفادي الرد على أغلب استفزازاتها.

كما أن انشغال واشنطن بالحرب الأوكرانية، وسعيها للتوصل لتهدئة في الشرق الأوسط بأي ثمن للتفرغ لصراعات القوى الكبرى؛ سوف يغري إيران بمواصلة سياسات المراوغة في المفاوضات النووية.

 

ولفت التقرير إلى أنه بالنظر إلى تطور العلاقات بين روسيا ودول المنطقة، فإنه يتوقع أن تسعى موسكو لتطوير هذه العلاقات، وأن تتوسع لتشمل المجالات الاستراتيجية، خاصة السلاح والطاقة النووية واستكشاف الفضاء، بالإضافة إلى كون موسكو فاعلا رئيسيا في بعض دول الصراعات مثل سوريا. وسوف يتوقف نجاح روسيا في تعزيز علاقاتها هذه بدول المنطقة على عاملين: الأول هو الدور الأمريكي، إذ إن استمرار انسحاب واشنطن من المنطقة وقضاياها سوف يدفع الدول العربية لتوثيق علاقاتها بروسيا، والقوى الدولية الأخرى.

أما العامل الثاني، فيتمثل في مدى انشغال موسكو بالصراع الأوكراني، إذ إن انتهاء الصراع خلال أشهر قليلة سوف يضمن استمرار اهتمام الكرملين بقضايا المنطقة.

الصين والخليج

ومن جانب آخر توقع التقرير أن تتجه الصين في عام 2022 نحو تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج العربية، ومحاولة تحقيق الاتساق بين مشاريع التنمية للدول الرئيسية في المنطقة، لاسيما دول الخليج، و"مبادرة الحزام والطريق" الصينية، بالإضافة إلى السعي لمد هذا التعاون إلى مجالات عسكرية، خاصة في ضوء استمرار الصراعات القائمة في الإقليم، وتراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة لصالح التركيز على صراعات القوى الكبرى.

ولاحظ أن الدول الأوروبية الآن تفتقد في أغلبها للقدرة على التحرك بعيدا عن المظلة الأمريكية، وهو ما وضح في منطقة الساحل الأفريقي، على سبيل المثال، إذ إن الدعم العسكري الأمريكي للعمليات الفرنسية والأوروبية هناك، بالمعلومات الاستخباراتية وتوفير الدعم اللوجستي كان حاسما في استمرار هذه العمليات، ومع تراجع الدور الأمريكي، بدأت الدول الأوروبية تعيد ترتيب أوضاعها، باتجاه تقليص دورها هناك.

وفي ضوء ذلك يتوقع أن تظل التحركات الأوروبية تجاه منطقة الشرق الأوسط وقضاياها في الإطار الثنائي، وليس الجماعي، بيد أن انشغال الدول الأوروبية بالحرب الأوكرانية قد يقلل من موثوقية الاعتماد عليها، ويدفع دول المنطقة إلى الاستمرار في تنويع شراكاتها العسكرية، بحيث لا تقتصر على القوى الغربية.

 

الدور الإيراني

وأكد التقرير أن الانفتاح العربي على سوريا والعراق ولبنان سوف يكون على حساب الدور الإيراني الاقتصادي، وهو الأمر الذي سوف تسعى طهران لعرقلته؛ غير أن قدرتها على ذلك سوف تكون محدودة، خاصة في ظل تقليص صادراتها من الغاز الطبيعي والكهرباء للعراق، بسبب تصاعد الاستهلاك الإيراني الداخلي للكهرباء، وتحديدا مع موجة الحر التي تعانيها وجفاف بعض الأنهار، ومن ثم تراجع قدرتها على توليد الكهرباء من السدود.

ومع ذلك، فإن الاستثمارات العربية في الدول الثلاث "سوريا والعراق ولبنان" سوف تحتاج إلى دور فاعل من الدول المعنية لتأمينها، خاصة في ظل هشاشة البيئة الأمنية في الدول الثلاث، وإمكانية اتجاه طهران لتوظيف ميليشياتها المسلحة لعرقلة التقارب الاقتصادي مع الدول العربية، وذلك في مسعى منها لإدامة هيمنتها على الدول العربية سالفة الذكر.

وتوقع التقرير أن تستمر إيران خلال عام 2022 في التدخل في صراعات المنطقة، ومحاولة إدامة سيطرتها على العراق، سواء على العراق، سواء سياسيا أو عسكريا. بالإضافة إلى مواصلة دعمها للحوثيين في اليمن عسكريا.

كما قد تسعى لاستغلال الانشغال الروسي بالصراع الأوكراني لتعزيز وجودها في سوريا، علاوة على مواصلة دعمها لحزب الله اللبناني، في محاولة لامتلاك أدوات لردع إسرائيل عن مهاجمتها.

وفي المقابل، من غير المرجح أن تتمكن طهران من تحقيق تلك الأهداف كافة، بالنظر إلى تواصل الجهود العربية لتعزيز استقلالية البلدان العربية سالفة الذكر في مواجهة إيران.

إسرائيل وإيران

وأشار التقرير إلى أنه من غير المرجح أن يشهد العام 2022 اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وإيران، بالرغم من التهديدات الإسرائيلية المستمرة بشن عمل عسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية؛ وذلك لأن شن أي هجوم إسرائيلي سيتبعه رد فعل عنيف متوقع من جانب إيران ووكلائها في الإقليم، مما سيؤدي إلى شيوع فوضى أمنية في المنطقة، وبما يهدد مصالح كل الأطراف الدولية والإقليمية أيضا وحسب التقديرات المعلنة، فإن القوات المسلحة الإسرائيلية ليست لديها القدرة حاليا على إلحاق أي ضرر كبير بالمنشآت النووية الإيرانية الموجودة تحت الأرض في "نطنز" و"فوردو".

وبالتالي، على الأرجح أن تركز إسرائيل في عام 2022 على التفرغ لمواجهة إيران، وتجنب توسيع نطاق أي مواجهات عسكرية خارجية محتملة مع قوى مناوئة لها في دول الجوار، سواء حركة حماس الفلسطينية أو حزب الله اللبناني.

وهنا ستواصل تل أبيب تصعيد ضغوطاتها على إيران، للتأكيد على أن الأولى لن ترضى بأي اتفاق نووي جديد ترى أنه يهدد أمنها ومصالحها، وستعتمد في ذلك بشكل كبير على تكثيف الحرب السيبرانية ضد المنشآت الإيرانية، مع محاولة تشكيل تحالف إقليمي لمواجهة الخطر الإيراني.

تعزيز الصناعة العسكرية

ولاحظ التقرير أن اتجاه الدول العربية لتعزيز صناعتها العسكرية، وكذلك تفعيل التعاون مع مختلف القوى، يسعى بدرجة كبيرة إلى تحقيق عدة أهداف؛ يتمثل أبرزها في التحسب لتراجع الدور األمريكي في الشرق الأوسط، سواء فيما يتعلق بعدد القوات أو المعدات العسكرية المنتشرة في المنطقة، بالإضافة إلى التخلص من المشروطية التي تفرضها بعض الدول الغربية على شراء أسلحتها، وذلك عبر إبرام صفقات أخرى مع دول لا تضع مثل هذه المشروطية، وتقدم المواصفات نفسها لنظيرتها الأمريكية، على غرار الصين وروسيا وفرنسا.

ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة تفرض حظرا على توريد أسلحة معينة، مثل الصواريخ الباليستية، في حين أن واشنطن أغفلت في مفاوضات فيينا مع إيران التفاوض على القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو ما دفع السعودية للتعاون مع الصين لتطوير هذه الصواريخ لضمان أمنها القومي في مواجهة التهديدات الإيرانية.

كما لا يجب إغفال أن تردد الولايات المتحدة في إمداد الدول العربية بالأسلحة التي تحتاجها للدفاع عن نفسها، تحت مبررات احترام حقوق الإنسان، ورفضها تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، وذلك على الرغم من تنفيذ هجمات تستهدف مناطق مدنية في دول الخليج العربية؛ هي كلها عوامل عززت من اتجاه دول المنطقة إلى تنويع خياراتها الدفاعية.

وسوف تستمر هذا الاتجاه في عام 2022 لضمان أمنها القومي وامتلاك القدرة على الرد على التهديدات الإقليمية المختلفة.

التهديدات الارهابية

ورأى التقرير أن التهديدات الإرهابية لا تزال قائمة في بعض دول منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وإن مال الاتجاه العام لهذه العمليات إلى التراجع في عام 2021، خاصة في سوريا والعراق والصومال وشمال أفريقيا، ولم يكن هناك استثناء على هذه القاعدة سوى منطقة الساحل، والتي شهدت تزايدا واضحا في النشاط الإرهابي، وإن لم ينعكس على دول شمال أفريقيا، وذلك على الرغم من الارتباط الجغرافي بين الساحل والصحراء "شمال أفريقيا".

كما تكشف المؤشرات أن مركزية تنظيم داعش قد تتراجع، وهو ما يجعله أمام سيناريوهين؛ وهما إما مواصلة التراجع، ليشبه حالة تنظيم القاعدة الأم في أفغانستان، حين أصبح ضعيفا بسبب الملاحقات الأمريكية لعناصره، وباتت الأفرع الإقليمية التابعة له أقوى منه، على غرار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أو أن تنتقل زعامة داعش من سوريا والعراق إلى مكان آخر، ولعل داعش خرسان قد يكون مرشحا لتولي قيادة التنظيمات الإرهابية المرتبطة بداعش.

الإخوان المسلمين

إن تيارات الإخوان المسلمين قد شهدت تراجعا واضحا في عدد من الدول العربية، خاصة المغرب ومصر والجزائر، ويتوقع أن يستمر انحسارها، وذلك على الرغم من وجود دول داعمة لها، إقليميا ودوليا. وإن كان من الملاحظ أنه لا تزال هناك محاولات في تونس لإعادة الأخوان إلى المشهد السياسي من جديد، ومحاولة استغلال أي تعثر لخريطة الطريق التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد.

أما في ليبيا، فإنه على الرغم من تراجع تنظيم الإخوان المسلمين، فإن القيادات المرتبطة به، لا تزال قادرة على نسج تحالفات داخلية وخارجية تمكنها من البقاء في صدارة المشهد السياسي.

الاكثر قراءة