الأربعاء 5 اكتوبر 2022

«رحيل» .. وأدب الاعترافات

مقالات21-9-2022 | 11:21

كتب «جان جاك روسو» سيرته الذاتية تحت عنوان «اعترافات»، ولقد كانت أهم الميزات التي منحت الخلود لهذه الـ «اعترافات» أنها كانت أول عمل أدبي يكشف صاحبه فيه عن نفسه، فيُظْهِرها على حقيقتها الكاملة دون أي زيف أو تضليل؛ فقد سجل «روسو» في سيرته الذاتية أدق أحداث حياته دون أن يَجْفُل من مواجهة الحقيقة. إن كتابة السيرة الذاتية تتطلب شجاعة وجسارة لكشف النقاب عن تفاصيل حياة صاحبها وخباياها؛ وهذا ما فعلته «جيني حسين علي» التي جاء ارتباط اسمها باسمي بمحض المصادفة؛ فهى «جيني» وأنا «حسين علي»، ومن لا يعرف قد يظن أنني أكتب عن ابنتي التي من صلبي، وهذا مخالف للواقع والحقيقة. إنني أكتب عن صديقة تحتل في قلبي منزلة الابنة؛ وإن لم تكن ابنتي حقًا. 

لقد حَزِنَت «جيني» على وفاة والدها حزنًا بالغًا، وكنت على تواصل معها خلال فترة مرض والدها، وحين عَلِمْت منها بوفاة والدها، أدركت قدر الوجع الذي اعتصر قلبها على فراق والدها رحمه الله رحمة واسعة. 

تقول «جيني» في تصدير كتابها: 

«سعيد الحظ من استطاع وبالتفصيل تسجيل ومضات من حياته ليترك أثرًا مدوَّنًا يعود بفائدة على من يقع في يده مثل هذا الكنز». 

لا شك أن الكاتبة قد تحقق لها ما أرادت؛ فقد نجحت في تسجيل جوانب من حياتها بلغة أدبية راقية، وأسلوب سلس رشيق. 

في الجزء الأول من ملحمتها الرائعة «رحيل» والذي جاء تحت عنوان «مذكرات ناجي» تبدأ الكاتبة «جيني حسين علي» بعرض واقعة خيانة «ناجي» لزوجته «ماجي»، مما أدى إلى انفصال الزوجة الفرنسية الأصل عنه، وعودتها إلى وطنها الأم. ورغم أن زوجته اتخذت قرارًا نهائيًا بالابتعاد عنه؛ فإنها لم تطلب منه الطلاق صراحةً. (ص 16) 

حكى «ناجي» عن المرة الأولى التي التقى فيها بـ «رحيل»، فيقول: 

«عند باب شقة صديقي طارق، وأثناء انتظار المصعد شممت رائحة بخور وباب شقة يُغلَق برفق، سمعت صوتًا مبحوحًا رقيقًا يُلقي التحية على صديقي. 

- صباح الخير

التفت ناجي إلى مصدر الصوت فوقعت عيناه على رحيل جارة صديقه طارق. يصف ناجي هذه اللحظة، فيقول: 

«أحسست بالخدر يسري في بدني حالما وقعت عيناي على أنثى هيفاء قادمة باتجاهنا، بابتسامتها المقتضبة وعينيها العسليتين اللامعتين تشعان بريقًا، وشعرها المتمرد، وهيئتها التي ذكرتني بالساحرة كاساندرا». (ص 23) 

     منذ تلك اللحظة ملأ حب «رحيل» شغاف قلب «ناجي»، ولم يستطع التوقف عن التفكير فيها. لم تكن «رحيل» كسائر النساء، فلم تكن تقبل هدايا «ناجي» الثمينة، إن ما تقبله الورود العطور فقط. كانت «رحيل» في ردود فعلها وانفعالاتها طفلة رغم حكمتها التي تختلف بها عَمّن هنَّ في عمرها، حتى أنها تعطي حلولاً فورية بسرعة وبداهة لأية مشكلة تصادفها.

كانت «رحيل» مزيجًا من الحكمة والعاطفة الجيَّاشة، أو هكذا كان يراها «ناجي». 

توثقت علاقة «ناجي» بـ «رحيل» فعرض عليها الزواج، وردت «رحيل» على عرض «ناجي» قائلة: إنها تفاجأت بهذا العرض وطلبت فسحة من الوقت.  (ص 71) 

اختتم «ناجي»  مذكراته بهذه السطور: 

قررت أن أرسل هذه المذكرات إلى «رحيل»، آملاً أن تُكملها فتتحدث فيها عن الجانب المظلم والغامض في شخصيتها والذي لا أعرفه أنا، وترد فيها عن تساؤلاتي فتسرد كل المواقف التي حدثت بيننا، ولكن من جانبها.  (ص 79) 

أما الجزء الثاني من ملحمة رحيل، والذي عنوانه: 

«عندما تكتب المرأة .. رحيل» 

مهدت الكاتبة لهذا الجزء بقولها: 

«ترددت كثيرًا قبل نشر هذا الجزء، نظرًا لاختلاف وجهات نظر القرَّاء حول مفهوم حرية الفكر» (ص 83) 

تحكي رحيل قائلةً: 

«تأخرنا في سهرتنا عند بحيرة قارون بالفيوم، وكان من الصعب على ناجي أن يقود سيارته ليلاً في طريق عودتنا إلى القاهرة بعد هذا اليوم الطويل الحافل بالأحداث، أقنعني بأن نقضي ليلتنا في البيت، وبعد تردد وافقت. 

ذهبنا إلى البيت وكان الظلام دامسًا ... أخذ ناجي يبحث في الظلام عن قابس الكهرباء بينما كنت متشبثة به، إلى أن وصل ونجح في رفعه. أضيء نور خفيف في الطابق الثاني، وصعدنا متكئين على بعض إلى أن وصلنا إلى الطابق الثاني، وهناك رميت نفسي على الأرض من شدة التعب والنعاس، كان التعب والإرهاق يبدوان على ناجي أيضًا، لكن المفاجأة كانت أنه ألقى نفسه علىَّ وأخذ يقبلني بنهم، كانت يديه هذه المرة أكثر حكمة ووصلتا إلى أماكن لم تطأها من قبل في جسدي، كانت أنفاسه الملتهبة تشعل جوارحي بكل الحرائق، عندها قررنا الانفجار سويًا وأطلقنا العنان للحظة، وتوقفت تمامًا عن المقاومة بصرخة هزت الأرض.

صحوت فجأة وتنبهت لما يحدث، دفعته بكامل قوتي ولملمت نفسي وانسحبت زاحفة إلى أسفل الدرج (ص 85) 

كورقة تحترق تقلبت وتلويت في السرير حتى الصباح، فكياني الهادئ أُقتحم واشتعل وأُستهلك، أي عذاب هذا الذي أنا فيه؟ ومع ذلك تمنيت لو أكملت حتى النهاية، وأخرج إلى ناجي لنكمل ما بدأناه. بعد تلك الليلة بت أشعر بضيق وتأنيب ضمير، وكثيرًا ما وقفت أمام المرآة وبصقت في وجهي. ورغم انتقادي الدائم لأية قيود من أي نوع أو جهة تُفرض على روحي وفكري، إلا أنني وقفت في صراعات دفينة لم أقوَ عل التغلب عليها. (ص 86)

وقعت «رحيل» فريسة ذلك الصراع المحتدم بين أفكارها المتحررة وقناعاتها المبنية على سنوات من الدراسة والبحث والتأمل من جانب والرجعية والأصولية والتربية والقيم الإنسانية من جانب آخر. والتي هى موروثات وبعضها فروض اجتماعية وتقاليد، وكان للدين المسار الأكبر في نعش ضميرها. (ص 87)

تقول الكاتبة: 

الأمر يحتاج إلى قدرة واستعداد ووعي كبير وفهم أكبر لذاتك إن أردت توثيق مذكراتك بأمانة. وأكدت الكاتبة إنها اكتشفت أن توثيق المذكرات ليس بتلك السهولة التي توقعتها. (ص 115)

بعد انتهاء أجازته سافر ناجي إلى عمله في دبي، وجرت الأحداث بسرعة ما بين لحظات فرح ولحظات ألم، إلى أن انتهت بسفر «ناجي» إلى فرنسا للعلاج.

 دون تردد أو تفكير سافرت «رحيل» لتكون بجانبه، كانت تريد اللحاق به قبل إجراء العملية له. 

بعد أن أُجْرِيَت العملية الجراحية لناجي بنجاح، واطمأنت على صحته، خرجت «رحيل» من المستشفى لا تدري أين تذهب، قررت تغيير الفندق الذي حلَّت به فور وصولها فرنسا، وذهبت للحجز في فندق آخر حتى لا يعرف «ناجي» عنوانًا لها. كانت عازمة على الخروج من حياته وتركه لزوجته وأولاده. 

ظلت تتردد على المكتبة القريبة من محل إقامتها بالفندق، ولقد تعرفت هناك على موظف بالمكتبة هندي الجنسية يدعى «رام»، توثقت عرى الصداقة بين «رحيل» و«رام». كانت «رحيل» قد قررت قبل مجيئها فرنسا أن تمكث شهرًا فقط ثم تعود إلى مصر، لكن «رام» أقنعها بتمديد الفترة إن أمكن لثلاثة أشهر إضافية. كانت «رحيل» تستمتع بالجلسات المطولة مع «رام» في إجازته الخاصة، حيث قرر أن يقوم بدور المرشد السياحي والمسؤول عن برنامج الرحلة التي يرافقها فيها. 

حين طرحت «رحيل» سؤالاً على «رام» الهندي: 

«هل أنت هندوسي؟» 

أجابها «رام» مستنكرًا هذا السؤال: 

«وها أنتِ تخطئين في رأيكِ فيما يتعلق بالدين الذي أتبعه سواء الهندوسية أو غيرها!! كلما أدركتِ ذاتكِ كنتِ أكثر عمقًا؛ وأدركتِ أن هذا العالَم وجميع الأديان مبنية على معتقدات خاطئة وأساطير ووهم، لذلك لا وجود عندي لإله يسيطر علىَّ هو وجيوشه، أو يقودني من أنفي كالأغنام لمرعاي. أواجه الله بكل نَفَس أتنفسه، لأنه لا يمكن أن يوجد بدون إيماني أو معتقداتي .. ومع ذلك فإنني لست ملحدًا، أنا أيضًا أؤمن بوجود قوة عليا، ولكن ليس الإله الذي صنعته لي البشرية وحتى أي دين». (ص 125)

في عطلة نهاية الأسبوع قررت «رحيل» هى و«رام» الذهاب إلى عاصمة النور باريس.

وذات صباح تفاجأت «رحيل» بوجود «ناجي» ببهو الفندق يسأل عنها.

 أخبرته «رحيل» بأنها ما أن اطمأنت عليه حتى غادرت المستشفى مع قرار أن تبتعد عنه وعن عائلته. وحين طلب منها «ناجي» جمع حوائجها للذهاب معه إلى فندق أفخم وأجمل، قاطعته «رحيل» قائلةً: 

«أرجوك .. لا أريد أي شيء منك، إنك تقيد حريتي، حتى وإن كانت قيودك من ذهب، فإنها تثقل كاهلي وتمنعني من الطيران، لا أريد شيئًا يسحبني إلى الأرض». (ص 137)

كتبت «رحيل» في مذكراتها: 

«أحلامي بسيطة جدًا وما زالت كلها تدور حول كلمة واحدة «الحب»، أن أجد الحب الحقيقي، حينها لم أجد معنى شاغلاً ومحددًا لهذه الكلمة، أو ماذا نعني بـ «الحب الحقيقي» نحن جميعًا نُحِب ونُحَب وقد نشعر أنه حب حقيقي، ونحاول بكل قوتنا أن نثبت لأنفسنا وللآخرين إنه حب حقيقي إلى أن نجد أنفسنا نُغْرَم بآخر، فنعود لنؤكد أنه حب حقيقي أيضًا ونعلن عن حبنا إلى أن يتبخر ونتألم أو يتألم الآخر، فنعود لنفس الدائرة مع حب جديد حقيقي .. وكأن «حقيقي» هذه تعني الحب الذي يتبخر، وكأن التغيير مرادف لمعنى الحقيقي». (ص 140)

«أنا عندما أنظر إلى شخص ما فإنني أرغب في رؤيته وليس رؤية الطبقات الضبابية المسيئة والتي تطمس رؤيتي، حيث يختبئ هو تحتها .. لا أريد ذلك الحب الذي يخرج من النافذة في غضون أيام أو بضعة أسابيع أو أعوام أو خلال حياتك، إنما الحب الذي يعيش معك في كل حياة وعلى مداها، ويشعل روحك في كل مرة تحب». (ص 162) 

استقلت «رحيل» الطائرة إير فرانس متجهة إلى مصر .. من نافذتها كانت أرض السماء والنور تبتعد، تقول «رحيل» نفس الطائرة ونفس الرحلة، ولكن لم أكن نفس الشخص، غادرت وقد تركت جزءًا مهمًا هناك في فرنسا وبالمقابل أخذت قلب «رام» معي.

  أود أن أختتم هذا المقال الذي عرضت خلاله ذلك العمل الأدبي الرائع الكاتبة المبدعة جيني حسين علي؛ إذ تقول: 

«أيها السادة .. لا تبخلوا على البشرية بتاريخكم وأفكاركم، فأعظم الأعمال والعِبَر ربما تحتويها سيرتكم، أو ما تخبئونه تحت الوسادة .. تتثاءبون فوقه وأنتم نيام، وربما يكون لها ذاك الأثر الأجمل بعد رقادكم بسلام يومًا ما». 

** ​أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس

 

مطار القاهرة2