الخميس 18 اغسطس 2022

البئر.. إبداع جديد في المهرجان القومي للمسرح

مقالات31-7-2022 | 14:18

تدخل إلى مسرح الطليعة.. على مساحه مسرح أقل من 4 أمتار مربعة تجد قفصا من الحديد المستخدم في مسابقة المصارعة بداخله فتاة جميلة ترتدى فستانا بسيطا وشابين كلاهما يرتديان تيشيرت ورجل عجوز تظهر لحيته الرمادية سنا أكبر منهم بينما ملابسه كلها سوداء

..

يبدأ العرض وتقف الفتاة تحمل رقم 1 بينما يقف الشبان في وضعية المصارعة والرجل في وضعية الحكم.. ويتكرر الأمر ثلاثة مرات بدون أي تغير ، حيث تنطلق صافرة الحكم وتقف الفتاة لترفع رقم واحد بينما يجلس الشابان في وضعية المصارعة..

حتى يتحدث أحدهما في صوت طفولي يتحدث عن حياته كطفل أحب أغنيات الكبار ومنها " من غير ليه".. وفجأة يتحول الشاب الآخر إلى طفل يسمع أغنية لولاكي والشابة تصبح فتاة صغيرة تلعب معهما..

يتطور الأمر إلى مشاجرات طفولية متعددة تذكرك بحياتك في الثمانينات، حيث "أديك بوكس أخليك صابونة لوكس"، وغيرها الأمر الذي انتزع ضحكات الجمهور الذي تذكر الطفولة البريئة..

بعد عدة أحداث تذكرنا بفترة الثمانينات نكتشف أن الرجل الكبير هو أبو الفتاة ومدرب مصارعة الذي يعجب بالطفلين "في ذلك الوقت" ويقرر تدريبهما كمصارعين.

تجري بنا الأحداث إلى مرحلة المراهقة، حيث يتصارع الشابان على حب الفتاة بينما يحرص المخرج إلى نقل المشاهد إلى زمن التسعينات، حيث أغنية " كماننا" من فيلم إسماعيلية رايح جاي الذي أحدث نقلة في سينما التسعينات..

بينما تندهش من براعة الممثلين ( الفتاة فاطمة أحمد - الشاب الطيب مصطفي عماد - الشاب المهزوز أحمد عامر ) على قدراتهم الصوتية والفنية في تغير صوت الطفل إلى صوت الشاب مع حركات الجسد المصاحبة لفترة المراهقة..

بينما يركز العرض على حياة الشاب الطيب الذي يصفه العرض بأنه لقيط، تم انتشاله من البئر حيث لا نسب ولا عائلة ومحاولته أن ينتزع حب الفتاة عن طريق فوزه في بطولة المصارعة.. يمشي النص بالتوازي على إظهار حياة الشاب الآخر الذي يغش في البطولة باستخدام المنشطات فيقرر والد الفتاة استبعاده من التدريب.

وفي لوحات فنية إبداعية رائعة يستغل المخرج الأغاني لكي يجعل المشاهد يشعر بمرور الزمن.. فبينما يكافح البطل لكي يفوز، يقرر والد الفتاة رفضه لأنه بلا نسب ولا حسب.. بالرغم من فوزه ببطولة مصر إلا أنه في نظر المجتمع لقيط بلا نسب..

وبعد حوارات رائعة وتنافس رهيب في التمثيل يجري بنا المخرج عبر أهم أحداث التسعينات .. من غرق عبارة السلام في البحر الأحمر.. في إشارة إلى غرق أحلام الشاب الطيب بحضور المنافس له الذي سافر إلى أمريكا وعاد غنيا..

إلى حادثة قطار العياط الذي تحطم بسبب الإهمال بينما خسر البطل بطولة أفريقيا لكي يحصل على مبلغ يساعده في الزواج ولكنه يكتشف أنه تم النصب عليه في هذه اللحظة تحدث حادثة قطار العياط.. في إبداع فني رائع من المخرج وإشارة مهمة عن هذه الفترة الزمنية .

بينما تتوالى الأحداث في شكل لوحات فنيه متقطعة خلال أحداث يناير وثورة 30 يونيو.. وتستمر المسرحية..

- التمثيل : قدمت وببراعة كبيرة جدا الفنانة الشابة فاطمة أحمد واحدة من أروع الحوارات المسرحية.. استطاعت أن تنقل لنا أحاسيس الطفولة بنبرات صوتها الهادئ مع وجهها الملائكي وأن تظهر لهفة حب المراهقة.. واستطاعت أن تنقل لنا عزيمة وإصرار الأم التي تدافع عن طفلها في آخر المسرحية بنبرات صوتية قوية وملامح جادة بالرغم من أنها لم تغير ملابسها طوال العرض.. الأمر الذي أتوقع لها مستقبل رائع علي خشبات المسرح.

- قدم الشابين أحمد عامر ومصطفي عماد أداء متوازنا جدا وراقيا في إظهار تناقض الطبيعة البشرية. في العديد من الإشارات المسرحية المبدعة بين الطفل الذي ليس له نسب مصطفى عماد - والطفل الذي يسعى إلى المكسب السريع أحمد عامر.. فبينما استخدم مصطفى نبرات صوته المتذبذبة في إشارة إلى عدم شعوره بالأمان نظرا لعدم وجود أسرة، استخدم أحمد عامر نبرات صوته القوية في إشارة لقوة الباطل علي الحق الضعيف.. وبينما كان مصطفى ينظر دائما إلى الأعلى وهو يكلم الجمهور في إشارة إلى نظرته إلى المستقبل.

لم يواجه أحمد عامر الجمهور بنظراته المباشرة إلا قليلا جدا… في إشارة لخوف الباطل من مواجهة الحقيقة

- بينما قدم الفنان محمد بهجت دور الأب /السلطة بشكل أكثر من رائع بملامح جادة معظم الوقت يتخللها استخدام نبرات صوتية بها من الحنية ما يجعلك تعرف مقدار الآلام حتى وهو يستبعد أحمد عامر من البطولة بسبب المنشطات أو وهو يركب قطار العياط بسبب الفقر..

- الإضاءة : البطل الخفي في العرض .. فمهمة أن تنير وتظلم مسرح مساحته 4 أمتار مربعة هي مهمة في منتهى الصعوبة حيث تكفي إضاءة شمعة لكي تنير جزء غير مرغوب فيه .. لذا كان مصمم الإضاءة إبراهيم الفرن ومنفذ الإضاءة أحمد طارق هو المبدعان على خشبة المسرح لاسيما في أحداث غرق العبارة. وأحداث قطار العياط

- سينوغرافيا إبراهيم الفرن - كيروجراف محمد صلاح - مخرج منفذ ريم الصواف

 الإخراج والمخرج أحمد سمير :

لا يمكن حرفيا أن تغمض عينيك في أثناء المشاهدة من كثرة الرموز والفنيات التي وضعها المخرج في العمل…

* فمنذ البداية استخدام قفص لكي يجعلك تشعر أن الحياة محدودة ومحكومة

* جعل الفتاة والشاب الطيب والحكم يرتدون نفس الملابس طوال فترة العرض ( تقريبا) في إشارة إلى أن الناس الطيبة لا تتغير.. بينما تغيرت ملابس الشاب الآخر/ الشرير حسب كل فترة زمنية في إشارة إلى تغير النفوس البشرية.. بينما ظل الأب في ردائه الأسود طوال العرض في إشارة إلى سلطة القضاء والمحاماة والعدالة.. والي الأيام الصعبة..

* استخدم الأغاني الزمنية بهدوء شديد ورائع لكي يجعلك تعود إلى الفترة الزمنية بشكل هادئ وسلس

* إبداع المخرج في استخدام الإضاءة بشكل رائع جدا وقدرته على إدراج رموز الفترات الزمنية والأحداث داخل العرض بطريقة واضحة وبسيطة غير متكلفة

* واقعية المصارعة التي تمت خلال في العرض لدرجة أن يحمل الممثلين بعضهم بعضا في حركات مصارعه حقيقيه.. (دربهم لعبة المصارعة محمد صلاح)

أما أكثر ما أعجبني هو مشهد تصوير حادثة قطار العياط.. ( حيث يجلس الأب محمد بهجت على كرسي ويدور حوار تفهم منه أنه متجه إلى العياط.. بينما يمسك الممثل مصطفى عماد بحديدة ويحركها على القفص وهو يدور حول المسرح معطيا صوت (عجلات القطار على السكة الحديد ) يُظلم المسرح تماما إلا من نور بسيط قادم من اتجاه واحد بينما يستمر مصطفي في الدوران السريع والحديدة تعطيك صوت عجلات القطار.. ثم صوت تحطم زجاج رهيب.. بينما يتساقط قطع ورقية ملونة بالأصفر أمام النور الأمر الذي يعطيك إحساسا أنها قطع زجاج الشباك التي تكسرت بفعل الحادث.. مع توقف الأصوات تماما بشكل كئيب مقبض ..

إجمالا مسرحية" البئر" من إنتاج الهيئة العامة لقصور الثقافة والعرض لوحة فنية رائعة من إيداع الممثلين إلى إضاءة إلى مخرج واع يمتلك زمان أدواته الخارجية بحرفية فائقة.

ولا بد هنا أن أشكر مريم سليمان

والعزيز جرجس صبحى.. من فريق عمل GR GROUB على إبداعهم في تغطية المهرجان.