الثلاثاء 16 ابريل 2024

الإرهاب المتأسلم وفكاكه (5-6)

مقالات8-9-2022 | 11:33

تعد تونس بمثابة النموذج الأمثل لعلمنة المجتمعات الإسلامية إلى جانب تركيا بالطبع، فبعد رحيل المستعمر الفرنسى تعامل "الحبيب بورقيبة" مع الإسلام برؤية مزدوجة، فقام بتوظيفه فيما يخدم خططه بدعوى الحفاظ على الهوية، وفي الوقت نفسه عمل على استبعاده فيما لا يتوافق مع مشروعه تحت شعار التنوير.

وعلى الرغم من أن الدستور التونسى لعام 1959 نص بديباجته على أن تونس "دولة حرة مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها"، فإن واقع الحكم فيها كان يقوم على استبعاد الدين من مصادر بنائها الفكرى واستبداله بمفاهيم غربية علمانية.

عمل بورقيبة مبكراً على إقصاء الإسلام من خلال الهيمنة على مؤسساته التقليدية أو إلغائها، فصادر مؤسسة الزيتونة (أزهر تونس) وألغى كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم وأمم الأوقاف وأنهى عمل المحاكم الشرعية وأدخل تغييرات غير مشروعة على قوانين الأحوال الشخصية.

ودعا لإسقاط فريضة الصيام بدعوى النهوض بالاقتصاد، وحظر ارتداء الحجاب بالمدارس وغيرها من المؤسسات الرسمية، ووصف القرآن بالتناقض وسخر من الجنة والنار وشعيرة الحج واعتبر أن فريضة الجمعة تؤخر عجلة الإنتاج.

وعلى الدرب ذاته سار "زين العابدين بن على" وإن كان حاول (كالمعتاد) تعزيز شرعيته بعد ازاحته لبورقيبه عبر بوابة الإسلام، فأطلق إذاعة للقرآن الكريم وأعاد جامعة الزيتونة وحرص على إظهار أدائه لبعض الشعائر الدينية عبر وسائل الإعلام وانفتح على حركة النهضة الإسلامية.

لكنه سرعان ما تراجع، ففرض قيوداً شديدة على المساجد ومنع الرجال من إعفاء اللحى إلا برخصة وواصل إجراءات حظر ارتداء الحجاب بالأماكن العامة وتعامل مع التعبيرات السياسية ذات الخلفية الدينية على أنها تهديد لنظامه.

بمعنى أكثر إجمالاً ووضوحاً فإن نظام الحكم بتونس منذ استقلالها عام 1953 وسواء بأيام بورقيبة أو بن على عمل باتجاه ترسيخ أقصى درجات العلمانية ومسخ الهوية الإسلامية بمجتمعها بشكل تجاوز كل الحدود وفاق ما جرى من نظم عربية بعثية أو ماركسية أو اشتراكية وإن كان يقترب مع ما كان من أتاتورك بتركيا.

وعلى ضوء هذا وطبقاً لوجهة نظر مَن يرون أن مكافحة الإرهاب المتأسلم تكمن بالأساس فى علمنة مجتمعاتنا الإسلامية كان متوقعاً ندرة ظواهرالتطرف والعنف الدينى بتونس على أقل تقدير إن لم يكن انعدامها تماماً، لكن ما حدث كان العكس تماماً.

فهذا الموقف الإقصائى للدين كان هو أحد محركات التطرف المتأسلم، فقد صنع بحسب الكاتبة المغربية وفاء صندى حالة من التناقض الحاد داخل المجتمع التونسى مابين هويته الإسلامية وتلك الوافدة تحت شعار الحداثة دفعت بعضاً من شبابه للبحث عن هويته المفقودة خارج الإطار الرسمى الذى اتاح موقفه السلبى الفرصة أمام المكونات الدينية الأهلية بتنويعاتها السلمية والعنيفة للعمل والاستقطاب.

وبعد هروب "بن على" تجلت الهوية المكبوتة لهؤلاء إما بإطار سلمى عبر جماعات حملت منذ سبعينات القرن المنقضى مشروع "إحياء قيم الإسلام" أو من خلال تنظيمات عنيفة ارتكبت أكثر من عمل إرهابى على نحو ارتدادى ومتفجر.

فمنذ مايو 2011 شهدت تونس أكثر من حادث إرهابى متأسلم، وتحولت مناطق ولاية القصرين الجبلية الحدودية مع الجزائر اعتباراً من 2012 لملاذٍ آمن لمقاتلى التنظيمات الإرهابية االأجانب، وعندما أعلن تنظيم الدولة الإسلامية عن خلافته المزعومة كانت تونس أكبر دولة مصدره لمقاتليه الأجانب.

وتسببت ظاهرة التحاق التونسيات بداعش بسوريا والعراق وليبيا صدمة للرأى العام العالمى الذى طالما عد المرأة التونسية نموذج للتحرر الغربى إلا إن حديث الواقع كان مختلفاً، وهكذا صدمت تونس كل توقعات من اعتقدوا أن علمنة مجتمعها وتغريبه كافٍ لإبعادها عن التطرف والإرهاب المتأسلم بل جاءت النتائج بشكل عكسى تماماً.

إذن فعلمنة المجتمعات الإسلامية أو دفعها للمزيد من الإستغراق بالحياة وفقاً للنموذج الغربى ليس حلاً لحصار ما تفرزه من تطرف متأسلم، بل على النقيض من هذا فإن العمل على علمنتها بالشكل الحاد الذى تابعناه ونراه الآن يعد سبباً من ضمن أخرى فيما يتناسل منها من عنف، فهناك علاقة جدلية بين انماط التطرف المختلفة، فغالباً ما يكون التطرف نوعاً من رد الفعل لتطرف آخر.

لكن مادام الحال كذلك، فما هو السبيل لمقاومة ذاك الإرهاب الأسود؟