الخميس 18 اغسطس 2022

علماء مصريون عظماء وقصص نجاحهم الملهمة 7

مقالات31-7-2022 | 14:07

الدكتور حامد عبد الفتاح جوهر.. سندباد البحر الأحمر (7)

حامد جوهر سندباد البحر الأحمر، عشق البحر فأعطاه البحر من أسراره الدفينة ما لم يعطه للكثيرين من علماء البحار، وقضى حياته كلها ناسكا متفانيا لعلوم البحار دون غيرها وآثر أن يمنح وقته كله للبحر وعلومه دونما زواج، فكان حب الملايين سلواه وعشقه من خلال برنامج عالم البحار ومن خلال مدرسة علمية امتدت جذورها لتتخطي الحدود إلى ما وراء البحار!!!. واستمر عرض برنامجه التليفزيوني والمذاع يوم الجمعة من كل أسبوع حوالي 18 عاما، كان يعرض من خلاله أفلاما عن مختلف الكائنات البحرية ويستعرض المعلومات والحقائق العلمية عن البحار والمحيطات والأنهار والتي تشغل حيزا كبيرا من سطح الأرض والتي تبلغ نحو ثلاثة أرباعه.

ويقوم هو بالتعليق بصوته المميز الذي ألفه الجميع وأحبه رغم غرابته وتفرده، شارحا الصورة ومعرفا بالفصائل المختلفة وعاداتها وصفاتها. ومن هذا البرنامج تكونت ثقافة المشاهدين البحرية، وتزودوا بالمعلومات العلمية الدقيقة ولكن بمفاهيم بسيطة جعلت الغالبية قادرة علي فهم صفات الماء ومدي اختلافه عن الأرض، بسهولة تدفقه من جهة إلى أخرى ناقلا الدفء أو البرودة من مكان إلى آخر كما أن للماء قوة انعكاس جيدة للإشعاع الشمسي ولذا فإن درجة حرارة البحار لا ترتفع كثيرا أثناء النهار ولا تنخفض بسرعة أثناء الليل، حيث لا تختلف درجة الحرارة أثناء الليل عن النهار في الماء بأكثر من درجتين فقط.

• يعتبر ساحل البحر الأحمر في مصر من أفضل الوجهات السياحية وأكثرها شهرة وجاذبية في مصر، حيث يجذب السياح والمغامرين والشغوفين بالحياة البحرية. كما يتميز بمكانة سياحية واقتصادية وتاريخية مهمة عبر العصور المختلفة، على الرغم من صغر مساحة البحر الأحمر مقارنة بالبحار والمحيطات الأخرى، ويعتبر ممر مائي مهم للغاية للتجارة العالمية؛ حيث يربط أوروبا والغرب من جهة وبلدان شرق وجنوب آسيا وأفريقيا من جهة أخرى، وقد شهدت هذه المنطقة فترات مختلفة من التاريخ المصري بدءا من التاريخ المصري القديم؛ مرورا بالعصر البطلمي؛ والعصر الروماني والمسيحي والإسلامي وما بعده.

• في مصر فقد كان الاهتمام الكبير الذى أولاه علماء العالم للبحر الأحمر من دراسات لعالمه وكائناته البحرية أمرا ليس مستغربا. فجاء العديد منهم لكشف أسراره وما يحتويه وكانت ملحمة نشرت نتائجها في أرفع وأعظم المجلات العالمية مثل نيتشر وسينس الإنجليزيتان، وكان من حسن الطالع أن يظهر في بدايات القرن العشرين رجل مصري عاش كناسك ومحب للبحر الأحمر وبنى لنفسه عالمه الغامض المشوق، تواصل مع علماء العالم في مجال الكائنات البحرية وخواص البحار وهو حامد عبد الفتاح جوهر. ولعلنا نستطيع أن نوجز حياة عالمنا الجليل من خلال السطور القليلة التالية:

• ولد حامد عبد الفتاح جوهر في القاهرة في 15 نوفمبر سنة 1907، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية، وتعليمه الثانوي في المدرسة الثانوية الملكية (الخديوي إسماعيل فيما بعد)، وحصل منها على شهادة البكالوريا سنة 1925 (سنة إنشاء الجامعة المصرية). التحق جوهر أول الأمر بكلية الطب، ورغم نجاحه بتفوق في السنة الإعدادية، آثر أن يتحول إلى كلية العلوم؛ ومنها حصل على بكالوريوس العلوم مع مرتبة الشرف الأولى، فعين معيدا في قسم علوم الحيوان بالكلية. وفي سنة 1931 ـ بعد عامين من تخرجه ـ تقدم بأول رسالة تقدّم إليها لنيل درجة الماجستير، وكان موضوعها "التشريح الدقيق وهستولوجيا الغدد الصماء في الأرنب".

• وفى دراسة حديثة بعنوان "الدكتور حامد جوهر وإنشاء المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد بالغردقة من 1927-2020" أعدها كل من أستاذ التاريخ د. أشرف محمد عبد الرحمن مؤنس، د. عبدالرحيم حامد أحمد محمود، تعتبر من أهم الدراسات التي تم تقديمها عن الدور الذى قام به عالمنا العظيم أ.د. حامد عبد الفتاح جوهر في دعم الدراسات البحرية بالبحر الأحمر وتأسيس وإنشاء المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد بالغردقة، أقدم مؤسسة تهتم بعلوم البحار والمحيطات في العالم.

• في عام 1928 أسس البروفيسور البريطاني سيريل كروسلاند محطة لدراسة الكائنات البحرية وترأس فريقا من العلماء من كلية العلوم، الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) في رحلة بحرية شاملة على طول ساحل البحر الأحمر، وكان أن اختاروا بقعة سريالية للمحطة في زاوية خليج السويس شمال الغردقة لعزلها عن متاعب النشاط البشري ووجود بيئة بيولوجية متنوعة NATURE FEBRUARY 18, 1933, 242)). وعلى أثرها، انتقل جوهر للعمل بمحطة الأحياء البحرية بالغردقة، كمساعد للدكتور كروسلاند، وجعلها دارا لاستراحته الشخصية ومختبرا للأبحاث، واهتم كثيرا بملاذه العلمي لدرجة أنه كان قلقًا بشأن كيفية تأثير رائحة الطعام على ما بداخله، فكان يطهي طعامه في الخارج في مكان عكس الريح. استمر د. جوهر في أبحاثه العلمية عن كائنات البحر الأحمر حتى حصل على درجة الدكتوراه في العلوم في هذا الفرع، كما واصل دراساته في منطقة البحر الأحمر والتي تركزت على المياه وأسماك البحر الأحمر التي يزيد عدد أنواعها عن 800 نوع؛ كما درس الشعاب المرجانية، وتكاثر اللؤلؤ، ونجح في اصطياد 18 نوعًا من حورية البحر (أبقار البحر) ودراستها ؛ وكانت أول دراسة من نوعها في العالم. وتابع البحث العلمي في كائنات البحر الأحمر، حتى حصل على درجة الدكتوراه في العلوم في هذا الفرع من المعرفة، ويعتبر أول من حصل عليها في مصر.

• في عام 1937 أرسل السيد غاردنر، رئيس قسم علم الحيوان في جامعة كامبريدج، والسيد هيكسون، الرئيس السابق لنفس القسم، دعوة إلى د. حامد جوهر لزيارة الجامعة المرموقة كباحث وزائر في آن الوقت. حيث وصلها عام 1937، ومكث هناك لما يقرب من عامين، زار فيهما أيضا العديد من متاحف التاريخ الطبيعي في لندن وباريس وبرلين وفيينا، ونشر نتائج أبحاثه العلمية. وعندما عاد إلى مصر، تولى منصب مدير محطة الأحياء المائية في الغردقة عام 1942 لمدة 40 عاما متواصلة.

• في عام 1931، بدأ د. جوهر أبحاثه عن الشعاب المرجانية الزينية للبحر الأحمر، أو الشعاب المرجانية الناعمة في البحر الأحمر، وأنهاها عام 1939. وفي عام 1934 نشر أول دراسة له في المجلة البريطانية Nature، وهى الأهم، حول Partnership between Fish and Anemone أو "الشراكة بين الأسماك وشقائق النعمان"، https://www.nature.com/articles/134291a0) ) وتحدثت فيها عن تعاون أسماك المهرج وشقائق النعمان في اصطياد الفريسة المشتركة.

وهذا الأمر، كما يقول د. جوهر، "أصبح فيما بعد هواية للغواصين والمصورين تحت الماء الذين باتوا يلاحظون هذه الظاهرة" بشغف شديد ويصورونها. في عام 1942، أي بعد 100 عام من تسجيل آخر عينة، تحقق جوهر من استمرار وجود الثدييات البحرية المعروفة باسم "الأطوم" (أو أطَمَة أو ناقة البحر أو زالخة أو مَلِصَة أو حَنفَاء (باللاتينية(Dugon وهى حيوان بحري كبير الحجم من فصيلة الثدييات ويقترب في شكله من خروف البحر، وهو واحد من أربعة كائنات حية من فصيلة الخيلانيات المائية الآكلة للعشب، وهو من أقرباء حيوان بقر البحر، أو حورية البحر في الأساطير الشعبية) كما عثر أيضا على بقايا جمجمة أبقار البحر في رمال الغردقة، لقد كان يُعتقد أن الثدييات انقرضت في البحر الأحمر، ولكن لأنه كان يؤمن بالمقولة التي تقول إن "الوقت والصبر مهمان إذا ما كنت تريد الوصول إلى نتيجة جديرة بالاهتمام".

• في عام 1942، زار الملك فاروق الأول (1936-1952م) المعهد الملكي لعلوم المحيطات في الغردقة، ورافقه الدكتور حامد جوهر الذي كان له الفضل في إنشاء محتويات هذا الصرح العلمي المهم في منطقة البحر الأحمر. تفقد الملك فاروق الأول محتويات المعهد الملكي واستمع إلى شرح الدكتور حامد جوهر عن أهمية هذا المعهد والدراسات التي أجراها في المنطقة. في هذه الزيارة، وتأكيدا على إعجابه بما يقوم يه قدم الملك فاروق الأول قطعة أرض مساحتها 55 فدانًا كهدية للدكتور حامد جوهر لإنشاء بقية مباني محطة الأبحاث البحرية، وتقديرا لأبحاثه العلمية في مجال اكتشاف أنواع مختلفة من الأسماك البحرية والعالم الآخر في أعماق البحر الأحمر. وهناك تميمة مسجلة عليها «هدية الملك فاروق الأول» للدكتور حامد جوهر في متحف علم المحيطات بالمعهد.

وهنا نستطيع أن نرصد التاريخ الحافل له من خلال ما يلي:-

• بدأ حامد جوهر قبل 60 عاما أول دراسة بحثية موسعة لدراسات البحار في مصر والعالم العربي.

• تولى حامد جوهر إدارة محطة الأحياء البحرية في مدينة الغردقة منذ إنشائها ولمدة أربعين عاما.

• أنشأ متحفا بحريا يضم مجموعات من حيوانات البحر الأحمر ونباتاته. كما أسس في المحطة متحفها الذى يضم أغلب أحياء البحر الأحمر حيث يضم العديد من الأسماك المحنطة من بيئة البحر الأحمر والمحيط الهندي ومنها عروس البحر والدلافين والقروش والسلاحف وغيرها من الأسماك ويضم الأكواريوم أو حوض السمك الموجود بها ستة وعشرين حوض زجاج لعرض الأسماك الحية وخاصة أسماك الشعاب المرجانية.

• وفي عام 1947م أنشئ معهد فاروق الأول لعلوم البحار وتولى جوهر منصب المدير وعندما أنشئت وزارة البحث العلمى عام 1963م في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تم ضم معهد فاروق إليها وظل جوهر مديرا له ومشرفا على الخطة العلمية لبحوث البحار وقد شهد المعهد خلال فترة رئاسة الدكتور جوهر له نشاطا علميا دؤوبا حيث قام بعمل أبحاث هامة في مجال علوم البحار، هذا وقد تغير اسم المتحف الذى أنشأه الدكتور جوهر بمحطة الأحياء البحرية بالغردقة في عام 1992م إلي المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد وظل تابعا لوزارة البحث العلمي والتكنولوجيا واصبح له ثلاثة أفرع أخرى في الإسكندرية وجنوب سيناء والقناطر ويهتم كل منها بما له علاقة بعلوم البحار والبيئة البحرية.

• عمل مستشارا للسكرتير العام للأمم المتحدة لتنظيم المؤتمر الدولي الأول لقانون البحار في جنيف عام 1958.

• اختارته الوكالة الدولية للطاقة الذرية سنة 1959 رئيسا للجنة التخلص من النفايات النووية في أعماق البحار.

• عمل مستشاراً للعلوم والتكنولوجيا بجامعة الدول العربية سنة 1970.

• في عام 1973م، تم اختياره عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة وشارك في إعداد المعاجم العلمية العربية التي أصدرها مجمع اللغة العربية وأبرزها معجم البيولوجيا في علوم الأحياء والزراعة الذى استغرق إعداده 8 سنوات كاملة ما بين عام 1976م وعام 1984م

• حصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم سنة 1974، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى سنة 1975.

• وكانت وفاة هذا العالم الجليل في يوم 17 يونيو عام 1992م عن عمر يناهز 85 عاما بعد حياة حافلة بالإنجازات الرائعة عاشها وحيدا وعاش جميعنا معه. رحم الله حامد جوهر رحمة واسعة وجزاه خيرا عن ما قدمه لعلوم البحار.